يحيل عنوان المجموعة القصصية على القصة الفلسفية الرمزية الشهيرة فى التراث العربى وهى قصة حى بن يقظان التى تناولها كثير من الفلاسفة المسلمين وأشهرهم الفيلسوف الأندلسى ابن طفيل، وهى تتحدث عن نشأة شخص يدعى حى بن يقظان فى جزيرة وحده ويرمز للإنسان والفطرة والعقل وذلك بمضامين فلسفية عديدة، وللكاتب مجموعة قصصية سابقة بعنوان بجعة ابن حزم مما يشير بانشغاله بالمعرفة الـتأملية والفلسفية وهذا ما سنجده بقصص المجموعة ، وعنوان المجموعة هو عنوان لإحدى القصص بها، وقد بدا الكاتب مشغولا وراصدا لقضايا مجتمعه وتحولاته مضفرا تلك القضايا فى سرد قصصى، وربما كان هذا الهم الراصد لهذه التحولات المجتمعية هو الخيط الرابط بين قصص المجموعة ، فى قصة (بطاقة حى بن يقظان) كان السارد هوالشخصية الرئيسية بها على المعاش ولديه بطاقة (فيزا) لصرف معاشه الشهرى وهو ككل كبار السن يجد صعوبة فى التعامل مع التكنولوجية الحديثة ممثلة فى ماكينة الصرف الآلى للمعاش ورعبه المرضى من نسيان الرقم السرى للبطاقة وكذلك فقد البطاقة وباقة أوراقه ويتحول هذا الخوف إلى كابوس ، ويربط السارد بينه وبين قصة حى بن يقظان فى شعوره بالوحدة " فأرانى وحيدا فى مكان يشبه تلك الغابة على الجزيرة النائية .. اجتهد الرسامون حول زمن الاندلس فى تصويرها مأوى لحى بن يقظان الذى قذفت به السفينة الغارقة رضيعا إلى تلك الجزيرة ..مثله، أرانى هناك.. وحيدا تسترنى نباتات ، أتلفت حولى فزعًا استجابة لصوت كالفحيح لجوقة تسألنى متوعدة كم رقمك؟ أين بطاقتك؟"ص45 ويتخذ من شخصية حى ابن يقظان تكئة للتساؤل عن طُرق رصد وتسجيل الناس فى الأزمنة القديمة عبر تساؤلات ساخرة ومازحة "يا ترى كم كان رقم بطاقة حى بن يقظان؟"ص47 ، وفى قصة (تشابك) قصة حب رومانسية بين طالب وطالبة مختلفى الأديان فى الجامعة ويملى الواقع كلمته بالفراق بينهما حيث خطبت الفتاة لابن عمها وتزوج الفتى وأنجب، وتحول إلى شخصية قاسية وتعيسة، وهى تيمة تناولها كثير من الكتاب مثل يوسف إدريس فى جيوكندا مصرية وسيد الوكيل فى قصة حب صوفى وحكاية نُنُس فى مجموعته مثل واحد آخر ، وفى قصة أبلة قدرية تناول السارد مشكلة ختان الإناث من خلال حكيمة ومولدة فى مكتب الصحة تدعى قدرية "وكنت ألاحظ فزع البنات من ظهورها فى الشارع "ص18 وبالموازاة مع ذلك كان هناك خط سردي آخرعن علاقة السارد بها وتفتح غريزته الجنسية من خلال رائحة عطرها وانتهت القصة بإدانة صريحة من السارد لختان الإناث فى عبارته" ده إجرام"ص19 ، وفى قصة أسماء تناول السارد ظاهرة تسمية بعض الأسر لأطفالهم بأسماء مغتربة عن المجتمع المصرى مثل جوناثان ومايبل وميرولا للمسيحيين وقديمة مثل صُهيب وجُويرية للمسلمين، وكذلك من خلال ألعاب (فيديو جيمز) تتسم بالعنف من خلال السارد الجد مع حفيده، وفى قصة (المؤسسة) دون تعيين لاسمها مما يفيد العموم وعدم التخصيص، يتناول السارد ظاهرة التلصص ونقل كلام الموظفين إلى المدير عبر أشخاص يطلق عليهم (العصافير)، وزاد فى فساد المؤسسة ظهور فتى أبيض ممتلئ يطلقون عليه (الملظلظ) ولقبه ووصفه السابق يوحى بمعنى غير إخلاقي بينه وبين المدير ، وسرعان ما يتولى الملظلظ أمور الشركة عقب نقل المدير إلى المستشفى عقب لقاء مشبوه بينهما، وفى قصة بائد يشير عنوان القصة إلى تلك التحولات السلبية التى حدثت بعد ثورة يوليو 1952 وإطلاق لفظ بائد على كل ماكان فى العصر الملكى حتى غناء أم كلثوم وعبد الوهاب ومنعها، وكان أحد الفنانين التشكيليين قد رسم لوحة القناية عن قناة السويس ورُفض عرضها بأحد معارض الثورة وركنت بإهمال فى بدروم القصرلأنه سبق أن رسم لوحة للملكة قبل الثورة ورغم طلاقها إلا أن القصر الملكى عامله بتقدير وسلمه أتعابه خمسين جنيها ذهبا، بينما فى عهد الثورة رأى الفنان أنهم يتعاملون مع اللوحات مثل شوال البطاطس، (وربما تشير القصة إلى الفنان التشكيلى أمين ريان والد الكاتب). وفى قصة حلال العقد تعبر عن مشكلة قلة خبرة كبار السن فى التعامل مع ماكينة صرف المعاش، كذلك من التحولات الإجتماعية التى عبرت عنها القصص هو الزواج العرفى بين بعض طلاب وطالبات المدارس الثانوية فى قصة (يوم احتفوا بالفأر فى الكرار)، وفى قصة (من هناك) تحولات التهافت على الشهادات الأجنبية بما يمثله من العودة إلى التبعية للأجانب وتقليدهم ، وفى قصة (هولاهوب) إلغاء بعض الألعاب المدرسية ومنها لعبة الطوق والنظر إليها كنوع من الفسق، وكلها تحولات سلبية تحمل مشاكل اجتماعية خطيرة .
ملامح سردية :
انتهج الكاتب طريقة سردية حديثة وغير تقليدية فى كتابة قصص المجموعة وذلك بعدم التقيد بالترتيب الزمنى التعاقبى للأحداث، وإنما بالتقديم والتأخيرفى عرض الأحداث والتلاعب بترتيب المشاهد مستخدما تقنيتى الاسترجاع والمونتاج فى ترتيب الأحداث، ولذلك شاع فى القصص تداخل ألأزمنة فلم يكن الزمن يمضى بطريقة تعاقبية ولكن بطريقة متقطعة يخدم المنطق الفنى والسردى للقصة، وعلى سبيل المثال فى قصة أبلة قدرية، بدأ الكاتب القصة بمشهد مجلس عزاء وفاة قدرية وهى الشخصية الرئيسية فعرضه أولا ثم عن طريق استرجاع الماضى ثم توالى عرض مشاهد من حياتها وعملها كحكيمة ومولدة فى مكتب الصحة وعلاقته بها، وقد وظف الكاتب ذلك الأسلوب فى أكثر قصص المجموعة ومثلت إحدى سماته السردية فى المجموعة حيث يبدأ من لحظة فى الحاضر ثم يسترجع الماضى عبر الذاكرة، وكانت تقنية الاسترجاع من أكثر التقنيات التى وظفها الكاتب فى قصص المجموعة مثل قصص فايز، تشابك، أبلة قدرية ، بائد أسماء، من هناك، فى القران، رحلة ،حلال العقد، هولاى هوب، وغيرها ، وقد استخدم الكاتب ضمير المتكلم فى بداية أكثر قصص المجموعة ثم يتحول إلى ضمير الغائب العليم ، وكان السارد شخصية رئيسية أو مشاركًا يحمل رؤية سردية لعمره الذى تراوح بين الستين والسبعين كأب أو جد على المعاش- غالبًا- شغوفا بالمعرفة والثقافة والكتب والمكتبات، لذا اتسم السرد بالعودة كثيرًا إلى الماضى والحنين إليه واسترجاعه فى الحكى مع حفيده أوابنه .
الوصف :
أجاد الكاتب وصف الشخصيات ومنها قدرية فى قصة أبلة قدرية فهى شخصية مركبة ونامية ومتطورة وليست ساكنة وهى موزعة عبر مشاهد متفرقة فى القصة عن طريق أقوالها ووصفها وسلوكها بحيث لم تكتمل صورتها إلا بإنتهاء القصة، وفى قصة أنا والفراغ رسم السارد شخصية أستاذه فى الفيزياء كعالم جليل وشخصية مهيبة "يبدو عقبها خارجا من هالة بيضاء مقدسة فى معطفه الأبيض المملوء بالطباشير..لا أنسى نظرته الممتنة وبريقها أسفل حاجبيه الكثيفين الأشهبين..وعندى تصور أنه قد مسنى قبس من روحه الممتدة من أستاذه أينشتاين"ص36، كما كان الوصف بارعًا وبلغة تعبيرية جميلة ومؤثرة مثل وصف السارد لإحساسه بقدرية " تصاعدت وتيرة دقات قلبى وليس معى دواء الضغط يكاد صدرى أن ينخلع..تعلو خفقاته، وتضج فى أذنى، فزعا ينتفض، تعلو خفقاته وتضج فى أذنى، تطغى على صوت المقرئ المنثال من السماعات فى آخر الردهة" ، كما وظف الضوء والظل فى الوصف وهما عماد الفن التشكيلى "نظرتْ جهتى، فسقط الضوء عليها من المصباح أعلى المدخل، وتولت الظلال رسم بقية التفاصيل التى أحفظها برغم تخفيها خلف الرداء الأسود الرقيق" ص17 .
مظاهر جمال المرأة والجنس :
ورد مظاهر جمال المرأة فى قصص المجموعة فى أناقة ملبسها وزينتها وجمال عينيها المكحولتين دائما وصوت كعب حذائها أثناء سيرها ص69، وارتبطت رائحة العطر بالغريزة الجنسية "(سوار دى بارى) العطر الساحر الأخاذ محفور فى قرارة وعيّ وخيالى ويرتبط بحضن أبلة قدرية وصدرها الذى لا أنساه بين الصدور ولا أعرف كيف أصف بضاضته وحنوه الذى يطاردنى بعد نضجى "ص14، وفى موضع آخر"تبدو روائح الجنس من خلال عطور ثمينة"ص71.
اللغة والحوار:
كانت اللغة فى السرد بالفصحى اليسيرة وقد وردت بعض كلمات عامية خلال السرد وُضعت بين قوسين مثل (الشيخ سماعين، سبسب شعره)، وكانت اللغة تعبيرية فى بعض المواضع مثل عبارات تصاعدت وتيرة دقات قلبى، يكاد صدرى أن ينخلع ، فزعا ينتفض ص14،.ملامحه كانت جامدة قاسية ليست التى أعرفها"ص12، وكانت اللغة جمالية فى بعض المواضع مستخدما تشبيهات جديدة مثل"لأذوب كبلورة ملح فى بحر الناس ..بمدهم وجزرهم يملئون الشوارع كل صباح"ص46، كما استخدم بعض العبارات المركبة القديمة مثل"أُسقط فى يده"ص69، وعبارة (هُرع )بمعنى أسرع التى تكررت ثلاث مرات فى قصة أبلة قدرية ومرة واحدة فى كل من قصة بطاقة حى بن يقظان ص45 وقصة يوم احتفوا بالفأر فى الكرار، (وأرى أن الكلمة بها ظلال من الخوف والفزع بما لا يتناسب مع سياقها السردى الذى يعبر عن الشوق أواللهفة أوالإهتمام)، أما الحوار فكان باللهجة العامية وكان معبرا عن الشخصية ومطورا للحدث مثل الحوار فى قصة تشابك بين محب وصديقه السارد
"- أنا عايز أخطبها
- كنت عارف أننا فى مصيبة ( حدقت فيه محاولا ألا يعلو صوتى ) ازاى يا فالح؟ حتقول لأهلها إيه؟ ولاّ لأهلك" ص9 .
وأخيرًا، نجح الكاتب فى التعبيرعن التحولات الإجتماعية فى مجتمعه بين الماضى والحاضر نتيجة لتحولات سياسية واقتصادية كبيرة فأحدثت فى المجتمع مشكلات خطيرة ومؤرقة من خلال سرد قصصى وجمالى بديع.
ملامح سردية :
انتهج الكاتب طريقة سردية حديثة وغير تقليدية فى كتابة قصص المجموعة وذلك بعدم التقيد بالترتيب الزمنى التعاقبى للأحداث، وإنما بالتقديم والتأخيرفى عرض الأحداث والتلاعب بترتيب المشاهد مستخدما تقنيتى الاسترجاع والمونتاج فى ترتيب الأحداث، ولذلك شاع فى القصص تداخل ألأزمنة فلم يكن الزمن يمضى بطريقة تعاقبية ولكن بطريقة متقطعة يخدم المنطق الفنى والسردى للقصة، وعلى سبيل المثال فى قصة أبلة قدرية، بدأ الكاتب القصة بمشهد مجلس عزاء وفاة قدرية وهى الشخصية الرئيسية فعرضه أولا ثم عن طريق استرجاع الماضى ثم توالى عرض مشاهد من حياتها وعملها كحكيمة ومولدة فى مكتب الصحة وعلاقته بها، وقد وظف الكاتب ذلك الأسلوب فى أكثر قصص المجموعة ومثلت إحدى سماته السردية فى المجموعة حيث يبدأ من لحظة فى الحاضر ثم يسترجع الماضى عبر الذاكرة، وكانت تقنية الاسترجاع من أكثر التقنيات التى وظفها الكاتب فى قصص المجموعة مثل قصص فايز، تشابك، أبلة قدرية ، بائد أسماء، من هناك، فى القران، رحلة ،حلال العقد، هولاى هوب، وغيرها ، وقد استخدم الكاتب ضمير المتكلم فى بداية أكثر قصص المجموعة ثم يتحول إلى ضمير الغائب العليم ، وكان السارد شخصية رئيسية أو مشاركًا يحمل رؤية سردية لعمره الذى تراوح بين الستين والسبعين كأب أو جد على المعاش- غالبًا- شغوفا بالمعرفة والثقافة والكتب والمكتبات، لذا اتسم السرد بالعودة كثيرًا إلى الماضى والحنين إليه واسترجاعه فى الحكى مع حفيده أوابنه .
الوصف :
أجاد الكاتب وصف الشخصيات ومنها قدرية فى قصة أبلة قدرية فهى شخصية مركبة ونامية ومتطورة وليست ساكنة وهى موزعة عبر مشاهد متفرقة فى القصة عن طريق أقوالها ووصفها وسلوكها بحيث لم تكتمل صورتها إلا بإنتهاء القصة، وفى قصة أنا والفراغ رسم السارد شخصية أستاذه فى الفيزياء كعالم جليل وشخصية مهيبة "يبدو عقبها خارجا من هالة بيضاء مقدسة فى معطفه الأبيض المملوء بالطباشير..لا أنسى نظرته الممتنة وبريقها أسفل حاجبيه الكثيفين الأشهبين..وعندى تصور أنه قد مسنى قبس من روحه الممتدة من أستاذه أينشتاين"ص36، كما كان الوصف بارعًا وبلغة تعبيرية جميلة ومؤثرة مثل وصف السارد لإحساسه بقدرية " تصاعدت وتيرة دقات قلبى وليس معى دواء الضغط يكاد صدرى أن ينخلع..تعلو خفقاته، وتضج فى أذنى، فزعا ينتفض، تعلو خفقاته وتضج فى أذنى، تطغى على صوت المقرئ المنثال من السماعات فى آخر الردهة" ، كما وظف الضوء والظل فى الوصف وهما عماد الفن التشكيلى "نظرتْ جهتى، فسقط الضوء عليها من المصباح أعلى المدخل، وتولت الظلال رسم بقية التفاصيل التى أحفظها برغم تخفيها خلف الرداء الأسود الرقيق" ص17 .
مظاهر جمال المرأة والجنس :
ورد مظاهر جمال المرأة فى قصص المجموعة فى أناقة ملبسها وزينتها وجمال عينيها المكحولتين دائما وصوت كعب حذائها أثناء سيرها ص69، وارتبطت رائحة العطر بالغريزة الجنسية "(سوار دى بارى) العطر الساحر الأخاذ محفور فى قرارة وعيّ وخيالى ويرتبط بحضن أبلة قدرية وصدرها الذى لا أنساه بين الصدور ولا أعرف كيف أصف بضاضته وحنوه الذى يطاردنى بعد نضجى "ص14، وفى موضع آخر"تبدو روائح الجنس من خلال عطور ثمينة"ص71.
اللغة والحوار:
كانت اللغة فى السرد بالفصحى اليسيرة وقد وردت بعض كلمات عامية خلال السرد وُضعت بين قوسين مثل (الشيخ سماعين، سبسب شعره)، وكانت اللغة تعبيرية فى بعض المواضع مثل عبارات تصاعدت وتيرة دقات قلبى، يكاد صدرى أن ينخلع ، فزعا ينتفض ص14،.ملامحه كانت جامدة قاسية ليست التى أعرفها"ص12، وكانت اللغة جمالية فى بعض المواضع مستخدما تشبيهات جديدة مثل"لأذوب كبلورة ملح فى بحر الناس ..بمدهم وجزرهم يملئون الشوارع كل صباح"ص46، كما استخدم بعض العبارات المركبة القديمة مثل"أُسقط فى يده"ص69، وعبارة (هُرع )بمعنى أسرع التى تكررت ثلاث مرات فى قصة أبلة قدرية ومرة واحدة فى كل من قصة بطاقة حى بن يقظان ص45 وقصة يوم احتفوا بالفأر فى الكرار، (وأرى أن الكلمة بها ظلال من الخوف والفزع بما لا يتناسب مع سياقها السردى الذى يعبر عن الشوق أواللهفة أوالإهتمام)، أما الحوار فكان باللهجة العامية وكان معبرا عن الشخصية ومطورا للحدث مثل الحوار فى قصة تشابك بين محب وصديقه السارد
"- أنا عايز أخطبها
- كنت عارف أننا فى مصيبة ( حدقت فيه محاولا ألا يعلو صوتى ) ازاى يا فالح؟ حتقول لأهلها إيه؟ ولاّ لأهلك" ص9 .
وأخيرًا، نجح الكاتب فى التعبيرعن التحولات الإجتماعية فى مجتمعه بين الماضى والحاضر نتيجة لتحولات سياسية واقتصادية كبيرة فأحدثت فى المجتمع مشكلات خطيرة ومؤرقة من خلال سرد قصصى وجمالى بديع.