أ. د. عادل الأسطة - في غزة لي أصدقاء ولي ذكريات (1.....)

(١ )

سوت إسرائيل حي الرمال بالأرض ولم يبق منه إلا ركام حجارة وطوب وأسياخ حديد . لم يسلم منه ، كما تري الصور ، مبنى واحد .
في صباح اليوم بحثت في ( غوغل ) عن موقع مبنى جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني ومبنى جمعية الشبان المسيحية ، ذلك أن الذاكرة خداعة ، ولي في المبنيين ذكريات .
في نهاية سبعينيات القرن العشرين ، ذات شتاء ماطر ، سافرت والمرحوم الكاتب محمد كمال جبر إلى هناك . بتنا في مخيم خان يونس ، فقد استضافنا المرحوم الكاتب محمد أيوب ، لنذهب في اليوم التالي إلى مدينة غزة نشارك في مناقشة مجموعة قصصية . كانت العادة في تلك الأيام أن يجتمع كتاب غزة وكتاب الضفة الغربية مرة كل شهر لكي يناقشوا كتابا أدبيا صدر حديثا ؛ مرة في رام الله وثانية في القدس وثالثة في غزة ورابعة في نابلس . هذه العادة ألفت بين الكتاب وجعلتهم أصدقاء : محمد أيوب وزكي العيلة وغريب عسقلاني ( إبراهيم الزنط ) وعبد الله تايه وصبحي حمدان وعبد الحميد طقش ومحمد أبو النصر وآخرين . مات أكثر هؤلاء وبقي منهم عبدالله وصبحي وآمل من الله أن يمد في عمريهما لكي يكتبا عن تجربة حرب الإبادة هذه .
عندما لم يسعفني ( غوغل ) تماما كتبت للشاعر خالد جمعة Khaled Juma استفسر منه حتى لا أخطيء . قال لي خالد :
- غزة اليوم اختلفت كليا عما كانت عليه في سبعينيات وثمانينيات القرن ٢٠ .
ومن المؤكد أن غزة التي غادرها خالد قبل سنوات ليستقر في رام الله اختلفت كليا عما كانت عليه يوم كان فيها . الآن صارت غزة ركاما تنعق فيها الغربان بفضل الحركة الصهيونية ودولتها التي أقامتها على أرض الشعب الفلسطيني ومدنه وقراه . هكذا جعلت إسرائيل من فلسطين : أرضا خرابا ، والشاهد المخيمات الفلسطينية ومدينة غزة في هذه الأيام ، هي - أي إسرائيل - التي جاءت لتعمر الصحراء وتحول الأرض الخربة المقفرة إلى جنة خضراء تفيض سمنا وعسلا .
زرت غزة قبل العام ١٩٨٧ خمس مرات . الأولى في ١٩٧٠ / ١٩٧١ تقريبا والثانية في ١٩٧٩ والثالثة والرابعة في ثمانينيات القرن ٢٠ . زرتها مرتين برفقة أبي وأمي ، ومرتين بصحبة محمد كمال جبر في الأولى وبصحبة سامي الكيلاني في الثانية ، وزرتها مرة مع نادي شباب بلاطة الذي أجرى مباراة على أرضها مع فريق غزي . لم أكن يومها أكتب يوميات ولم أكن أسجل تواريخ ، ولهذا قد تختلط التواريخ .
في عام ١٩٧٠ استقلنا خطيب ابنة عمي المرحوم صلاح رزق ، وكان أبوه يكنى "أبو لطفي " ، استقلنا معه في باص صغير لكي نحضر عرسه في حي الرمال . كان والده ميسور الحال يقيم في حي الرمال في بيت مستقل له حديقة زرعت فيها أشجار البرتقال ؛ بيت يتكون من طابقين وقضينا في ضيافته بضعة أيام زرت خلالها بيت عمتي رئيسة في مخيم الشاطيء القريب من حي الرمال . لم تكن المنطقة مكتظة بالمباني كما صرت أراها عبر شاشات الفضائيات . كانت غزة مدينة بكرا - إن جاز التعبير . لم تكن فيها بنايات ذات طوابق ولا كان فيها أبراج ، ولم يكن مخيم الشاطيء مكتظا بالمباني ، مثل أكثر المخيمات في تلك الأيام ، إذ لم يكن يسمح بالبناء فيه بيوتا تتكون من طابقين .
في تلك الزيارة وصلنا إلى غزة ليلا ، وفي الليل كان الفدائيون يتجولون بأسلحتهم وتردد في حينه أن المدينة يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي نهارا ويستردها الفدائيون ليلا .
ذات ليلة من ليالي تلك الزيارة ، وكنت في غرفة النوم في الطابق الثاني ، جاء الفدائيون يسألون عن شخص مسلح كان ينتمي إليهم وشكوا في أمره . كان الشخص فدائيا معهم ولكن يبدو أنه ضعف وتعاون مع الاحتلال ؛ لأنه ما إن عرف بمجيئهم حتى انسل خارجا وغادر غزة إلى الضفة ليستقر في طولكرم . لقد أقسم الفدائيون لأهل البيت بشرف الثورة ، كما قال لي ابن عمي ، أنهم لن يمسوا الرجل بسوء .
كانت الأيام التي أنفقتها قليلة ولكنها كانت جميلة . كانت كلها أفراحا وليالي ملاح .
عندما غادرنا المدينة ؛ أنا وأبي وأمي غادرناها بالمواصلات العامة : من غزة إلى يافا فنابلس .

يتبع
١٤ / ١٠ / ٢٠٢٣ .
عادل الاسطة
Adel Osta

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى