ياسين عدنان - ما أجمل أن تُخاصر الرياضياتُ كرةَ القدم...

ما أجمل أن تُخاصر الرياضياتُ كرةَ القدم، وأن تتجاور لغةُ الأرقام مع لغةِ الأقدام. عندها لا تعود المباراة مجرد فرجة عابرة، بل تتحوّل إلى تمرين في الذكاء والجمال معًا؛ حيث تُقرأ المساحات كما تُحلّ المسائل، وتُحسب الزوايا كما تُصاغ البراهين، وتُبنى الهجمات بالدقة نفسها التي تُبنى بها الأفكار الرياضية المحكمة.
ومن جميل المصادفات أن أتابع هذا المونديال بحماسٍ شخصين يجمعهُما عشقُ الرياضيات وشغفُ كرة القدم، كلٌّ منهما على طريقته الخاصة.
أوّلهما أيوب بوعدي، النجم المغربي الصّاعد الذي لفت الأنظار ليس فقط بموهبته الكروية، بل أيضًا بتفوّقه الدراسي؛ فقد نال شهادة البكالوريا في العلوم الرياضية بميزة مشرفة، قبل أن يلتحق بجامعة ليل لمتابعة دراسته في هذا التخصّص. وهكذا بدا رياضيًّا بكل معاني الكلمة. وعندما نشاهد أداءه داخل الملعب، يخيّل إلينا أن وراء كل تمريرة حسابًا، وخلف كل تمركز قراءةً هندسية للمساحات، وفي كل تدخل دقّةً لا تخطئها العين. فالموهبة وحدها لا تفسّر كلّ شيء؛ إذ كثيرًا ما يتحوّل التفكير الرياضي إلى حسٍّ كروي رفيع يجعل اللاعب يرى ما لا يراه غيره.
أما الشخصية الثانية فهي صديقنا الشاعر سعد سرحان، أستاذ الرياضيات الذي اختار أن يعبر إلى عالم كرة القدم من بوابة التأمل والكتابة. وقد سعدت بالاطلاع على أوراقه التي تُقارِب اللعبة بلغة مختلفة، تجمع بين صرامة العقل الرياضي ورهافة الشاعر. وهي مقالاتٌ ستُتاح للقرّاء تباعًا طوال هذا المونديال عبر صفحات هسبريس، لتؤكّد أن كرة القدم ليست مجرد نتائج وأهداف، بل هي أيضًا مادة للتفكير والتأويل.
ولعل أعظم ما في كرة القدم قدرتها على جمع عوالم تبدو متباعدة: الرياضيات والأدب، العقل والخيال، الحساب والعاطفة. وعندما تلتقي هذه العوالم في شخص واحد، أو في تجربة قراءة ومتابعة، يصبح المونديال أكثر من بطولة رياضية؛ يصبح احتفاءً بالذكاء الإنساني في أبهى تجلياته.
إنها حقًّا متعة نادرة: متعة أن نرى الأدب يقرأ كرة القدم، وأن تكشف الرياضيات بعض أسرارها، وأن تظل اللعبة الجميلة فضاءً رحبًا يلتقي فيه العقل بالقلب، والفكر بالمتعة، والحساب بالدهشة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى