في ظهيرة السادس عشر من تشرين الأول عام 1957، بينما كان يتناول طعام الغداء في مطعم وسط باريس، اقترب منه شاب ليبلغه أن الناشر غاستون غاليمار يبحث عنه، فهناك أنباء تقول إنه فاز بجائزة نوبل. بعد سماع الخبر تزاحمت وكالات الأنباء ومحطات التلفزيون أمام شقة ألبير كامو الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 44 عاماً، الجميع ينتظر أن يفوز بحوار حصري مع صاحب "أسطورة سيزيف"، لكنه سيختار مراسل التلفزيون الفرنسي، وكان شرطه الوحيد أن يتم الحوار في ملعب لكرة القدم. وافق المذيع على الشرط الغريب ووسط هتافات أكثر من ثلاثين ألف متفرج قال كامو: "ليس الفن في نظري متعة فردية، هو وسيلة لتهييج مشاعر أكبر قدر ممكن من البشر عبر منحهم صورة امتيازية عن الأحزان والأفراح المشتركة"، ثم أشار إلى الجماهير التي تتابع المباريات، وعندما سأله المحاور: أي شيء أحب إليك، كرة القدم أو المسرح؟ ردّ كامو بسرعة: كرة القدم بالتأكيد. أطلق على اللاعب الهولندي الشهير "يوهان كرويف" لقب أفلاطون الملاعب، فقد كان الجميع يرى أن كرويف عندما يلعب يمنح السعادة للجمهور. كان الفيلسوف الإغريقي أفلاطون يطرح السؤال الجوهري في الفلسفة وهو: كيف أكون سعيداً؟. يكتب كرويف: "كرة القدم مثل الحياة. أنت مطالب بأن ترى، وأن تفكر، وأن تتأمل، وأن تتحرك، وأن تفعل ذلك من أجل الاكتشاف والسعادة".
يكتب سايمون كريتشلي صاحب كتاب "الفلسفة القارية": "إذا كان سقراط مدرباً لكرة القدم، فسيتم إضافته إلى قائمة المدربين المثاليين على وجه التحديد لأنه أكبر داعية لإشاعة البهجة". كان كريتشلي قد وجّه جزءاً من اهتمامه الفلسفي بدراسة كرة القدم وتأثيراتها على الجمهور، فأصدر كتاباً بعنوان "فيم نفكر عندما نفكر في كرة القدم" – ترجمة محمود عبد الحليم – وفي حوار معه يقول: "هناك فصل في كتابي بعنوان (تجريد الذاتي في كرة القدم)، وقد حاولت فيه تقديم وصف لشيئين: أولاً تجربة اللعب عندما نلعب الكرة. هل اللعبة تدور في رأسنا أم خارجها؟ حسناً، من الواضح أن ذهننا منخرط في اللعبة، وملكاتنا المعرفية مهمة، لكن تجربة اللعب تكون خارج رأسك أثناء اللعب. وثانياً، عندما تكون متفرجاً تصبح اللعبة خارج رأسك. أي أنها تكون هناك بالقرب مما يحدث على أرض الملعب. اللعب بشكلٍ عام، وكرة القدم على وجه الخصوص، طرق رائعة لإبراز هذا البُعد من الخبرة بين الذاتي والموضوعي، وهذا العَالَم الذي يشكّله" – ترجمة عبدالله بن محمد، مجلة الدوحة –.
في كتابه "فيم نفكر عندما نفكر في كرة القدم" يؤكد كريتشلي أن اللعبة تحتاج اليوم إلى شعرية تقوم على إبراز ما تتحلى به كرة القدم من جمالية. وهو يرى أن مشهد دخول الملعب أشبه بمشاهدة فيلم سينمائي تختلط فيه الحقيقة مع الخيال، كل شيء يبدو نابضاً بالحياة، حتى الكرة تبدو حية تجري، ويبدو أنها تُعقل نفسها وتتمتع بنوع من الذكاء والوعي.
الفيلسوف وأبرز مشجعي نادي ليفربول، يرى أن كرة القدم مكان رائع للنقاش المنطقي؛ فكما أن الفلسفة حوار منطقي قائم على المشاعر الراسخة حيث يمكنك تغيير آراء الناس من خلال قوة الجدل، فإن كرة القدم مكان أكثر بهجة للجدل: "سأستمع إلى ما يقولونه وربما أتوصل إلى بعض الاعتراضات، ولكن في كثير من الأحيان سأغير رأيي. لذلك هناك شيء فلسفي حقاً في كرة القدم. إنه مكان يشعر فيه الناس بالراحة والاسترخاء في آرائهم، فضلاً عن الراحة والاسترخاء في المحادثة".
عنوان كتاب سيمون كريتشلي يبدو قريب الشبه من عنوان كتاب هاروكي موراكامي "ما أتحدث عنه حين أتحدث عن الجري" -ترجمة بثينة إبراهيم- ومثلما يخبرنا موراكامي في كتابه أن المعاناة اختيار وأنه تعلم دروساً شخصية عبر تحريك جسده، فإن كريتشلي يرى أن كرة القدم نوع من أنواع الأمل المتجدد، فهي لا تتعلق فقط بالفوز أو الخسارة؛ لأن الشيء الغريب في كرة القدم ليس الهزيمة: "إنه الأمل المتجدد. الأمل الذي يقدمه كل موسم جديد. الأمل الذي يأتي لدغدغة قدميك، ثم تدرك، كما تقول الشاعرة والكلاسيكية آن كارسون، أن نعالك مشتعلة".
في عام 1959، قبل عام من وفاته، أخبر كامو أحد الصحفيين، أنه إلى جانب المسرح، كان ملعب كرة القدم إحدى جامعاته الحقيقية.
مثل العديد من نجوم كرة القدم، عاش ألبير كامو طفولة فقيرة جداً، وُلِد في السابع من تشرين الثاني عام 1913 في مدينة القسطنطينية بالجزائر، أبوه لوسيان كامو من أصول فرنسية، يعمل أجيراً في إحدى المزارع، لم يمضِ عام على مولده حتى اندلعت الحرب العالمية الأولى، وسيسافر والده إلى فرنسا لتأدية الخدمة العسكرية، لكنه يُقتل في الأشهر الأولى من الحرب، والدته "كاترين سانتيز" من أصول إسبانية، نصف صمّاء لا تعرف القراءة والكتابة حيث ستنشأ بينهما علاقة خاصة. لم ينسَ كامو عالمه الفقير هذا، وقرر أن يجعل من أبطاله يتمردون على واقعهم: "ثمة وحشة في الفقر، لكنها وحشة تعطي لكل شيء ثمنه الحقيقي".
بعد وفاة الأب تقرر العائلة مغادرة مدينة مندوفي التي وُلد فيها كامو إلى العاصمة الجزائر للعيش في شقة صغيرة، الأم وشقيقه الأكبر وجدته، وعمه الذي يعاني من شلل في الأطراف. وسيكتب كامو في كتابه «لعبة الأوراق والنور» عن حياته هذه: "لقد نشأت في البحر، وبدا الفقر لي شيئاً رائعاً، وفيما بعد، عندما أضعت البحر، بدت لي ضروب الترف كلها شهباء كالحة، وبؤساً لا يُطاق". سينشغل عن الفقر والحرمان بعشق كرة القدم، وفي المدرسة يُشار إليه بحارس المرمى المتيقظ دوماً، في عامه الخامس عشر من عمره لعب "كامو" حارساً للمرمى في فريق نادي مونبنسير. يقول إنه تعلم أول درس له في الحياة التي يشبهها بالكرة؛ فهي لا تأتي أبداً نحو أحدنا من الجهة التي ينتظرها منها، وانتظار شيء لا يحدث هو العبث بعينه. لذلك اختار ألبير كامو حلاً عبثياً لمشكلة عبثية، اختار المركز الذي صُمِّمَت لعبة كرة القدم خصيصاً من أجل اختراقه وانتهاكه: حراسة المرمى. يكتب في «عشب الأيام» – ترجمة نجوى بركات –: "عندما كنت شاباً ألعب مع فريقي، أحسست بهذا الشعور القوي بالأمل والسعادة، والذي كان لا يفارقني في أيام التدريب الطويلة قبل المباراة. وفي الحقيقة، بعض المُثل العليا التي تعلَّمتها، في المسرح، أو في ملعب كرة القدم – كلاهما يمثلان جامعتي الحقيقية".
أضاءت كرة القدم حياة كامو، واستمر في مشاهدتها إلى اللحظة الأخيرة، ورغم أنه كان يدرك أن كل شيء كان "سيزيفياً"، إلا أنه ظل يعلن أن الطريقة الوحيدة للعيش هي أن نتمرد ضد اللامعنى، وظل يشعر أن ما يعطي معنىً للحياة، هو تلك الأشياء التي تحبها "ليس بعقلك، وليس بالمنطق، ولكن بداخلك".
قبل عامين من وفاته، اشترى كامو منزلاً في لورمارين، وهي قرية جبلية على بعد خمسين ميلاً شمال مرسيليا. تعرّف هناك على لاعبي فريق كرة القدم المحلي، ودفع ثمن المعدات لهم واستضاف بعضاً منهم في بيته. ربما كان سيستمر في العناية بالفريق، ولكن في يوم رأس السنة الجديدة عام 1960، عرض عليه صديقه صاحب دار غاليمار إعادته من جنوب فرنسا إلى باريس في سيارته. كان لدى كامو تذكرة قطار، لكنه قرر في اللحظة الأخيرة الانضمام إلى صديقه. ستنحرف السيارة عن الطريق لتصطدم بشجرة، ويموت كامو على الفور. قبل سنوات قال لأحد أصدقائه: "لا شيء يمكن أن يكون أكثر سخافة من الموت في حادث". بعد وفاته، دُفن في تلال لورمارين، وفي جنازته تقدّمها فريق كرة القدم المحلي، حيث حمل اللاعبون نعشه.
ليس من المصادفة أن يكون فريدريك نيتشه، الفيلسوف الجوّال، أحد الفلاسفة المفضلين عند كامو، فقد كان يحبه لما يحمله من روح المغامرة وعشق للرياضة. كان نيتشه يردد: "لا تُصدّق أي فكرة لم تولد في الهواء الطلق أثناء التحرك بحرية، الجلوس -قلتها مرة وسأكررها ثانية- هو أكبر خطيئة" - فريدريك جروس، فلسفة المشي، ترجمة سعيد بوكرامي -، وهو مثل نيتشه كان يؤمن أن الأفكار لا تأتي من الكتب فقط، إنما من التفكير في الهواء الطلق: "سائرين، قافزين، متسلقين، راقصين، ويا حبذا لو كان هذا عند جبال وحيدة، أو بالقرب من البحر، حيث آثار الأقدام نفسها تقف كشواهد متأملة، فالأفكار التي لم تغسلها أشعة الشمس تنتج رائحة كريهة مثل رائحة الأماكن المغلقة".
يكتب إدواردو غاليانو: "الكرة تبحث عنه، تتعرف عليه، تحتاج إليه، وعلى صدر قدمه تستريح وتتأرجح. إنه يخرج منها الألق ويجعلها تتكلم. الكرة تضحك مشرقة في الهواء، فينزلها هو، ينومها، يغازلها، يراقصها، وحين يرى محبوه هذه الأشياء التي لم يُرَ لها مثيل، يشفقون على أحفادهم الذين لم يولدوا بعد لأنهم لم يروه".
كان غاليانو مصاباً بهوس كرة القدم، تُروى طرائف كثيرة، حتى إن بعض معارفه يقولون إنه كل أربع سنوات يعلق لافتة على بابه "مغلق من أجل كرة القدم"، ويحبس نفسه في البيت لا يخرج منه طوال مدة كأس العالم، وهذا العشق جعله يكتب كتاباً بعنوان "كرة القدم بين الشمس والظل" – ترجمه إلى العربية صالح علماني – يكتب فيه: "تدور الكرة، ويدور العالم. يعتقد الناس أنّ الشمس هي كرة مشتعلة تعمل طيلة اليوم وتقضي لياليها تقفز من جنة لأخرى، فيما القمر يقوم بمناوبته، رغم أنّ العلم يشكك بهذه الرواية. لكن من دون شك يدور العالم حول كرة متحركة: لقد شاهد نهائي كأس العالم لسنة ١٩٩٤ أكثر من ملياري شخص، وهو أكبر عدد في تاريخ الكرة الأرضية. هو الشغف الأكثر تشاركاً: الكثير من المعجبين بالكرة يلعبونها في الملاعب، والكثيرون منهم يجلسون أمام التلفاز ويقضمون أظافرهم فيما يطارد ٢٢ رجلاً كرة ويركلونها ليعبّروا عن حبهم. في نهاية كأس العالم ٩٤، سُمّي كل الأطفال الذين ولدوا في البرازيل روماريو، وبيع عشب الملعب في لوس أنجلوس مثل البيتزا، بعشرين دولاراً للقطعة. هل هو القليل من الجنون الذي ينبغي أن يخصص لقضية أفضل؟ هل هي تجارة بدائية ووضيعة؟ هل هي صندوق فرجة يتحكم فيها مالكوها؟ أنا واحد من هؤلاء الذين يؤمنون بأن كرة القدم هي كل ذلك، لكن أكثر من ذلك أيضاً: متعة للعين التي تشاهدها، ومتعة للجسد الذي يلعبها. سأل صحافي مرة اللاهوتية الألمانية دوروتي سول: كيف تفسّرين السعادة لطفل؟. أجابته: ( لن أفسرها، سأعطيه كرة وأسمح له باللعب ) .
يكتب سايمون كريتشلي صاحب كتاب "الفلسفة القارية": "إذا كان سقراط مدرباً لكرة القدم، فسيتم إضافته إلى قائمة المدربين المثاليين على وجه التحديد لأنه أكبر داعية لإشاعة البهجة". كان كريتشلي قد وجّه جزءاً من اهتمامه الفلسفي بدراسة كرة القدم وتأثيراتها على الجمهور، فأصدر كتاباً بعنوان "فيم نفكر عندما نفكر في كرة القدم" – ترجمة محمود عبد الحليم – وفي حوار معه يقول: "هناك فصل في كتابي بعنوان (تجريد الذاتي في كرة القدم)، وقد حاولت فيه تقديم وصف لشيئين: أولاً تجربة اللعب عندما نلعب الكرة. هل اللعبة تدور في رأسنا أم خارجها؟ حسناً، من الواضح أن ذهننا منخرط في اللعبة، وملكاتنا المعرفية مهمة، لكن تجربة اللعب تكون خارج رأسك أثناء اللعب. وثانياً، عندما تكون متفرجاً تصبح اللعبة خارج رأسك. أي أنها تكون هناك بالقرب مما يحدث على أرض الملعب. اللعب بشكلٍ عام، وكرة القدم على وجه الخصوص، طرق رائعة لإبراز هذا البُعد من الخبرة بين الذاتي والموضوعي، وهذا العَالَم الذي يشكّله" – ترجمة عبدالله بن محمد، مجلة الدوحة –.
في كتابه "فيم نفكر عندما نفكر في كرة القدم" يؤكد كريتشلي أن اللعبة تحتاج اليوم إلى شعرية تقوم على إبراز ما تتحلى به كرة القدم من جمالية. وهو يرى أن مشهد دخول الملعب أشبه بمشاهدة فيلم سينمائي تختلط فيه الحقيقة مع الخيال، كل شيء يبدو نابضاً بالحياة، حتى الكرة تبدو حية تجري، ويبدو أنها تُعقل نفسها وتتمتع بنوع من الذكاء والوعي.
الفيلسوف وأبرز مشجعي نادي ليفربول، يرى أن كرة القدم مكان رائع للنقاش المنطقي؛ فكما أن الفلسفة حوار منطقي قائم على المشاعر الراسخة حيث يمكنك تغيير آراء الناس من خلال قوة الجدل، فإن كرة القدم مكان أكثر بهجة للجدل: "سأستمع إلى ما يقولونه وربما أتوصل إلى بعض الاعتراضات، ولكن في كثير من الأحيان سأغير رأيي. لذلك هناك شيء فلسفي حقاً في كرة القدم. إنه مكان يشعر فيه الناس بالراحة والاسترخاء في آرائهم، فضلاً عن الراحة والاسترخاء في المحادثة".
عنوان كتاب سيمون كريتشلي يبدو قريب الشبه من عنوان كتاب هاروكي موراكامي "ما أتحدث عنه حين أتحدث عن الجري" -ترجمة بثينة إبراهيم- ومثلما يخبرنا موراكامي في كتابه أن المعاناة اختيار وأنه تعلم دروساً شخصية عبر تحريك جسده، فإن كريتشلي يرى أن كرة القدم نوع من أنواع الأمل المتجدد، فهي لا تتعلق فقط بالفوز أو الخسارة؛ لأن الشيء الغريب في كرة القدم ليس الهزيمة: "إنه الأمل المتجدد. الأمل الذي يقدمه كل موسم جديد. الأمل الذي يأتي لدغدغة قدميك، ثم تدرك، كما تقول الشاعرة والكلاسيكية آن كارسون، أن نعالك مشتعلة".
في عام 1959، قبل عام من وفاته، أخبر كامو أحد الصحفيين، أنه إلى جانب المسرح، كان ملعب كرة القدم إحدى جامعاته الحقيقية.
مثل العديد من نجوم كرة القدم، عاش ألبير كامو طفولة فقيرة جداً، وُلِد في السابع من تشرين الثاني عام 1913 في مدينة القسطنطينية بالجزائر، أبوه لوسيان كامو من أصول فرنسية، يعمل أجيراً في إحدى المزارع، لم يمضِ عام على مولده حتى اندلعت الحرب العالمية الأولى، وسيسافر والده إلى فرنسا لتأدية الخدمة العسكرية، لكنه يُقتل في الأشهر الأولى من الحرب، والدته "كاترين سانتيز" من أصول إسبانية، نصف صمّاء لا تعرف القراءة والكتابة حيث ستنشأ بينهما علاقة خاصة. لم ينسَ كامو عالمه الفقير هذا، وقرر أن يجعل من أبطاله يتمردون على واقعهم: "ثمة وحشة في الفقر، لكنها وحشة تعطي لكل شيء ثمنه الحقيقي".
بعد وفاة الأب تقرر العائلة مغادرة مدينة مندوفي التي وُلد فيها كامو إلى العاصمة الجزائر للعيش في شقة صغيرة، الأم وشقيقه الأكبر وجدته، وعمه الذي يعاني من شلل في الأطراف. وسيكتب كامو في كتابه «لعبة الأوراق والنور» عن حياته هذه: "لقد نشأت في البحر، وبدا الفقر لي شيئاً رائعاً، وفيما بعد، عندما أضعت البحر، بدت لي ضروب الترف كلها شهباء كالحة، وبؤساً لا يُطاق". سينشغل عن الفقر والحرمان بعشق كرة القدم، وفي المدرسة يُشار إليه بحارس المرمى المتيقظ دوماً، في عامه الخامس عشر من عمره لعب "كامو" حارساً للمرمى في فريق نادي مونبنسير. يقول إنه تعلم أول درس له في الحياة التي يشبهها بالكرة؛ فهي لا تأتي أبداً نحو أحدنا من الجهة التي ينتظرها منها، وانتظار شيء لا يحدث هو العبث بعينه. لذلك اختار ألبير كامو حلاً عبثياً لمشكلة عبثية، اختار المركز الذي صُمِّمَت لعبة كرة القدم خصيصاً من أجل اختراقه وانتهاكه: حراسة المرمى. يكتب في «عشب الأيام» – ترجمة نجوى بركات –: "عندما كنت شاباً ألعب مع فريقي، أحسست بهذا الشعور القوي بالأمل والسعادة، والذي كان لا يفارقني في أيام التدريب الطويلة قبل المباراة. وفي الحقيقة، بعض المُثل العليا التي تعلَّمتها، في المسرح، أو في ملعب كرة القدم – كلاهما يمثلان جامعتي الحقيقية".
أضاءت كرة القدم حياة كامو، واستمر في مشاهدتها إلى اللحظة الأخيرة، ورغم أنه كان يدرك أن كل شيء كان "سيزيفياً"، إلا أنه ظل يعلن أن الطريقة الوحيدة للعيش هي أن نتمرد ضد اللامعنى، وظل يشعر أن ما يعطي معنىً للحياة، هو تلك الأشياء التي تحبها "ليس بعقلك، وليس بالمنطق، ولكن بداخلك".
قبل عامين من وفاته، اشترى كامو منزلاً في لورمارين، وهي قرية جبلية على بعد خمسين ميلاً شمال مرسيليا. تعرّف هناك على لاعبي فريق كرة القدم المحلي، ودفع ثمن المعدات لهم واستضاف بعضاً منهم في بيته. ربما كان سيستمر في العناية بالفريق، ولكن في يوم رأس السنة الجديدة عام 1960، عرض عليه صديقه صاحب دار غاليمار إعادته من جنوب فرنسا إلى باريس في سيارته. كان لدى كامو تذكرة قطار، لكنه قرر في اللحظة الأخيرة الانضمام إلى صديقه. ستنحرف السيارة عن الطريق لتصطدم بشجرة، ويموت كامو على الفور. قبل سنوات قال لأحد أصدقائه: "لا شيء يمكن أن يكون أكثر سخافة من الموت في حادث". بعد وفاته، دُفن في تلال لورمارين، وفي جنازته تقدّمها فريق كرة القدم المحلي، حيث حمل اللاعبون نعشه.
ليس من المصادفة أن يكون فريدريك نيتشه، الفيلسوف الجوّال، أحد الفلاسفة المفضلين عند كامو، فقد كان يحبه لما يحمله من روح المغامرة وعشق للرياضة. كان نيتشه يردد: "لا تُصدّق أي فكرة لم تولد في الهواء الطلق أثناء التحرك بحرية، الجلوس -قلتها مرة وسأكررها ثانية- هو أكبر خطيئة" - فريدريك جروس، فلسفة المشي، ترجمة سعيد بوكرامي -، وهو مثل نيتشه كان يؤمن أن الأفكار لا تأتي من الكتب فقط، إنما من التفكير في الهواء الطلق: "سائرين، قافزين، متسلقين، راقصين، ويا حبذا لو كان هذا عند جبال وحيدة، أو بالقرب من البحر، حيث آثار الأقدام نفسها تقف كشواهد متأملة، فالأفكار التي لم تغسلها أشعة الشمس تنتج رائحة كريهة مثل رائحة الأماكن المغلقة".
يكتب إدواردو غاليانو: "الكرة تبحث عنه، تتعرف عليه، تحتاج إليه، وعلى صدر قدمه تستريح وتتأرجح. إنه يخرج منها الألق ويجعلها تتكلم. الكرة تضحك مشرقة في الهواء، فينزلها هو، ينومها، يغازلها، يراقصها، وحين يرى محبوه هذه الأشياء التي لم يُرَ لها مثيل، يشفقون على أحفادهم الذين لم يولدوا بعد لأنهم لم يروه".
كان غاليانو مصاباً بهوس كرة القدم، تُروى طرائف كثيرة، حتى إن بعض معارفه يقولون إنه كل أربع سنوات يعلق لافتة على بابه "مغلق من أجل كرة القدم"، ويحبس نفسه في البيت لا يخرج منه طوال مدة كأس العالم، وهذا العشق جعله يكتب كتاباً بعنوان "كرة القدم بين الشمس والظل" – ترجمه إلى العربية صالح علماني – يكتب فيه: "تدور الكرة، ويدور العالم. يعتقد الناس أنّ الشمس هي كرة مشتعلة تعمل طيلة اليوم وتقضي لياليها تقفز من جنة لأخرى، فيما القمر يقوم بمناوبته، رغم أنّ العلم يشكك بهذه الرواية. لكن من دون شك يدور العالم حول كرة متحركة: لقد شاهد نهائي كأس العالم لسنة ١٩٩٤ أكثر من ملياري شخص، وهو أكبر عدد في تاريخ الكرة الأرضية. هو الشغف الأكثر تشاركاً: الكثير من المعجبين بالكرة يلعبونها في الملاعب، والكثيرون منهم يجلسون أمام التلفاز ويقضمون أظافرهم فيما يطارد ٢٢ رجلاً كرة ويركلونها ليعبّروا عن حبهم. في نهاية كأس العالم ٩٤، سُمّي كل الأطفال الذين ولدوا في البرازيل روماريو، وبيع عشب الملعب في لوس أنجلوس مثل البيتزا، بعشرين دولاراً للقطعة. هل هو القليل من الجنون الذي ينبغي أن يخصص لقضية أفضل؟ هل هي تجارة بدائية ووضيعة؟ هل هي صندوق فرجة يتحكم فيها مالكوها؟ أنا واحد من هؤلاء الذين يؤمنون بأن كرة القدم هي كل ذلك، لكن أكثر من ذلك أيضاً: متعة للعين التي تشاهدها، ومتعة للجسد الذي يلعبها. سأل صحافي مرة اللاهوتية الألمانية دوروتي سول: كيف تفسّرين السعادة لطفل؟. أجابته: ( لن أفسرها، سأعطيه كرة وأسمح له باللعب ) .