مريم أبوري - قراءة في ( الطيور لا تنظر خلفها حين تحلق )، المجموعة القصصية للكاتب المغربي عبد الرحيم التدلاوي

( الطيور لا تنظر خلفها حين تحلق )، هكذا هي المجموعة القصصية للكاتب المغربي عبد الرحيم التدلاوي ، كأنها سرب طيور أنيقة و مختلفة في سماء الإبداع، ترمي لنا بريشة من ريشها الجميلة والملونة و المتعددة التغريد ، ريش عبارة عن نصوص قصصية قصيرة جدا، ترميها لنا وتمضي محلقة دون أن تنظر إلينا وإلى ما ترك فينا ريشها من دهشة وانبهار..نصوص جد قصيرة لكنها عصارة لرحيق تجارب حياتية، تجارب تترك قارءها يغوص في عمقها الإبداعي والإنساني والنفسي ، و يتيه في رمزيتها كي يفك شعيرات كل ريشة / قصة قصيرة ، نثرتها علينا الطيور دون أن تنظر إلينا ونحن خلفها، نتابع طيرانها لعلها تعود إلينا كي تساعدنا على فهم واستيعاب كل ما ترمي إليه كل ريشة /قصة من هذه الريش .
قصص توهمنا أولى سطورها بالفرح ثم ترمينا في بئر سوداوية الواقع ، فمسرور عالي الهمة وجد رأسه متدحرجا بين قدميه ( مسرور)، ومن كشفت مرآته تعدد أقنعته( تناثر) ،ومن سقط لسانه بعد أن جاءت الثورة مبشرة بعهد جديد( بين عهدين)، والذي كان يجد أباه عظيما، إلى أن اكتشف انه لا يستطيع أن يدفع عنه العار( سؤال نازف) ، ومن صير نفسه شيخا والناس مريدين و جواري لما خاف عليهم من الحسد والطمع ( الشيخ والمريد ) والذي أحرقته أحلامه ( حرائق) ومن خاف من أحلام ملونة فتركته إلى شخص آخر(هجرة)، ومن من شدة غضبه من مديره انحنى يلمع حذاءه بلسانه ( انحناء )، والذي في قمة نشوته هرب خوفا من طارق على الباب ناسيا أنها ليلة دخلته( تداع) ...وهكذا دواليك كل نص له رسالة إنسانية تجعل القارئ يتوقف طويلا، يتأمل هذه الشذرات التي تصيبه بشظايا تقلق روحه لأنه لا يستطيع أن يغرف كل الماء العذب من بئر هذه القصص القصيرة جدا ، ماء رغم سوداويته ، يروي عطش القارئ لكي يكشف كل ما يريد صاحب الطيور إيصاله لنا من تأملاته في واقعنا اليومي المرير. فقد نكون شخصية أو شخصيات من أبطال هذه القصص المريرة، قد نكون نحن كذلك ريشة ساهمت في غطاء هذه الطيور التي ربما تطير دون أن تلتفت إلى الخلف لأنها مثقلة بريش أمراضنا النفسية ومشاكلنا الاجتماعية التي حبكت ريشا لها ، والتي قد تكون الطيور خجلة من حمل عوراتنا أو هي تحتقرنا لاكتشافها و صدمتها لما حملت قصصنا التي باح لها بها الكاتب وفضحنا بها عندها.
( الطيور لا تنظر خلفها حين تحلق ) قصص قصيرة جدا ، لكن كل واحدة منها يمكن أن توحي برواية طويلة أو قصيدة شعر ذات أبيات لا تحصى ، فهنيئا للكاتب عبد الرحيم التدلاوي الذي استطاع أن يعبر بكلمات قليلة لكنها جد عميقة ، وأن يسرد لنا حالات نفسية واجتماعية بعمق كبير في سطور قليلة، في قصص ما أن نبدأها حتى تنتهي بسرعة برق ، لكننا نعيد قراءتها عدة مرات بتأني لأنها كتبت بتأني وتفكير كبير وجهد نفسي كبير، فلما نقرأ بل ننصت للراوي وهو يحكيها لنا يصلنا ألام مخاضها وولادتها من رحم روحه عبر قلمه ذي الأسلوب الأنيق بدون تكلف.
( الطيور لا تنظر خلفها حين تحلق ) تستحق القراءة و تنجز عنها دراسات كثيرة ومتنوعة.
فهذه مجرد انطباعات قارئة ولست بناقدة.
شكرا للكاتب عبد الرحيم التدلاوي على هذه التحفة ، وشكرا لك على قبول تسجيلها.
قراءة صوتية ممتعة مع الاعتذار عن كل خطأ غير مقصود ونطق غير صحيح أو تغيير لمعنى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى