الزمنُ خيرُ القضاة
هكذا قال الأستاذ المحامي بهيئة الجديدة يوسف الوهابي في إحدى مداخلاته، وهي جملةٌ يُقال إن رائحتها الفلسفية تمرُّ من معطف الأديب الفيلسوف الساخر فولتير
لكن، بصراحة، لا يحتاج المرء إلى فولتير كي يكتشف أن الزمن أخطرُ من كل لجان التحقيق، وأهدأ من كل المحاكم، وأكثرُ صبرًا من السياسيين الذين يَعِدون الناس كل خمس سنوات بأن المرة القادمة ستكون أفضل.
فالزمن، ، لا يستعمل المطرقة الخشبية مثل القضاة،
ولا يرتدي البذلة السوداء،
ولا يطلب الكلمةَ من الدفاع أو النيابة…
لكنه يمتلك شيئًا أخطر:
الأرشيف.
إنه ذلك الموظف الكونيّ العجوز الذي لا ينسى شيئًا.
يضع الجميع في الرفوف:
الخطيب،
والمناضل،
والفاسد،
والعاشق،
والسياسي
والوطني الموسمي،
وحتى ذلك الذي كان يكتب منشورات طويلة عن الأخلاق ثم اختفى فجأةً يوم بدأت الأسئلة الحقيقية.
كم من شخصٍ كان يُصفَّق له حتى ظنّ أن الجماهيرَ تحبه، بينما كانت فقط تستمتع بالصوت المرتفع!
وكم من مسؤولٍ دخل المدينة كفاتحٍ تاريخيّ، ثم اكتشف الناس بعد سنوات أنه لم يفتح سوى حفرةٍ إضافية في الطريق.
الزمن لا يتسرع.
يترك الناس تتعارك،
ويترك الصفحات تكتب،
والمقاهي تحلل،
والفيسبوك يوزع صكوك الوطنية والخيانة كما تُوزَّع أوراق الروزنامة في المقاهي الشعبية…
ثم ينتظر.
وفجأة، بعد سنوات، تبدأ الحقيقة بالخروج من تحت الغبار مثل موظفٍ قديم يعرف أين اختفت الملفات.
في البداية، يسخر الناس من فكرةٍ ما،
ثم يناقشونها،
ثم يدافعون عنها،
ثم يدّعون أنهم كانوا يؤمنون بها منذ البداية.
حتى البشر أنفسهم يغيّر الزمنُ صورتهم:
فكم من مناضلٍ تاريخي انتهى إلى صورةٍ باهتة فوق حائط جمعية،
وكم من رجلٍ بسيطٍ مات دون ضجيج، ثم اكتشف الناس متأخرين أنه كان أنظف من الذين ملؤوا الدنيا خطبًا وشعارات.
ولهذا كان المغاربة أذكى من الفلاسفة أحيانًا.
فهم لا يقولون:
“الزمن خير القضاة بل يختصرون الفلسفة كلها في جملةٍ دارجة قاتلة:
خلّي الأيام تهضر.
يا لها من حكمة!
لا ضجيج…
لا ندوات…
لا بلاغات توضيحية…
فقط اترك الأيام تعمل.
لأن الزمن، في النهاية، يشبه ذلك الشيخ المغربي الصامت في آخر المقهى:
لا يتدخل كثيرًا في النقاش…
لكنه يعرف مسبقًا من يكذب،
ومن يمثل،
ومن سيهرب حين تنطفئ الكاميرات
د. إبراهيم عروش
هكذا قال الأستاذ المحامي بهيئة الجديدة يوسف الوهابي في إحدى مداخلاته، وهي جملةٌ يُقال إن رائحتها الفلسفية تمرُّ من معطف الأديب الفيلسوف الساخر فولتير
لكن، بصراحة، لا يحتاج المرء إلى فولتير كي يكتشف أن الزمن أخطرُ من كل لجان التحقيق، وأهدأ من كل المحاكم، وأكثرُ صبرًا من السياسيين الذين يَعِدون الناس كل خمس سنوات بأن المرة القادمة ستكون أفضل.
فالزمن، ، لا يستعمل المطرقة الخشبية مثل القضاة،
ولا يرتدي البذلة السوداء،
ولا يطلب الكلمةَ من الدفاع أو النيابة…
لكنه يمتلك شيئًا أخطر:
الأرشيف.
إنه ذلك الموظف الكونيّ العجوز الذي لا ينسى شيئًا.
يضع الجميع في الرفوف:
الخطيب،
والمناضل،
والفاسد،
والعاشق،
والسياسي
والوطني الموسمي،
وحتى ذلك الذي كان يكتب منشورات طويلة عن الأخلاق ثم اختفى فجأةً يوم بدأت الأسئلة الحقيقية.
كم من شخصٍ كان يُصفَّق له حتى ظنّ أن الجماهيرَ تحبه، بينما كانت فقط تستمتع بالصوت المرتفع!
وكم من مسؤولٍ دخل المدينة كفاتحٍ تاريخيّ، ثم اكتشف الناس بعد سنوات أنه لم يفتح سوى حفرةٍ إضافية في الطريق.
الزمن لا يتسرع.
يترك الناس تتعارك،
ويترك الصفحات تكتب،
والمقاهي تحلل،
والفيسبوك يوزع صكوك الوطنية والخيانة كما تُوزَّع أوراق الروزنامة في المقاهي الشعبية…
ثم ينتظر.
وفجأة، بعد سنوات، تبدأ الحقيقة بالخروج من تحت الغبار مثل موظفٍ قديم يعرف أين اختفت الملفات.
في البداية، يسخر الناس من فكرةٍ ما،
ثم يناقشونها،
ثم يدافعون عنها،
ثم يدّعون أنهم كانوا يؤمنون بها منذ البداية.
حتى البشر أنفسهم يغيّر الزمنُ صورتهم:
فكم من مناضلٍ تاريخي انتهى إلى صورةٍ باهتة فوق حائط جمعية،
وكم من رجلٍ بسيطٍ مات دون ضجيج، ثم اكتشف الناس متأخرين أنه كان أنظف من الذين ملؤوا الدنيا خطبًا وشعارات.
ولهذا كان المغاربة أذكى من الفلاسفة أحيانًا.
فهم لا يقولون:
“الزمن خير القضاة بل يختصرون الفلسفة كلها في جملةٍ دارجة قاتلة:
خلّي الأيام تهضر.
يا لها من حكمة!
لا ضجيج…
لا ندوات…
لا بلاغات توضيحية…
فقط اترك الأيام تعمل.
لأن الزمن، في النهاية، يشبه ذلك الشيخ المغربي الصامت في آخر المقهى:
لا يتدخل كثيرًا في النقاش…
لكنه يعرف مسبقًا من يكذب،
ومن يمثل،
ومن سيهرب حين تنطفئ الكاميرات
د. إبراهيم عروش