محمد شعير - كتاب عرب تأثروا به... كلهم مروا ببساتين المنفلوطي.

- نقوس المهدي: له يرجع الفضل في شحذ خيالي البكر وإغناء ثروتي اللغوية
- د. منير الحايك: إن أحلنا الأمر إلى قوانين الترجمة اليوم علينا لومه لكن لا بد من إدراك خصوصية الزمن


ربما لو كتب الآن بأسلوب المنفلوطي أحد؛ لقيل له: ما هذا؟!.. كتابتك قديمة، عمرها مئة عام أو يزيد، أين التجديد؟.. أين الحداثة؟.. وبرغم هذا؛ للمفارقة؛ فإننا نستطيع أن نقول بثقة، وشيء من تعميمٍ قد يبدو مخلا، إنه لا يوجد كاتب عربي لم يمر في قراءته ببساتين المنفلوطي ولغته، كتبه وكتابته، لا سيما في الصغر. في «النظرات» و«العبرات»، «ماجدولين» و«الفضيلة»، وغيرها، تفتحت أولى زهور تذوق اللغة والكلمة الرقيقة الراقية، عند الكل - أو الأغلبية- قراءً وكتابًا.

1734658216589.png

من المحيط إلى الخليج، تستطيع أن تلمح هذه الحقيقة، وتسمع الصدى، فيتراجع لديك الشعور بإخلال التعميم، وتقول لنفسك عندئذ إن لم تكن قد مررتَ به: كيف لم أقرأه؟!. تلوم نفسك اليوم برغم أنه مضى عليه زمن. ولعل في هذه السطور؛ الرحلة السريعة من المغرب إلى لبنان، ما يؤكد صحة الطرح ودقة الكلام.. لا أحد لم يقرأ المنفلوطي!.

1734658468340.png

الكاتب والناقد المغربي نقوس المهدي بادرنا في أول الحديث حاسمًا: «ليس غريبا القول بأن كل الكتاب خرجوا من معطف المنفلوطي، وابتدؤوا بقراءة المنفلوطي، ولا نجد منذ عصر النهضة كاتبا، كان من كان، لم يقرأ عبرات ونظرات المنفلوطي، ورواياته المستنبتة، التي قربت إلينا الأدب العالمي بقلمه الرومانسي اللطيف والشائق، وقصصه الأخلاقية المفعمة بالنفحات الصوفية، والقبسات الوعظية، والنفس الوجداني، والأسلوب الرائق، واللغة الجزلة والمخملية المتينة التي تستهوي القارئ المبتدئ وتشده بإيقاعها الموسيقي، وجرسها البلاغي الذي يخاطب القلب والروح قبل العقل. ويبعث الخشوع في أعماق النفس».

ويمضي الكاتب الكبير متحدثا لـ «الأهرام» من المغرب، ليكشف أنه أحب المنفلوطي وعشق كتاباته في طفولته المبكرة، حيث كانت القصص والكتب نادرة أو شبه منعدمة في قريته الصغيرة التي نشأ بها، ويقول: «لم نجد بديلا سوى القصص المدرسية لمحمد عطية الإبراشي ومحمد سعيد العريان وكامل كيلاني، وكتب المنفلوطي، التي كنت أعيد قراءتها مرات، ويرجع لها الفضل في شحذ خيالي البكر، وإغناء ثروتي اللغوية، وإن أنسَ لا أنسى ما كانت تفعله بي رواية (الفضيلة) المستنبتة عن رواية (بول وفرجيني) للفرنسي برنار دو سان بيير، وتأثيرها الذي لازمني إلى مرحلة التعليم الإعدادي».

وينقل لنا نقوس المهدي من الطرائف المرتبطة بالمنفلوطي أنه في عام 1911 نشر شاب باسم «أزهري ناشئ» عدة مقالات قدحية في مجلة «العلم» التي كان يحررها عبدالعزيز جاويش، تنتقد أسلوب وكتابات مصطفى لطفي المنفلوطي الذي كان ذا صيت كبير وشهرة واسعة. وأحدث هذا الأزهري الناشئ اضطرابا وتساؤلا وحيرة بين الأزهريين، حتى تقدم لمقابلة المنفلوطي قائلا له: «أنا طه حسين الذي أهجوك»، فاستفسر المنفلوطي عن السبب، وردَّ عليه طه حسين معتذرًا: «ما اجترأتُ على ذلك إلا طلبًا للشهرة».

وفي استطلاع لإحدى الجرائد، كما يقول الناقد المغربي، طُلب من كبار الأدباء كتابة رسالة افتراضية إلى كاتبهم المفضل، فاختار الأديب الكبير نجيب محفوظ أن يكتب إلى مصطفى لطفي المنفلوطي، وفي رسالته إليه يقول: «عزيزي المنفلوطي.. كنتُ متجهًا إلى العلم، وذلك لتفوقي في الرياضيات، إلا أنك جعلتني أولِي الكتابة أهمية لم أفطن لها من قبل، وغيرتَ أحلامي بعد أن كانت تنحصر في الهندسة والطب، فإذا بي أصبح كاتبًا. وهذا التحول، أنا مدين به لك، أيها الكاتب الكبير».

ويضيف محفوظ إلى كاتبه: «بفضلك بدأت أقرأ العقاد وطه حسين وسلامة موسى وآخرين.. ولعل قراءاتي المبكرة لكتبك هي السبب المباشر الذي وجهني إلى دراسة الفلسفة. ومر وقت طويل نسبيًا قبل أن أفهم أن ميلي الحقيقي هو إلى الكتابة الأدبية وليس إلى الفكر. وأتذكر الآن بين كتاباتك نصا، كان بالنسبة إليَّ بمثابة الموجِّه الرئيسي، هو مقدمة أحد كتبك، (العبرات) أو (النظرات)، حيث كتبتَ في المقدمة عن فن الكتابة وقيمته».

1734658598893.png

ومن المغرب إلى لبنان، عندما طرحتُ السؤال عن المنفلوطي على الكاتب والناقد اللبناني الدكتور منير الحايك، اختار أولا أن يُحلق في سماوات المشاعر الشخصية، قبل الهبوط على أرض الرؤية النقدية، قائلا: «لا يمكنني الحديث عن مصطفى لطفي المنفلوطي دون أن يرتبط الأمر عندي بالناحية الوجدانية، قبل أن أفكر بأي تفصيل يرتبط بأهمية الرجل وبنتاجه الفكري والأدبي، فكتابه (ماجدولين) المجلد بغلاف أسود مع اسم والدي عليه، وفي المجلد نفسه (بول وفرجيني)، ومعه في مجلدين آخرين (النظرات) و(العبرات)، كانت، مع قليل من الكتب الأخرى تحتل مساحة على رف صغير في غرفة المعيشة أيام طفولتي ومراهقتي، كتب والدي، مكتبته المتواضعة، التي أسستْ لمكتبتي اليوم بين لبنان ودبي».

وينوه الحايك إلى أنه ذكر كتاب «ماجدولين» أو «تحت ظلال الزيزفون» أولا، لأنه بالفعل الكتاب الأول الذي قرأه في حياته: «.. ولأكون صادقًا أكثر لا أذكر إن كان هو أم كتاب (الأجنحة المتكسرة) لجبران»، لكن المؤكد أنه قرأ «ماجدولين» كما يقول: «من الجلدة إلى الجلدة»، وقام بكل فخر بعدها ليناقش والده في فكرته وقصته. ويصف نفسه بأنه ذلك الفتى الذي نشأ على اسم المنفلوطي بوصفه واحدًا من أعظم كتّاب عصره، ويتساءل: هل استمرت هذه الصفة بعد كل تلك السنوات؟!.

بعيدًا عن الوجدانيات، يرى الكاتب اللبناني أن المنفلوطي واحد من المحدثين، وواحد من رجالات النهضة الذين أسسوا لكل ما بناه المحدثون الحقيقيون، فهو وإن ترجم «بتصرف» الكثير من كتبه، إلا أن لغته التي وصلت إلى المتلقي العربي في بدايات القرن العشرين، كان لا بد أن يسعى المنفلوطي ومن عاصره إلى تطويرها كما فعلوا.

وفي رأيه، فإن لأسلوب المنفلوطي الكثير من الحكمة، فهو كان يكتب قصصه الخاصة، ويترجم أخرى ويسبغ عليها لغته وأسلوبه، ونحن إن أحلنا الأمر إلى قوانين الترجمة اليوم، علينا لومه وعدم قبول عمله، لكن لا بد من إدراك خصوصية الزمن، وما حمله المنفلوطي ومن مثله من همٍّ ثقافي، إذ كانوا مدركين أنهم لا يملكون رفاهية الوقت لينتظروا أن يتعلم جميع أبناء الشعب ويتخصصوا، لذا كان واجبًا عليهم، من وجهة نظرهم، أن يوصلوا نتاج الغرب المتقدم علينا بأسرع ما يمكن، «فحكمة المنفلوطي تكمن في تلك القرارات في رأيي»، كما يقول.

ولأنه كان مثقفًا بحسب تعريف «الأخذ من كل علمٍ بطرف»، يقول الناقد اللبناني منير الحايك: «وجدناه يترجم ويؤلف ويحاضر في مجالات اللغة والأدب والدين وغيرها، وقد نجده يحاول النقد وتقديم أفكاره وآرائه في مواضع مختلفة، أما الأهمية فتكمن في الإنتاج وتذليل العثرات، فقد كانت بدايات التعرف بالنتاج الغربي معه، وبدايات محاولات كتابة القصة وبعدها معه، وبدايات الدراسات وجمع النتاح الفكري وتصنيفه معه، والكثير بدأ معه، وعندما أقول معه لا أحصر الأمر في المنفلوطي وحده، بل إنهم كانوا مجموعة، قلّة طبعًا، ولكنْ كلٌّ منهم عرف دوره وأداه كما فكَّر وأراد، وبحسب قدراته وثقافته وما حصَّل، ولهؤلاء، على قلِّتهم، الفضل في الكثير مما وصل إلى الأدب العربي اليوم».


محمد شعير




الأهرام.. ملحق الجمعة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى