عنوان هذه المقالة، هي الآية رقم 5 من سورة يونس. والآية كاملة، هي : "هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ"
فرقٌ كبيرٌ بين قراءةٍ لهذه الآية الكريمة، قراءَةَ "مرور الكِرام"، وقراءةٍ، لنفس الآية، متمعِّنةٍ، مُتأنِّيةٍ وفيها جرعةٌ عالية من التَّدبُّر والتَّبصُّر. والقُرَّاءُ المتمعِّنون والمُتأنِّيون، لا يمكن، بعد تدبُّرهم لهذه الآية الكريمة، أن لا يطرحوا على عقولهم النَّيِّرة والمستنيرة أسئلةً يفرضها سِياقُ وكلماتُ هذه الآية. بالنسبة لهذه المقالة، سأكتفي بالجواب عن السؤال التالي : "لماذا قال، سبحانه وتعالى، "جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا"؟
وقبل أن أبدأَ هذا الجواب، أُذكِّر بأن الله، عزَّ وجلَّ، لا يخلق الأشياءَ عبثاً أو بالصُّدفة. فكلُّ شيءٍ خلقه ويخلُقه، عزَّ وجلَّ، حدَّد له غايةً أو غاياتٍ، على العقل البشري أن يتعرَّفَ عليها أو أن يكتشفَها. فلماذا الله، سبحانه وتعالى، قال ويقول : "جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً"؟
قبل الجواب على هذا السؤال، أذكِّر بأن كلمةَ "ضياء"، هي مصدر فعل"ضاء". وعندما نقول "ضَاءَ الشيءُ"، فالمقصود هو أن هذا الشيءَ ينبعثُ منه ضوءٌ، فيبدو مُنيراً أو مُشرِقاً. إذن الضياءُ هو الضوءُ المنبعِث من الشمس.
والآن، سأُجيبُ عن السؤال، المشار إليه أعلاه؟ وهو : "فلماذا الله، سبحانه وتعالى، "جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً"؟
1.لأن ضوءَ الشمس ضروري لإبصارِ الأشياءَ، أي لرؤية هذه الأشياء، بواسطة "حاسة البصر" sens de la vue. الضوءُ يدخل إلى العين لتهييج pour exciter الشبكة la rétine المُكوَّنة من خلايا بصرية cellules visuelles والمتَّصلة بالدماغ عن طريق العصب البصري le nerf optique الذي يُرسِل نبضا عصبيا influx nerveux إلى هذا الدماغ، فتتِمُّ رؤية الأشياء. وبالطبع، هذه العمليات تتمُّ بسرعة فائقة، أي أنها فورية instantanées. والدماغ هو الذي يُبصر وليس العين. وهذه الأخيرة ليست إلا صلةَ وصلٍ بين الدِّماغ والعالم الخارجي، كما هو الشأن للحواس الأربعة الأخرى.
2.لأن جلَّ الأنشطة البشرية les activités humaines تتمُّ بالنهار عندما يكون سطح الأرض مُناراً بضوء الشمس، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا" (الإسراء، 12).
في هذه الآية الكريمة، إضاءة سطح الأرض أثناء النهار، مُشارٌ إليها ب"وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً"، أي تتمُّ فيها رؤيةُ الأشياء بوضوح. أما مزاولة الأنشطة البشرية أثناءَ النهار المُبصر، فمُشارٌ لها ب"لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ"، أي لتسعوا إلى طلب الرزق.
3.لأن جلَّ الكائنات الحية غير قادرة على صُنع synthèse المادة العضوية la matière organique. والمادة العضوية ضروريةٌ للحياة بالمعنى البيولوجي. ومكوِّنها الكيميائي الأساسي هو الكربون le carbone إضافةً إلى الهيدروجين hydrogène والأُكسجين oxygène. كما يدخل، أحيانا في التَّركيبة الكيميائية للمادة العضوية الأزوت azote والكبريت soufre والفسفور phosphore… والنباتات الخضراء les plantes vertes لها القدرة على صنع هذه المادة العضوية انطلاقا من ضوء الشمس وثاني أكسيد الكربون CO2 الموجود في الهواء. ضوءُ الشمس يُفكِّك جزيئَة molécule الماء H2O الذي تمتصُّه النباتات من التربة عن طريق جذورها. وهذا التَّفكيكُ ينتُج عنه الهيدروجين والأكسجين. الهيدروجين يساهم في صُنع المادة العضوية بينما الأكسيجين المُحرَّر ينتشر في الجو. أما الكربون، فمصدرُه هو ثاني أكسيد الكربون الموجود في الهواء. وكل هذه الأشياء تتمُّ ضمنَ حلقةٍ من التفاعلات الكيميائية المعقدة.
4.ضوءُ الشمس يُساعِد جسمَ الإنسان على صُنع synthèse الفيتامين D التي هي ضرورية لامتصاص الكالسيوم بعد عملية الهضم. والكالسيوم هو الضامن الضروري لصلابة العظام.
والآن، سأُجيبُ عن سؤال لماذا جعل اللهُ، سبحانه وتعالى، "الْقَمَرَ نُورًا". وهنا، لا بد من التَّمييز بين الضوء والنور. النورُ يختلف في المعنى عن الضوء. الضوءُ، عادةً، أقوى من النور من حيث إضاءة éclairage الأشياء، أي أنه أسطَع plus lumineux من النور. والضوء إما أن يكون مصدره طبيعيا، وهو ضوءُ الشمس، وإما أن يكون مصدره اصطناعيا، وهو الضوء المنبعث، مثلا، من المصابيح الكهربائية.
وفي الحقيقة، النور الذي ينبعِثُ من القمر ليس إلا انعكاس réflexion لضوء الشمس الذي يضيء القمرَ. والنورُ شدَّتُه son intensité أو سطوعُه luminosité ضعيف بالمقارنة مع الضوء. وكثير من الحيوانات، المُسماة حيواناتٌ ليلية animaux nocturnes، لها أعينٌ وشبكات مُكيفة مع ضعف شدَّة أو سطوع نور القمر، فيكون إبصارُها للأشياء قويا بالليل لتبحثَ عن قوتها. من بين هذه الحيوانات، أذكر على سبيل المثال القط le chat، الثعلب le renard، البوم le hibou، الضفدع الأخضر grenouille verte، القُنفد le hérisson، الخفاش la chauve-souris، الدودة المتوهِّجة le ver luisant …
بعد هذه التوضيحات، كل المعلومات أو المعارف العِلمية الواردة أعلاه لا وجودَ لها في القرآن الكريم. بل العقل البشري هو الذي توصَّلَ إليها، إلى حد الآن، عن طريق البحث الذي يتطلَّب الملاحظة l'observation التَّجريب l'expérimentation والبرهنة la démonstration، أي باتِّباع منهج أطلق عليه الباحثون "المنهجية العلمية" أو "المنهج العلمي" la méthode scientifique. وحتى المنهج العلمي نفسّه لا وجودَ له، كذلك، في القرآن الكريم. بل ليس في القرآن أيَّة إشاراتٍ لا للمعارف العلمية ولا للمنهج العلمي. المعارف العلمية والمنهج العلمي أنتجهما العقل البشري.
ولهذا، لا يجب، على الإطلاق، أن يُعتَبَرَ القرآنُ الكريمُ كتابَ علوم كما يروِّج لذلك كثيرٌ من علماء وفقهاء الدين. أو كما يريد هؤلاء العلماء والفقهاء أن يُلصقوا للقرآن الكريم ما ليس فيه. القرآن الكريم كتابُ هداية وموعظة وإيمان وتقوى و ورع وتخشُّع… يبيِّن للناس ما لهم فيه خير وما يجب أن يجتنبوه طاعةً لله، سبحانه وتعالى، الذي يريد الخيرَ للبلاد والعباد.
القرآن الكريم فيه بعض الإشارات لبعض الظواهر الطبيعية والعلمية. أقول وأكرِّر فيه إشاراتٌ وليس تفسير لهذه الظواهر. بمعنى أن كثيرا من آيات هذا القرآن فيها إشاراتٌ لبعض الظواهر التي توصل العلمُ الحديثُ إلى تفسيرها.
ولهذا قلتُ، في بداية هذه المقالة : "فرقٌ كبيرٌ بين قراءةٍ لآياتِ القرآن الكريم قراءَةَ "مرور الكِرام"، وقراءةٍ، لنفس الآيات، بتمعُّنٍ وتأنِّي وبجرعةٌ عالية من التَّدبُّر والتَّبصُّر. والقُرَّاءُ المتمعِّنون والمُتأنِّيون، لا يمكن، بعد تدبُّرهم لهذه الآيات الكريمة، أن لا يطرحوا على عقولهم النَّيِّرة والمستنيرة أسئلةً يفرضها سِياقُ وكلماتُ هذه الآيات. بمعنى أن القارئَ المُتمعِّن والمُتأنِّي، عليه أن يطرحَ على نفسِه سؤالَ "لماذا" قال ويقول، سبحانه وتعالى، كذا وكذا؟
مثلا، بالنسبة للآية رقم 5 من سورة يونس، المشار إليها في بداية هذه المقالة : "هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ"، أسئلة "لماذا؟" هي كالتالي :
1.لماذا قال ويقول، سبحانه وتعالى : "جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا"؟ أجبتُ عن هذا السؤال من خلال المقالة الحالية.
2.لماذا قال ويقول، سبحانه وتعالى : "وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ"؟
3.لماذا قال ويقول، سبحانه وتعالى : "مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ"؟
4.لماذا قال ويقول، سبحانه وتعالى : "يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون"؟
لن أجيبَ عن هذه الأسئلة بالتفصيل، تفادياً للإطالة. سأُعطي، فقط، بعض رؤوس الأقلام للإفادة. لما قال، سبحانه وتعالى، "وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ"، فالمقصود هو جعله مراحلَ أو أطوارا ليتمكَّن الناسُ من حساب الأيام والشهور. ولما قال، سبحانه وتعالى، "مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ"، فالمقصود هو أن اللهَ، عزَّ وجلَّ، لا يخلق الأشياءَ عبثا. ولما قال، سبحانه وتعالى، "يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون"، ما يُثير الانتباهَ، هو أن فعل :يَعْلَمُون"، جاء في هذه الآية، في صيغة فعل مضارع. والفعل المضارعُ يدل على شيءٍ يحدث في الحاضر والمستقبل. وهنا يُطرَح السؤال الأساسي : "كيف يعلمون اليوم وكيف سيعلمون غدا وبعد غد…؟
الجواب الوحيد هو تشغيل العقول النَّيِّرة والمستنيرة. وما تصل إليه العقول البشرية غدا وبعد غد قد يكون مختلفا، من حيث المفاهيم والتفسير، مما وصَلَت إليه هذه العقول في الحاضر أو في الماضي. والتَّغييرُ هو سِمة من سِمات العلوم البشرية أو الدنيوية. إلا العلوم (بين قوسين) التي أنتجها علماء وفقهاء الدين، بقيت على حالها منذ ما يزيد عن إثني عشر قرن من الزمان. فلماذا سمَّوها "علوما"؟
فرقٌ كبيرٌ بين قراءةٍ لهذه الآية الكريمة، قراءَةَ "مرور الكِرام"، وقراءةٍ، لنفس الآية، متمعِّنةٍ، مُتأنِّيةٍ وفيها جرعةٌ عالية من التَّدبُّر والتَّبصُّر. والقُرَّاءُ المتمعِّنون والمُتأنِّيون، لا يمكن، بعد تدبُّرهم لهذه الآية الكريمة، أن لا يطرحوا على عقولهم النَّيِّرة والمستنيرة أسئلةً يفرضها سِياقُ وكلماتُ هذه الآية. بالنسبة لهذه المقالة، سأكتفي بالجواب عن السؤال التالي : "لماذا قال، سبحانه وتعالى، "جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا"؟
وقبل أن أبدأَ هذا الجواب، أُذكِّر بأن الله، عزَّ وجلَّ، لا يخلق الأشياءَ عبثاً أو بالصُّدفة. فكلُّ شيءٍ خلقه ويخلُقه، عزَّ وجلَّ، حدَّد له غايةً أو غاياتٍ، على العقل البشري أن يتعرَّفَ عليها أو أن يكتشفَها. فلماذا الله، سبحانه وتعالى، قال ويقول : "جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً"؟
قبل الجواب على هذا السؤال، أذكِّر بأن كلمةَ "ضياء"، هي مصدر فعل"ضاء". وعندما نقول "ضَاءَ الشيءُ"، فالمقصود هو أن هذا الشيءَ ينبعثُ منه ضوءٌ، فيبدو مُنيراً أو مُشرِقاً. إذن الضياءُ هو الضوءُ المنبعِث من الشمس.
والآن، سأُجيبُ عن السؤال، المشار إليه أعلاه؟ وهو : "فلماذا الله، سبحانه وتعالى، "جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً"؟
1.لأن ضوءَ الشمس ضروري لإبصارِ الأشياءَ، أي لرؤية هذه الأشياء، بواسطة "حاسة البصر" sens de la vue. الضوءُ يدخل إلى العين لتهييج pour exciter الشبكة la rétine المُكوَّنة من خلايا بصرية cellules visuelles والمتَّصلة بالدماغ عن طريق العصب البصري le nerf optique الذي يُرسِل نبضا عصبيا influx nerveux إلى هذا الدماغ، فتتِمُّ رؤية الأشياء. وبالطبع، هذه العمليات تتمُّ بسرعة فائقة، أي أنها فورية instantanées. والدماغ هو الذي يُبصر وليس العين. وهذه الأخيرة ليست إلا صلةَ وصلٍ بين الدِّماغ والعالم الخارجي، كما هو الشأن للحواس الأربعة الأخرى.
2.لأن جلَّ الأنشطة البشرية les activités humaines تتمُّ بالنهار عندما يكون سطح الأرض مُناراً بضوء الشمس، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا" (الإسراء، 12).
في هذه الآية الكريمة، إضاءة سطح الأرض أثناء النهار، مُشارٌ إليها ب"وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً"، أي تتمُّ فيها رؤيةُ الأشياء بوضوح. أما مزاولة الأنشطة البشرية أثناءَ النهار المُبصر، فمُشارٌ لها ب"لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ"، أي لتسعوا إلى طلب الرزق.
3.لأن جلَّ الكائنات الحية غير قادرة على صُنع synthèse المادة العضوية la matière organique. والمادة العضوية ضروريةٌ للحياة بالمعنى البيولوجي. ومكوِّنها الكيميائي الأساسي هو الكربون le carbone إضافةً إلى الهيدروجين hydrogène والأُكسجين oxygène. كما يدخل، أحيانا في التَّركيبة الكيميائية للمادة العضوية الأزوت azote والكبريت soufre والفسفور phosphore… والنباتات الخضراء les plantes vertes لها القدرة على صنع هذه المادة العضوية انطلاقا من ضوء الشمس وثاني أكسيد الكربون CO2 الموجود في الهواء. ضوءُ الشمس يُفكِّك جزيئَة molécule الماء H2O الذي تمتصُّه النباتات من التربة عن طريق جذورها. وهذا التَّفكيكُ ينتُج عنه الهيدروجين والأكسجين. الهيدروجين يساهم في صُنع المادة العضوية بينما الأكسيجين المُحرَّر ينتشر في الجو. أما الكربون، فمصدرُه هو ثاني أكسيد الكربون الموجود في الهواء. وكل هذه الأشياء تتمُّ ضمنَ حلقةٍ من التفاعلات الكيميائية المعقدة.
4.ضوءُ الشمس يُساعِد جسمَ الإنسان على صُنع synthèse الفيتامين D التي هي ضرورية لامتصاص الكالسيوم بعد عملية الهضم. والكالسيوم هو الضامن الضروري لصلابة العظام.
والآن، سأُجيبُ عن سؤال لماذا جعل اللهُ، سبحانه وتعالى، "الْقَمَرَ نُورًا". وهنا، لا بد من التَّمييز بين الضوء والنور. النورُ يختلف في المعنى عن الضوء. الضوءُ، عادةً، أقوى من النور من حيث إضاءة éclairage الأشياء، أي أنه أسطَع plus lumineux من النور. والضوء إما أن يكون مصدره طبيعيا، وهو ضوءُ الشمس، وإما أن يكون مصدره اصطناعيا، وهو الضوء المنبعث، مثلا، من المصابيح الكهربائية.
وفي الحقيقة، النور الذي ينبعِثُ من القمر ليس إلا انعكاس réflexion لضوء الشمس الذي يضيء القمرَ. والنورُ شدَّتُه son intensité أو سطوعُه luminosité ضعيف بالمقارنة مع الضوء. وكثير من الحيوانات، المُسماة حيواناتٌ ليلية animaux nocturnes، لها أعينٌ وشبكات مُكيفة مع ضعف شدَّة أو سطوع نور القمر، فيكون إبصارُها للأشياء قويا بالليل لتبحثَ عن قوتها. من بين هذه الحيوانات، أذكر على سبيل المثال القط le chat، الثعلب le renard، البوم le hibou، الضفدع الأخضر grenouille verte، القُنفد le hérisson، الخفاش la chauve-souris، الدودة المتوهِّجة le ver luisant …
بعد هذه التوضيحات، كل المعلومات أو المعارف العِلمية الواردة أعلاه لا وجودَ لها في القرآن الكريم. بل العقل البشري هو الذي توصَّلَ إليها، إلى حد الآن، عن طريق البحث الذي يتطلَّب الملاحظة l'observation التَّجريب l'expérimentation والبرهنة la démonstration، أي باتِّباع منهج أطلق عليه الباحثون "المنهجية العلمية" أو "المنهج العلمي" la méthode scientifique. وحتى المنهج العلمي نفسّه لا وجودَ له، كذلك، في القرآن الكريم. بل ليس في القرآن أيَّة إشاراتٍ لا للمعارف العلمية ولا للمنهج العلمي. المعارف العلمية والمنهج العلمي أنتجهما العقل البشري.
ولهذا، لا يجب، على الإطلاق، أن يُعتَبَرَ القرآنُ الكريمُ كتابَ علوم كما يروِّج لذلك كثيرٌ من علماء وفقهاء الدين. أو كما يريد هؤلاء العلماء والفقهاء أن يُلصقوا للقرآن الكريم ما ليس فيه. القرآن الكريم كتابُ هداية وموعظة وإيمان وتقوى و ورع وتخشُّع… يبيِّن للناس ما لهم فيه خير وما يجب أن يجتنبوه طاعةً لله، سبحانه وتعالى، الذي يريد الخيرَ للبلاد والعباد.
القرآن الكريم فيه بعض الإشارات لبعض الظواهر الطبيعية والعلمية. أقول وأكرِّر فيه إشاراتٌ وليس تفسير لهذه الظواهر. بمعنى أن كثيرا من آيات هذا القرآن فيها إشاراتٌ لبعض الظواهر التي توصل العلمُ الحديثُ إلى تفسيرها.
ولهذا قلتُ، في بداية هذه المقالة : "فرقٌ كبيرٌ بين قراءةٍ لآياتِ القرآن الكريم قراءَةَ "مرور الكِرام"، وقراءةٍ، لنفس الآيات، بتمعُّنٍ وتأنِّي وبجرعةٌ عالية من التَّدبُّر والتَّبصُّر. والقُرَّاءُ المتمعِّنون والمُتأنِّيون، لا يمكن، بعد تدبُّرهم لهذه الآيات الكريمة، أن لا يطرحوا على عقولهم النَّيِّرة والمستنيرة أسئلةً يفرضها سِياقُ وكلماتُ هذه الآيات. بمعنى أن القارئَ المُتمعِّن والمُتأنِّي، عليه أن يطرحَ على نفسِه سؤالَ "لماذا" قال ويقول، سبحانه وتعالى، كذا وكذا؟
مثلا، بالنسبة للآية رقم 5 من سورة يونس، المشار إليها في بداية هذه المقالة : "هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ"، أسئلة "لماذا؟" هي كالتالي :
1.لماذا قال ويقول، سبحانه وتعالى : "جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا"؟ أجبتُ عن هذا السؤال من خلال المقالة الحالية.
2.لماذا قال ويقول، سبحانه وتعالى : "وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ"؟
3.لماذا قال ويقول، سبحانه وتعالى : "مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ"؟
4.لماذا قال ويقول، سبحانه وتعالى : "يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون"؟
لن أجيبَ عن هذه الأسئلة بالتفصيل، تفادياً للإطالة. سأُعطي، فقط، بعض رؤوس الأقلام للإفادة. لما قال، سبحانه وتعالى، "وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ"، فالمقصود هو جعله مراحلَ أو أطوارا ليتمكَّن الناسُ من حساب الأيام والشهور. ولما قال، سبحانه وتعالى، "مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ"، فالمقصود هو أن اللهَ، عزَّ وجلَّ، لا يخلق الأشياءَ عبثا. ولما قال، سبحانه وتعالى، "يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون"، ما يُثير الانتباهَ، هو أن فعل :يَعْلَمُون"، جاء في هذه الآية، في صيغة فعل مضارع. والفعل المضارعُ يدل على شيءٍ يحدث في الحاضر والمستقبل. وهنا يُطرَح السؤال الأساسي : "كيف يعلمون اليوم وكيف سيعلمون غدا وبعد غد…؟
الجواب الوحيد هو تشغيل العقول النَّيِّرة والمستنيرة. وما تصل إليه العقول البشرية غدا وبعد غد قد يكون مختلفا، من حيث المفاهيم والتفسير، مما وصَلَت إليه هذه العقول في الحاضر أو في الماضي. والتَّغييرُ هو سِمة من سِمات العلوم البشرية أو الدنيوية. إلا العلوم (بين قوسين) التي أنتجها علماء وفقهاء الدين، بقيت على حالها منذ ما يزيد عن إثني عشر قرن من الزمان. فلماذا سمَّوها "علوما"؟