علي بنساعود - طريق العودة... حقيبة يثقلها الشوق

للأيام الأخيرة في السفر مذاق لا يشبه غيره.
مذاق وداع يتسلل إلى الرئة، مزيج من لهفة العودة للبيت، وغصة على تفاصيل سنتركها معلقة على أبواب المدن.
في الصباح، استيقظت قبل المنبه. قلبي كان مستيقظاً قبلي.
جلسنا للفطور الأخير، وكان صمتنا أبلغ من الكلام.
ملاعق تئن في الصحون،
ونظرات هاربة نحو الشرفات والنوافذ.
كل واحد منا يلمّ أشياءه من الهواء:
ضحكات عالقة،
رائحة خبز،
صور لم يلتقطها أحد...
ارتشفنا الشاي كأننا نشرب الوقت المتبقي قطرة... قطرة...
هذه آخر لقمة بطعم الصحراء،
هذه آخر مرة أرى فيها الشمس تشرق على شرفة الفندق.
فجأة، كل شيء أصبح "أخيراً"، والكلمة كانت ثقيلة على اللسان.
حملنا حقائبنا...
ركبنا الحافلة...
"انطلاق رحلة العودة عبر الطريق السيار"...
هذه الجملة نطقها أسامة، فانقبض قلبي.
كانت إعلاناً رسمياً بانتهاء الحلم.
الطريق السيار امرأة عجلى، لا يلتفت.
تريد أن ترمينا في بيوتنا بسرعة.
لكني كنت "علي بابا"، أسرق النظرات من النافذة.
غمزت لتيزنيت،
همست لسوس: "سأعود"،
لوَّحت لمراكش،
تركت للجبال وعداً: "لن أنساك ما حييت".
مرَّت المدن كشريط سينمائي حزين:
أكادير بإشراقتها،
مراكش بمناراتها،
والسهول الراكضة بانبساطها.
كل لافتة كيلومتر كانت تسلبني شيئاً وتعيدني شيئاً آخر.
هو الطريق ذاته الذي جئنا منه،
لكن، شتان بين ذاهب وعائدǃ
في الظهيرة، توقفنا في استراحة بلا روح.
طلبت ساندويتش لم آكله.
أيام الوداع تسد الشهية، وتُشْرِعُ أبواب الذاكرة.
طلبنا قهوة مُرّة، وافتعلنا الضحك.
تذكرتُ كيف غرق حذائي في الكثيب الأبيض،
وكيف فاجأتني سبخة إمليلي بزرقتها،
وكيف كان لشاي الصحراء طعم المصالحة.
وعند المساء، اكتملت الدائرة.
نفس المحطة التي لوّحت لنا قبل تسعة أيام، استقبلتنا الآن ببرود.
نزلنا مثقلين.
الحقائب منتفخة، لا بالهدايا والفضة التي اشتريناها،
بل بكل الوجوه والكلمات والدهشة التي راكمناها.
تبادلنا الأرقام ووعوداً نعرف أنها قد تتوه،
ثم عناقاً سريعاً خفنا أن يطول فيفضح دمعاً.
الرفقة التي كانت كتفاً لكتف على الرمل، تفرّقت.
كل واحد حمل نصيبه من الرحلة ومضى إلى أهله وبيته.
فتحت باب بيتي.
وضعت الحقيبة جانباً فأصدرت أنيناً.
الصمت الذي استقبلني كان غريباً، موحشاً بعد صخب تسعة أيام من الحياة.
فهمت حينها: اليوم التاسع لم يكن جزءاً من الرحلة.
كان اللحظة التي خلعت فيها الرحلة ثوب الواقع وارتدت ثوب الذكرى.
من أكادير إلى الداخلة، إلى تيزنيت، والآن... صمت شقتي.
انتهى الطريق.
لكن ما سكنني في الطريق، لن ينتهي.
لا زلت أسمع حفيف الرمل في حذائي كلما مشيت،
ولا زالت ملوحة الأطلسي عالقة على شفتي،
ولا زالت الصحراء تتسع كل ليلة في صدري،
تعلمني كيف أكون هادئاً.
شكراً أيها الطريق لأنك ربيتني،
شكرا أيها البحر لأنك سمعتني دون أن تقاطعني،
شكرا أيتها الصحراء لأنك تصالحتِ معي، وصالحتني مع الصمت الذي كنت أخافه.
سأغلق الحقيبة الآن.
لكن القلب سيبقى مفتوحاً... ينتظر رحلة أخرى، حين يضيق البيت، ويشتاق الصدر للاتساع.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى