خالد محمد مندور - فيض الخاطر.. سوريا والشام بين النار والرماد

هل انتهى الصراع داخل سوريا وحولها أم انتقل الى مرحلة جديدة؟ هل انتهى الصراع حول قلب العروبة النابض في دمشق ويبدأ التغيير في الشام الكبير؟ وما هي افاق التغييرات المنتظرة في لبنان والأردن وإسرائيل؟ أسئلة صعب الإجابة عليها وسط "ايفوريا" حماسة الاتجاهات الإسلامية التي تعالى صوتها وأمالها في امتداد الحالة السورية الى غيرها من بلدان المنطقة، حماسة امتدت الى بعض التوجهات الليبرالية التي لم تتعلم من تاريخها القريب في فيرمونت حين لم تدرك الفارق بين الطابع الاجتماعى للثورة الشعبية وبين التيارات الإسلامية المعادية لهذا الطابع الاجتماعي والتي تسلقت ورقصت على كل الحبال، ولا يخلو الامر من بعض من يعتقد انه يساري وهو لا يدرك انه ليبرالي مشوه رغم الرطانة اليسارية المملة.

قبل محاولة الإجابة على هذه الأسئلة الصعبة لابد من التوقف الديناميكي حول اللحظة الراهنة من الصراع الدائر داخل وحول الشام الكبير، ويبدو مثل هذا التعبير مخادعا، فكيف يجتمع التوقف والديناميكية؟ نعم يمكن تحقيق مثل هذا الجمع، هو أمر يعرفه جيدا أي هاوي للتصوير الفوتوغرافي، فعندما تكون سرعة العدسة سريعة تبدو الحركة كما لو كانت ثابتة، أما لو كانت سرعة الكاميرا بطيئة فتظهر الصورة الحركة في تعدد أوضاع الجسم المتحرك، أي أننا سنحاول رؤية الامر المتحرك بالعدسة البطيئة، وبلغة أهل السياسة ديالكتيك التغيير في اللحظة الراهنة.

فوسط غبار المعارك الدائرة في فلسطين ونشاط ما يسمى بجهات المساندة في لبنان واليمن، التي تحظى بالدعم الإيراني، بدا الامر كما لو كانت المعركة الرئيسية دائرة حول غزة في حين انها كانت في مكان أخر!، لقد كان التحضير يتم في قلب الشام، تحضير بالتسليح والتنظيم وتغيير الطابع المعلن للجماعات الجهادية، فيغير الإرهابي أبو محمد الجولانى، قائد تنظيم النصرة التي أصبحت جبهة تحرير الشام، أسمه ليستخدم أسمه الحقيقى " أحمد الشرع " ويهذب لحيته !، تحضير في انتظار اللحظة المناسبة والضوء الأخضر من تركيا الاردغانية.

فحلفاء النظام الرسمي السوري تتضاءل إمكانياتهم في مساندته، فروسيا تركز جهودها على صراعها الكبير مع الغرب حول وداخل أوكرانيا والبحر الأسود، وحزب الله ينجر الى معركة خاسرة مع إسرائيل، فيضطر الى سحب قواته من سوريا ويتعرض لخسائر جسيمة في قادته وبنيته التحتية ويضطر الى العودة الى أتفاق 2006 والقرار 1701، فلا تتحقق المساندة للقطاع ويفقد الإيرانيون الحليف الرئيسي داخل سوريا، والغريب انهم يتحدثون عن تحقيق النصر!، ولا يدرك النظام الأسدي السوري عمق ورطته واحتياجه الى جهود حلفائه للبقاء والاحتياج الملح للتغيير ، فالجيش السوري كان قد قارب على الانهيار في الشهور الأولى للأحداث ، الامر الذى يتكرر الان بدون مساندة حلفاءه ، فالجيش قد انهار وتوقفت مقاومته لتقدم تيارات الإسلام السياسي.

والان يبدو الامر وكأن تيارات الإسلام قد انتصرت في سوريا، لكن مثل هذا التصور لا يفتقد فقط عمق فهم هذه التيارات السياسية المسلحة، بل أيضا الى فهم الطبيعة الاجتماعية لسوريا والى دورها الاستراتيجي داخل الشام الكبير وفى المنطقة، فهذا النصر الحالي هو المقدمة لصراع كبير سيحتدم داخل سوريا وحولها، صراع سيحتدم وستشارك فيه القوى العظمى والإقليمية ، فمازالت الولايات المتحدة وروسيا تمتلك قواعد وقوات فى سوريا وستبقى لزمن قادم، وما زالت تركيا تحتل أجزاء من شمال سوريا وتمتلك كذلك حق المنع والمنح .

فهذه التيارات السياسية الاسلاموجية تتحكم في توجهاتها أفكارا اجتماعية من القرون الوسطى لا تستطيع التخلص منها، حتى ولو استطاعت أبداء بعض المرونة التكتيكية المؤقتة، ولا تمتلك رؤية تستطيع قيادة مجتمع رأسمالي متخلف الى تجاوز هذا التخلف الى رأسمالية حديثة، رأسمالية حديثة لا يمكن تحقيقها إلا بالتخلص من النفوذ الاستعماري بالاستناد الى حكم شعبي ديمقراطي حقيقي لن تمثل هذه المرحلة سوى مرحلة انتقالية ليست بالضرورة إجبارية.

وإذا كانت تجربه الاخوان المسلمين في مصر قد قدمت برهانا ساطعا على انعدام قدرة الاخوان على الحكم ، فالمأساة في سوريا ستكون أشد وانكى ، فالتيارات السياسية الاسلاموجية في سوريا هي اكثر تخلفا وعنفا من الاخوان المسلمين المصريون وستنتهى في المدى المنظور علاقة الدعم والمساندة من الحليف العثماني التركي نتيجة لاختلاف المصالح والتصورات لمستقبل المنطقة وللصراع الاثنى والاجتماعي داخل سوريا ، كما لن يحظى هذا النظام الجديد بدعم من أي من البلاد العربية او من الدول الغربية الرئيسة ، رغم ان كلا منها لن يتوقف عن محاولات الاحتواء ، وسيحتدم الصراع الاجتماعي الداخلي بأشكال عنيفة بعد أن تختفى حالة " الايفوريا " الحالية الناتجة عن سقوط نظام بوليسي وإرهابي وفاسد ، وستدخل سوريا في نفق أشد إظلاما من النفق الأسدي الذى أستمر خمسون عاما بين الاب والابن ، ولا يجب أن يتوقع أحد خروجا سريعا من الازمة الاجتماعية أو أن يتوقع الا تحتدم الحرب الاهلية من جديد ، كما لن تتوقف التدخلات الإسرائيلية ، التي كانت مستمرة منذ اندلاع الاضطرابات منذ ما يزيد عن عشرة أعوام ، بل ستتزايد وهو ما نراه أمام اعيننا الان بتدخل الطيران الإسرائيلي بقصفه لبعض المواقع المدنية السورية العائدة لأجهزة الدولة ، كما أحتلت إسرائيل مزيدا من الأراضي السورية الحدودية.

ومن المؤكد أن حلفاء النظام السوري في لبنان سيتعرضون لضغوط متزايدة، فلقد فقد حزب الله حليفا هاما وتعرض لهزيمة عسكرية وسياسية كبيرة، رغم صيحات الانتصار التي تحاول الحفاظ على الروح المعنوية، فوحدة الجبهات المساندة قد تحطمت وسينعم الشمال الإسرائيلي بالهدوء لفترة ممتدة، ولن تتوقف حرب الإبادة الجارية على قدم وساق في غزة، وستتزايد الصيحات الداخلية اللبنانية لتدجين حزب الله ونزع سلاحه.

يبقى الإشارة ان الشأن السوري ليس شانا داخليا، بل يتعلق بمصير المنطقة وليس بالشام الكبير فقط، وان التغييرات الداخلية في الشام وثيقة الصلة بالأمن القومي المصري، الامر الذي يستدعى اتباع سياسات اجتماعية وسياسية تراعى تزايد الضغوط الدولية والإقليمية، ولكنها قصة طويلة أخرى، اليس كذلك!
فما أصعب النار وما أخطر رمادها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى