قبل الحرب، كان ثوب الصلاة يعيش حياة هادئة ومحترمة داخل الخزانة.
يخرج خمس مرات في اليوم، يؤدي مهمته النبيلة، ثم يعود إلى مكانه مطويًا بعناية، كموظف حكومي ينهي دوامه وينصرف إلى بيته.
لكن الحرب غيّرت مصير الجميع... حتى ثوب الصلاة.
فبعد السابع من أكتوبر، لم يعد الثوب مجرد ثوب للصلاة، بل تحوّل إلى مؤسسة كاملة متعددة المهام، تعمل أربعًا وعشرين ساعة دون إجازات أو بدل مخاطر.
كان ثوب أم محمود مكوّنًا من قطعتين بسيطتين للغاية؛ قطعة سفلية تشبه التنورة الطويلة، مشدودة من الوسط بمغيط مطاطي رحيم لا يسأل عن الوزن ولا عن مقاسات السنوات، وقطعة علوية واسعة تشبه خيمة صغيرة متنقلة، فيها ثلاث فتحات فقط: واحدة للرأس واثنتان لليدين.
لا أزرار. لا سحّابات. لا تعقيدات هندسية.
مجرد قطعتين من القماش تستطيع المرأة ارتداءهما في زمن قياسي، ربما أسرع من الوقت الذي تحتاجه الطائرة لإرسال صاروخها.
ولهذا السبب بالذات، أصبح ثوب الصلاة أعظم اختراع مدني في زمن الحرب.
كلما جاء أمر إخلاء، أو سُمعت غارة قريبة، أو انتشرت إشاعة جديدة عن اجتياح وشيك، كانت أم محمود تفعل الشيء نفسه.
لا تبحث عن الحقيبة.
لا تبحث عن الطناجر والمواعين الأخرى.
لا تبحث عن الأوراق.
أول سؤال كان دائمًا: "وين ثوب الصلاة؟"
في إحدى الليالي دوّى انفجار هزّ الحي كله. قفز الجميع من نومهم.
صرخ محمود: "يمّا! البيت ممكن ينقصف!"
فسمعوها تتمتم وسط الظلام: "وين الثوب؟ وين حطيته؟"
قال ابنها مذعورًا: "يمّا... مش وقته!"
فأجابته بثقة جنرال مخضرم: "بالعكس... هذا وقته.. خلينا على الأقل نموت مستورين."
وبينما كان الأولاد يجمعون الهويات والشواحن والبطانيات وأكياس الخبز اليابس، كانت أم محمود قد أنجزت أهم بند في خطة الطوارئ.
ارتدت الثوب. في أقل من دقيقة.
حتى إن أبو محمود كان يقول مازحًا: "لو عملوا سباق أولمبي للبس ثوب الصلاة، النسوان الغزيات بيجيبوا الذهبية والفضية والبرونزية مع بعض."
في مدرسة النزوح، جلس أبو محمود يتأمل الساحة الواسعة.
مئات النساء بثياب صلاة سوداء متشابهة.
تنهد وقال: "والله لو ضاعت أم محمود هان، ما بلقاها."
سمعته امرأة فضحكت: "وإحنا كمان لو ضعنا ما بنلاقي حالنا."
وأضافت أخرى: "مبارح سلمت على ست ثلاث مرات على أساس إنها أختي... طلعت وحدة غريبة."
وقالت ثالثة: "وأنا مشيت ورا وحدة عشر دقايق مفكراها بنتي، ولما ناديتها التفتت لقيتها أكبر مني بخمس سنين!"
وانفجرت النسوة بالضحك. كان مشهدًا غريبًا.
وجوه متعبة ومغبرة.. عيون محمرة من الدخان والسهر.. لكن الضحك كان يجد طريقه دائمًا بين الركام.
مرّت الشهور.
وفي إحدى الأمسيات سألت ابنتها: "يمّا... منذ متى وإنتِ لابسة ثوب الصلاة؟"
فكرت أم محمود طويلًا. ثم نظرت إلى الثوب وكأنه صديق قديم شاركها كل الكوارث. وقالت: "بصراحة... مش متذكرة. من أول الحرب؟ تقريبًا.
- وما غلبك؟
ابتسمت وقالت: "يا بنتي هذا مش ثوب صلاة.
- ها شو؟
قالت وهي تعدّ على أصابعها: "هذا ثوب نوم... وثوب نزوح... وثوب مساعدات... وثوب طبخ... وثوب إشعال نار... وثوب استقبال ضيوف... وثوب زيارة... وثوب طوابير خبز... وثوب طوابير مي... وثوب اجتماعات نسوان... والأهم من هيك كله... ثوب هروب.. والاكثر أهمية هو أنه ثوب الستر."
ثم أضافت ضاحكة: "والله لا اعرف ما اذا بقيت الصلاة تقبل به ام لا .. نظرا للشحبار والشحار والاوساخ التى علقت به.. ولكن ربك غفور سيقبل منا أن شاء الله."
ضحكت ابنتها.
أما الثوب نفسه، فلو كان يستطيع الكلام لربما طالب بعلاوة مهنية وترقية وظيفية ومستحقات نهاية خدمة.
وفي إحدى موجات النزوح الأخيرة، جاء الأمر بعد منتصف الليل.
ركض الناس في الشوارع المعتمة.
أطفال يبكون. نساء يحملن ما خف وزنه من الدنيا.
ورجال يسيرون وهم يلتفتون خلفهم كل دقيقة.
كان الخوف أثقل من الحقائب كلها.
التفت أبو محمود إلى زوجته وسأل بسرعة: "أخذتي الهويات؟"
- لا.
- الشهادات والأوراق المهمة؟
- لا.
- الأدوية؟
- لا.
حدّق فيها مذهولًا: "طيب شو أخذتي؟"
نظرت إلى ثوب الصلاة الذي يلف جسدها منذ أشهر، ثم قالت بهدوء موجع: "أخذت حالي. والباقي إذا إله نصيب بلحقنا."
ساد الصمت للحظة.
ثم ابتسم أبو محمود ابتسامة صغيرة سوداء، من تلك الابتسامات التي تولد من قلب الوجع.
فالبيت الذي بنوه خلال ثلاثين عامًا بقي خلفهم.
والصور بقيت. والذكريات بقيت. وحتى مفاتيح الخزائن بقيت.
أما الشيء الوحيد الذي كان ينجو معهم في كل مرة، ويعبر الشوارع والركام والمدارس والخيام، فلم يكن الذهب ولا الأوراق ولا الأثاث.
كان ثوب الصلاة.
ذلك الثوب البسيط المصنوع من قطعتين من القماش، الذي لم يُخلق للنزوح أصلًا، لكنه مع الوقت صار أسرع وسيلة نجاة، وأكثر الملابس دوامًا، وأشهر زيّ مدني في زمن الحرب...حتى استحق عن جدارة أن يُمنح لقب: "الزي الرسمي للحرب."
يخرج خمس مرات في اليوم، يؤدي مهمته النبيلة، ثم يعود إلى مكانه مطويًا بعناية، كموظف حكومي ينهي دوامه وينصرف إلى بيته.
لكن الحرب غيّرت مصير الجميع... حتى ثوب الصلاة.
فبعد السابع من أكتوبر، لم يعد الثوب مجرد ثوب للصلاة، بل تحوّل إلى مؤسسة كاملة متعددة المهام، تعمل أربعًا وعشرين ساعة دون إجازات أو بدل مخاطر.
كان ثوب أم محمود مكوّنًا من قطعتين بسيطتين للغاية؛ قطعة سفلية تشبه التنورة الطويلة، مشدودة من الوسط بمغيط مطاطي رحيم لا يسأل عن الوزن ولا عن مقاسات السنوات، وقطعة علوية واسعة تشبه خيمة صغيرة متنقلة، فيها ثلاث فتحات فقط: واحدة للرأس واثنتان لليدين.
لا أزرار. لا سحّابات. لا تعقيدات هندسية.
مجرد قطعتين من القماش تستطيع المرأة ارتداءهما في زمن قياسي، ربما أسرع من الوقت الذي تحتاجه الطائرة لإرسال صاروخها.
ولهذا السبب بالذات، أصبح ثوب الصلاة أعظم اختراع مدني في زمن الحرب.
كلما جاء أمر إخلاء، أو سُمعت غارة قريبة، أو انتشرت إشاعة جديدة عن اجتياح وشيك، كانت أم محمود تفعل الشيء نفسه.
لا تبحث عن الحقيبة.
لا تبحث عن الطناجر والمواعين الأخرى.
لا تبحث عن الأوراق.
أول سؤال كان دائمًا: "وين ثوب الصلاة؟"
في إحدى الليالي دوّى انفجار هزّ الحي كله. قفز الجميع من نومهم.
صرخ محمود: "يمّا! البيت ممكن ينقصف!"
فسمعوها تتمتم وسط الظلام: "وين الثوب؟ وين حطيته؟"
قال ابنها مذعورًا: "يمّا... مش وقته!"
فأجابته بثقة جنرال مخضرم: "بالعكس... هذا وقته.. خلينا على الأقل نموت مستورين."
وبينما كان الأولاد يجمعون الهويات والشواحن والبطانيات وأكياس الخبز اليابس، كانت أم محمود قد أنجزت أهم بند في خطة الطوارئ.
ارتدت الثوب. في أقل من دقيقة.
حتى إن أبو محمود كان يقول مازحًا: "لو عملوا سباق أولمبي للبس ثوب الصلاة، النسوان الغزيات بيجيبوا الذهبية والفضية والبرونزية مع بعض."
في مدرسة النزوح، جلس أبو محمود يتأمل الساحة الواسعة.
مئات النساء بثياب صلاة سوداء متشابهة.
تنهد وقال: "والله لو ضاعت أم محمود هان، ما بلقاها."
سمعته امرأة فضحكت: "وإحنا كمان لو ضعنا ما بنلاقي حالنا."
وأضافت أخرى: "مبارح سلمت على ست ثلاث مرات على أساس إنها أختي... طلعت وحدة غريبة."
وقالت ثالثة: "وأنا مشيت ورا وحدة عشر دقايق مفكراها بنتي، ولما ناديتها التفتت لقيتها أكبر مني بخمس سنين!"
وانفجرت النسوة بالضحك. كان مشهدًا غريبًا.
وجوه متعبة ومغبرة.. عيون محمرة من الدخان والسهر.. لكن الضحك كان يجد طريقه دائمًا بين الركام.
مرّت الشهور.
وفي إحدى الأمسيات سألت ابنتها: "يمّا... منذ متى وإنتِ لابسة ثوب الصلاة؟"
فكرت أم محمود طويلًا. ثم نظرت إلى الثوب وكأنه صديق قديم شاركها كل الكوارث. وقالت: "بصراحة... مش متذكرة. من أول الحرب؟ تقريبًا.
- وما غلبك؟
ابتسمت وقالت: "يا بنتي هذا مش ثوب صلاة.
- ها شو؟
قالت وهي تعدّ على أصابعها: "هذا ثوب نوم... وثوب نزوح... وثوب مساعدات... وثوب طبخ... وثوب إشعال نار... وثوب استقبال ضيوف... وثوب زيارة... وثوب طوابير خبز... وثوب طوابير مي... وثوب اجتماعات نسوان... والأهم من هيك كله... ثوب هروب.. والاكثر أهمية هو أنه ثوب الستر."
ثم أضافت ضاحكة: "والله لا اعرف ما اذا بقيت الصلاة تقبل به ام لا .. نظرا للشحبار والشحار والاوساخ التى علقت به.. ولكن ربك غفور سيقبل منا أن شاء الله."
ضحكت ابنتها.
أما الثوب نفسه، فلو كان يستطيع الكلام لربما طالب بعلاوة مهنية وترقية وظيفية ومستحقات نهاية خدمة.
وفي إحدى موجات النزوح الأخيرة، جاء الأمر بعد منتصف الليل.
ركض الناس في الشوارع المعتمة.
أطفال يبكون. نساء يحملن ما خف وزنه من الدنيا.
ورجال يسيرون وهم يلتفتون خلفهم كل دقيقة.
كان الخوف أثقل من الحقائب كلها.
التفت أبو محمود إلى زوجته وسأل بسرعة: "أخذتي الهويات؟"
- لا.
- الشهادات والأوراق المهمة؟
- لا.
- الأدوية؟
- لا.
حدّق فيها مذهولًا: "طيب شو أخذتي؟"
نظرت إلى ثوب الصلاة الذي يلف جسدها منذ أشهر، ثم قالت بهدوء موجع: "أخذت حالي. والباقي إذا إله نصيب بلحقنا."
ساد الصمت للحظة.
ثم ابتسم أبو محمود ابتسامة صغيرة سوداء، من تلك الابتسامات التي تولد من قلب الوجع.
فالبيت الذي بنوه خلال ثلاثين عامًا بقي خلفهم.
والصور بقيت. والذكريات بقيت. وحتى مفاتيح الخزائن بقيت.
أما الشيء الوحيد الذي كان ينجو معهم في كل مرة، ويعبر الشوارع والركام والمدارس والخيام، فلم يكن الذهب ولا الأوراق ولا الأثاث.
كان ثوب الصلاة.
ذلك الثوب البسيط المصنوع من قطعتين من القماش، الذي لم يُخلق للنزوح أصلًا، لكنه مع الوقت صار أسرع وسيلة نجاة، وأكثر الملابس دوامًا، وأشهر زيّ مدني في زمن الحرب...حتى استحق عن جدارة أن يُمنح لقب: "الزي الرسمي للحرب."