(أرضيَّة مشتركة) كيف يقرأ المُصوّرون التجربة المعاصرة للمسلمين في بريطانيا

المنامة – جعفر الديري:

يشكِّل موضوع التجربة المعاصِرة للمسلمين في المملكة المتحدة والشرق الأوسط، وفي الغرب عموما، موضوعا متجدّداً للنقاش، يبرز التنوع الثقافي والفكري للمسلمين ومساهمتهم في تطوير المجتمعات، ويشير إلى أبرز التحديات التي يواجهها المسلمون في عصر العولمة.

وكان هذا الموضُوع، مدار معرض أقيم في بيت القرآن بالعاصمة المنامة، بالتعاون مع المجلس الثقافي البريطاني، تحت عنوان (أرضيّة مشتركة جوانب من التجربة المعاصرة للمسلمين في المملكة المتحدة والشرق الأوسط)، وقد افتتحه نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الشئون الاسلامية معالي الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة، الاثنين 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2005، وشارك فيه ثمانية مصورين بريطانيين، إلى جانب المصوّر البحريني أنس الشيخ والمصوّرة السعودية منال الضويان، بـ 150 عملا فنيا خرجت بالمعرض عن النطاق التقليدي لمفهوم التصوير الضوئي من حيث استضافته أعمال تركيبية وفيديو، تعتبران امتدادا طبيعيا لفن التصوير الضوئي.

الأزمة نفسيّة

وحول مشاركته في المعرض قال المصوّر البحريني أنس الشيخ: إنّ كثيرا من المجتمعات المعاصرة تُقِرُّ بتفوق الغرب في مجالات عدَّة كالعلوم والتكنولوجيا والصناعة والثقافة، وإذا كان من حق الغرب أن يرى ما ينقله إلينا جميلاً وذا فائدة، فإنَّ هذا لا يعني بالضرورة أنَّ علينا التسليم بهذا والخضوع الاَعمى للأفكار والمفاهيم المُقترحة حيناً والمفروضة في أحيان أُخرى.

وأضاف: ان الأزمة الحقيقيَّة التي نواجهها اليوم تَكْمُن بداخل أنفُسِنا: نحن جيل هو سُلالة الحضارة الإسلاميَّة أحد أعظم حضارات العالم ولكن السؤال المحوري هو: أين توجد الحضارة اليوم؟ وأين نحن منها؟ وإزاء هذا السؤال تتباين المواقف في مُجتمعنا فنجد: الوجوه الرافِضة الوجوه التَّابعة الوجوه الوسطيَّة الوجوه المُتسلِّطة الوجوه الصامِتة، وتعتقد كُلُّ مجموعة من هذه المجموعات أنَّها وحدها الحق باحتمار الحقيقة، والحقيقة أنَّ أحداً مِنهُم لم يُثبت صدقيته أو قُدرته على أن يُغَيِّر ما بنفسه من أجل الوصول إلى صيغة المُجتمع الحديث والمُؤَثِّر على المُنافسة كتفاً بكتف مع المُجتمعات الأُخرى، المُجتمع القادر على إحياء عقيدته واستعادة حقوقه المسلوبة.

أنماط الأبنية

ومن جهتها قالت المصوّرة السعودية منال الضويان: ان المجموعة التي شاركت بها تطرح للتأمل ذلك الجدل المُتنامي بشأن القيود الحياتيَّة المفروضة على المرأة العربيَّة انطلاقاً من تقاليد غاب الحدُّ الفاصل بينها وبين الديِن، مشيرة الى وجود ثلاثة خيوط رئيسية تتناغم في هذه المجموعة: الأولى، حثّ المُتلقى على النظر إلى الإنسان القابع فيما وراء الحِجَاب، والثاني مفهوم التقاليد في مقابل الدين، والخيط الثالث، تبدو فيه روح التفاؤل حين تستشرف المرأة العربيَّة أُفق المستقبل، ومن خلال تلك المجموعة أحاول إيصال المعنى واضحاً دونما تجريد.

وتابعت الضويان القول: على رغم وجود روح تشاؤمية قد يستشْعرها البعض تسري من خلال الصُور رُبَّما بسبب طبيعة الموضوع المطروح فإن الأمر في النهاية يغلب عليه طابع الجمال والأمل الذي يُشعِ بشكل أو بآخر من عيون النماذج المُقدَّمة، فالألوان في تجاورها وفي تناقُضها وتمازُجِها تنسج دراما فيها البساطة وفيها العمق، وبالنسبة إلي فأنا أُفضِّل التصوير بالأبيض والأسود، فَمثِل ذلك الوسيط يتيح لي التحكم في العملية الفنِّيَّة كُلِّها ويخَلق المؤثِّر اَلبصري الذي أريده تماما.

وأضافت الضويان: أتذكر أنني عندما كُنت طفلة شاهدتُ كيف تمَّ بناء مسجد شرق لندن على طرف الشارع المقابل لمصنع والدي، ولم يَدُر بِخُلدي أني سأكبر يوماً لأقوم بعمل صُور وثائقيَّة لهذا المسجد والمِنْطَقَة المحيطة به، ومن هنا تهدف صُوري إلى استكشاف أنماط الأبنية التي يستخدِّمُها المُسلمون البريطانيّون لأداء الشعائر الدينيَّة، وهي تتنوع من أبنية شُيِّدت خصِّيصاً لتكون مساجد، إلى صالات عرض سينمائيَّة أو شقق صغيرة تمَّ تحويلها إلى أماكن للعبادة، وبما أن كُلاً من المُجتمعات المحليَّة الصغيرة تستخدم فضاء معمارياً يختلف عن غيره للتجمع والعبادة فإنَّ سلسلة أعمالي تنظر إلى هذه الأماكن من خلال علاقتها بالمدينة وتَهدِف إلى تحرِّي كَيفيَّة مُلاءمة هذه الأماكن لاحتياجات تلك المُجتمعات، ولقد استخدمت لهذا الغرض الضوء الطبيعي وعدسات ذات بُعد ثابت، ومثلي مثل معظم المُصوِّرين الوثائقيين فضَّلتُ استخدام الفيلم الأبيض والأسود، بسبب شعوري أن الأبيض والأسود بكل ما فيهما من بساطة ونقاء يُعبِّران أكثر عن ديانتي ومَسجِدي ومُجتمعي.

تعرية الحقيقة

من جانب آخر نجد في مجموعة المصورّ جاكتار سمبلي، (تعرية الحقيقة) استجابة شخصيَّة للمُحيط الثقافيّ والبيئيّ الذي يتقاسمه مع الآخرين، حين يُسلِّط الضوء على العناصر اليوميَّة لهذا المُحيط، فهو يخدش السطح معريا الحقيقة الناتجة عن تفاعل شرائح اجتماعيَّة وثقافيَّة مختلفة كائنة تحت هذا السطح.

أخوات الحجاب

بينما نشاهد في مجموعة المصوّر كلمنت كوبر (أخوات الحِجَاب) أسلوبا بسيطا في التصوير، فهو لا يخترع الأشياء ولا يحاول تلفيق المواضيع، إنما فقط يسجّل ما يحدث أمامه، وجاء استخدامه للأضواء والظلال سِمة أساسيَّة في أسلوبه، فهو لا يلجأ لاستخدام العدسات المُركَّبة والأضواء الاصطناعيَّة، وانما يستخدم الحَدّ الأدنى من الأدوات اللازمة، وهي كاميرا بسيطة وحامل كاميرا، وهو شخصيا يقول "ان استخدام الإضاءة أمر مرتبط بالأحاسيس، إنَّها مسألة حميمة للغاية، لأنَّها تكشف كُلَّ شيء".

ميناء 2002

أما المصوّر أنتوني لام، فبدأ اهتمامه بموضوع الجنسيَّة وطلب اللجوء السياسيّ العام 2002 عندما تَعرَّف إلى مجموعة من الشباب من طالبي اللجوء السياسيّ والمقيمين في الوقت ذاته في لندن، وقد جاءت مجموعته (ميناء 2002) لتبحث في المُفرَدات واللغة البيروقراطيَّة ودلالات مُصطلحي "لجوء" و"جنسيَّة" وعَبْر وضع هذه المُفردات جنباً إلى جنب مع الصُور الحديثة لإنجلترا، يرمي لام إلى تحطيم الصُورة الرومانسيَّة التقليديَّة المأخوذة عن هذا البلد كونه "الأرض السعيدة"، وإلى كشف التناقُض بين الواقع والمثاليات، وصُورُه بمثابة نصوص بصريَّة تعكس بشكل ناقد الظواهر الاجتماعيَّة الموجودة في إنجلترا القرن الحادي والعشرين.

فرص العمل

وحول المجتمعات المسلمة التي تقطن المناطق الشَمَاليَّة من إنجلترا والمقبلة أصلاً من شبه القارَّة الهنديَّة، تركز مجموعة المصوّر تيم سميث (فُرص العَمل)، فخلال العقود الأولى من القرن العشرين استقرت في بريطانيا أعدادٌ قليلة من الرجال قَدموا من الهند وباكستان وبنغلاديش، ومن ثَمَّ جاءت اعداد أكبر خلال الحرب العالميَّة الثَّانيَّة وبُعيدها، استقدمتهم بريطانيا لتؤمن حاجتها المُتزايدة إلى اليد العاملة وذلك عن طَريق استخدام علاقاتها التي أسَّستها أيام الإمبراطوريَّة البريطانيَّة، وتلقي الصور الضوء على التغيُّر المُؤثِّر والملحوظ الذي حصل خلال الستين سنة الأخيرة في طبيعة العَمل وفُرص التوظيف المُتاحة لهؤلاء المقيمين وأولادهم وأحفادهم.

فتيات مسلمات

كذلك انصبّ اهتمام المصوّرة سوكي داندا، في مجموعتها، على توثيق الحيَّاة العاديَّة اليوميَّة للفتيات البريطانيَّات المُسلمات في سِن المُراهقة، وبالأخصِّ التركيز على عالمهن الاجتماعي والمنزلي، فهناك بحسب ما تصف داندا صُورة تقليديَّة جاهزة تُكرِّسها وسائل الإعلام عن الفتاة البريطانيَّة المُسلمة ألا وهي ميلها للخضوع، وهدف داندا كسر هذه الصُورة التقليديَّة، وتقديم رؤية عميقة تتخطى الشكل الخارجي وتصل إلى دوافعهن الداخليَّة.

ناد للمهنيين المُسلمين

فيما يعرض المصوّر سام بياسينا، لصور من أول ناد للمهنيين المُسلمين في بريطانيا، والذي مثل التقاءًا اجتماعيا للمُسلمين مع غير المُسلمين، وهو مكان للاعتكاف.

نُشر في صحيفة الوسط البحرينية: العدد 1175 - الأربعاء 23 نوفمبر 2005م
معرض «أرضية مشتركة» يبحث التجربة المعاصرة للمسلمين

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى