"علم الرجال" أو "علم رجال الحديث" هي التَّسمية التي يطلقُها علماءُ وفقهاء الدين على "علم الجرح والتَّعديل" الذي يُعنى بتقييمِ الأحوال الشخصية لرُواة الحديث، بمعنى هل هم مستقيمون ونزهاء للأخذ أم لا برواياتِهم لمختلف الأحاديث. وأكثر الرُّواة عددا هم الصحابة رضي الله عنهم الذين، حسب بعض المصادر، كان عددُهم يُناهز 114000 صحابي. وكلُّهم صاحبوا الرسولَ (ص) وسمعوا أقوالَه (أحاديثَه).
غير أن هذا العدد الهائل من الصحابة يفرض على كل عقل سليم، نيِّرٍ ومستنير أن يطرحَ على نفسِه السؤال التال : "فكيف يمكن التَّأكُّدُ من استقامة هذا العدد الهائل أو حتى من استقامة جزءٍ منه، علما أن هؤلاء الصحابة قضوا نحبَهم قبل ظهور صحيحَي البخاري ومسلم؟
ما يمكن الجزمُ به، هو إن هذه التَّسميةٌ تُقصي، من أول وهلةٍ، النساءَ من ضمن رواة الحديث، علما أن كثيرا من النساء اشتهرن برواية الحديث، وعلى رأسهن، زوجات النبي والرسول محمد (ص). كان لهؤلاء الزوجات باعٌ طويل في رواية الأحاديث النبوية، تتصدَّرهن عائشة بنتُ أبي بكر الصديق التي صدر عنها أكثر من 2000 حديث.
إنها إذن تسميةٌ ذكورية محضة لا تعير أيَّ اهتمامٍ لوجود العُنصر النسوي ولو كان من زوجات الرسول (ص). تسميةٌ مدسوسٌ وراءها خلفياتٌ فكرية خطيرة كلُّها إهانةٌ واحتقارٌ للمرأة المسلمة، على الخصوص، وللمرأة، بصفة عامة.
وهذا يعني أن علماء وفقهاء الدين، القدامى والجُدد لا يعترفون بدور المرأة في مجتمعاتِهم، علما أن تاريخَ الإسلام، في بدايته كان حافلاً بنساء عُرِفن بدفاعهن عن هذا الإسلام ونشره. وعلى رأسهم خديجة بنت خويلد، أول زوجة للرسول(ص) التي ساعدته و آزرته، في بداية الوحي، على القيام بمهمته كرسول.
والصحابة لم يكونوا، فقط، كلهم رجالا. بل كان من بين الصحابة صحابيات، وجلُّهن رَوَيْنَ أحاديثَ عن الرسول (ص). أذكر على سبيل المثال آمنة بنت عفان، وهي أخت الخليفة عثمان بن عفان، جويرية بنت الحارث، جويرية بنت أبي سفيان، حفصة بنت عمر بن الخطاب، حليمة السعدية مُرضِعة الرسول (ص)، أم الدرداء، درة بنت أبي لهب…
فكيف لعلماء وفقهاء الدين أن يتنكَّروا للمرأة واستحودوا على ما سموه "علم الرجال"، علما أن كثيرا من النساء كنَّ صحابيات وراوياتٍ للحديث؟ أليس هذا التَّصرُّفُ ضاربٌ في أعماق الذكورية التي كانت ولا تزال تعتبر المرأةَ ناقصةَ عقلٍ ودينٍ؟
في الحقيقة، ما هو مَدسوسٌ، أي ما هو غير مُعلنٍ أو ما هو خفي وراءَ تسمية "علم الرجال"، يبيِّن لنا إلى أي مدى وصلت إليه الذكورية machisme عند علماء وفقهاء الدين. بل ويُبيِّن، كذلك، إلى أي مدى وصل إليه هؤلاء العلماء والفقهاء في احتقارُ المرأة، كجزء مهم لا يتجزَّأُ من المجتمع البشري ومن تطوُّره. ليس فقط المرأة المُسلمة ولكن جميع نساء العالم. لماذا؟ لأنه، لو أُتِيحت لهم الفرصةُ للتَّحكُّم في باقي نساء العالم، لأخضعوهنَّ لنفس المصير الذي أرادوه للمرأة المسلِمة.
وهنا، سأعطي مثالا حيّاً يعرفه الجميع. لو أتيحت الفرصة لطالِبان أفغانستان في التَّحكُّم في نساء العالم (بالطبع، هذا شيءٌ مستحيلٌ) لحرموهنَّ من جميع حقوقهن، كيفما كانت. ولجعلوهن مثلهن مثل أثاث البيت يُتَمَتَّعُ بهن فقط وحصريا. علماً أن آخرَ ما جابت به قريحَةُ طالبان، هو منع النوافد في المنازل المُطلَّة على الشوارع لمنع النساء من رؤية المَارِّين الرجال ومنع الرجال المارِّين من رؤية النساء وهن في بيوتهم.
إنه فعلا لأمرٌ غريبٌ أن يحتقرَ علماءُ وفقهاءُ الدينِ المرأةَ بهذه الحِدَّة وكأنها كائن حي غير بشري خلقَه اللهُ، سبحانه وتعالى، فقط وحصريا من أجل الإنجاب la procréation ومن أجل خدمة الرَّجل والامتثال لنزواته. إنهم بتصرُّفهم هذا يخالفون أوامرَ الله الذي يقول في قرآنه الكريم :
1."وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا" (النساء، 124).
2."مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (النحل، 97).
"وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ" و"مَنْ عَمِلَ صَالِحًا" لا تشمل فقط العبادات. بل تشمل، كذلك، كل الأعمال التي ينتفع منها الناس، أي الأعمال التي تفيدُ الناسَ ويستفيدون منها. والله، سبحانه وتعالى، بيَّن في هاتين الآيتين، أن العمل الصالحَ قد يقوم به الرجال كما تقوم به النساء، على حدٍّ سواء.
الكلام الآتي موجَّهٌ للناس من ذوي العقول السليمة، النَّيِّرة والمُستنيرة : "في نظركم، هل الله، سبحانه وتعالى، سيذكر في قرآنه الكريم نساءً ناقصاتِ عقلٍ، وآيات كثيرة تدعو الناسَ إلى تشغيل عقولهم لتدبُّر هذا القرآن"؟
فكيف للمرأة أن تُساهمَ في القيامِ بالأعمال الصالحة وعلماء وفقهاء الدين يُلحُّون على أن تبقى مسجونةً بين أربعة جدران ومحرومة من أبسط حقوقها؟
غير أن ما أراده ويريده علماء وفقهاء الدين مخالفٌ للواقع، بل متناقضٌ معه. اليوم، دور المرأة في المجتمعات واضحٌ للعيان. المرأة ولجت كثيرا من المهن، دون أن تستشيرَ علماء وفقهاء الدين. لأنه لا شيءَ في الدين يمنعها من ممارسة هذه المِهن. وكل الأعمال الصالحة، سواءً قام بها الرجالُ أو النساءُ، تدخل في خدمة الصالح العام.
فما على علماء وفقهاء الدين إلا أن يغيِّروا نظرتَهم للمرأة لتصبحَ أفكارُهم متناسقةً مع الواقع الذي يعيشون فيه. والواقع يصنعه عقلُ الإنسانُ. وعقل الإنسان يتطوَّر ولا يمكن أن يبقى جامدا طيلة قرون. والتاريخ يشهد أن العقلَ البشري تطوَّر تطوُّرا هائلا، في فترة لا تتعدَّى ثلاثةَ أو أربعةَ قرون.
غير أن هذا العدد الهائل من الصحابة يفرض على كل عقل سليم، نيِّرٍ ومستنير أن يطرحَ على نفسِه السؤال التال : "فكيف يمكن التَّأكُّدُ من استقامة هذا العدد الهائل أو حتى من استقامة جزءٍ منه، علما أن هؤلاء الصحابة قضوا نحبَهم قبل ظهور صحيحَي البخاري ومسلم؟
ما يمكن الجزمُ به، هو إن هذه التَّسميةٌ تُقصي، من أول وهلةٍ، النساءَ من ضمن رواة الحديث، علما أن كثيرا من النساء اشتهرن برواية الحديث، وعلى رأسهن، زوجات النبي والرسول محمد (ص). كان لهؤلاء الزوجات باعٌ طويل في رواية الأحاديث النبوية، تتصدَّرهن عائشة بنتُ أبي بكر الصديق التي صدر عنها أكثر من 2000 حديث.
إنها إذن تسميةٌ ذكورية محضة لا تعير أيَّ اهتمامٍ لوجود العُنصر النسوي ولو كان من زوجات الرسول (ص). تسميةٌ مدسوسٌ وراءها خلفياتٌ فكرية خطيرة كلُّها إهانةٌ واحتقارٌ للمرأة المسلمة، على الخصوص، وللمرأة، بصفة عامة.
وهذا يعني أن علماء وفقهاء الدين، القدامى والجُدد لا يعترفون بدور المرأة في مجتمعاتِهم، علما أن تاريخَ الإسلام، في بدايته كان حافلاً بنساء عُرِفن بدفاعهن عن هذا الإسلام ونشره. وعلى رأسهم خديجة بنت خويلد، أول زوجة للرسول(ص) التي ساعدته و آزرته، في بداية الوحي، على القيام بمهمته كرسول.
والصحابة لم يكونوا، فقط، كلهم رجالا. بل كان من بين الصحابة صحابيات، وجلُّهن رَوَيْنَ أحاديثَ عن الرسول (ص). أذكر على سبيل المثال آمنة بنت عفان، وهي أخت الخليفة عثمان بن عفان، جويرية بنت الحارث، جويرية بنت أبي سفيان، حفصة بنت عمر بن الخطاب، حليمة السعدية مُرضِعة الرسول (ص)، أم الدرداء، درة بنت أبي لهب…
فكيف لعلماء وفقهاء الدين أن يتنكَّروا للمرأة واستحودوا على ما سموه "علم الرجال"، علما أن كثيرا من النساء كنَّ صحابيات وراوياتٍ للحديث؟ أليس هذا التَّصرُّفُ ضاربٌ في أعماق الذكورية التي كانت ولا تزال تعتبر المرأةَ ناقصةَ عقلٍ ودينٍ؟
في الحقيقة، ما هو مَدسوسٌ، أي ما هو غير مُعلنٍ أو ما هو خفي وراءَ تسمية "علم الرجال"، يبيِّن لنا إلى أي مدى وصلت إليه الذكورية machisme عند علماء وفقهاء الدين. بل ويُبيِّن، كذلك، إلى أي مدى وصل إليه هؤلاء العلماء والفقهاء في احتقارُ المرأة، كجزء مهم لا يتجزَّأُ من المجتمع البشري ومن تطوُّره. ليس فقط المرأة المُسلمة ولكن جميع نساء العالم. لماذا؟ لأنه، لو أُتِيحت لهم الفرصةُ للتَّحكُّم في باقي نساء العالم، لأخضعوهنَّ لنفس المصير الذي أرادوه للمرأة المسلِمة.
وهنا، سأعطي مثالا حيّاً يعرفه الجميع. لو أتيحت الفرصة لطالِبان أفغانستان في التَّحكُّم في نساء العالم (بالطبع، هذا شيءٌ مستحيلٌ) لحرموهنَّ من جميع حقوقهن، كيفما كانت. ولجعلوهن مثلهن مثل أثاث البيت يُتَمَتَّعُ بهن فقط وحصريا. علماً أن آخرَ ما جابت به قريحَةُ طالبان، هو منع النوافد في المنازل المُطلَّة على الشوارع لمنع النساء من رؤية المَارِّين الرجال ومنع الرجال المارِّين من رؤية النساء وهن في بيوتهم.
إنه فعلا لأمرٌ غريبٌ أن يحتقرَ علماءُ وفقهاءُ الدينِ المرأةَ بهذه الحِدَّة وكأنها كائن حي غير بشري خلقَه اللهُ، سبحانه وتعالى، فقط وحصريا من أجل الإنجاب la procréation ومن أجل خدمة الرَّجل والامتثال لنزواته. إنهم بتصرُّفهم هذا يخالفون أوامرَ الله الذي يقول في قرآنه الكريم :
1."وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا" (النساء، 124).
2."مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (النحل، 97).
"وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ" و"مَنْ عَمِلَ صَالِحًا" لا تشمل فقط العبادات. بل تشمل، كذلك، كل الأعمال التي ينتفع منها الناس، أي الأعمال التي تفيدُ الناسَ ويستفيدون منها. والله، سبحانه وتعالى، بيَّن في هاتين الآيتين، أن العمل الصالحَ قد يقوم به الرجال كما تقوم به النساء، على حدٍّ سواء.
الكلام الآتي موجَّهٌ للناس من ذوي العقول السليمة، النَّيِّرة والمُستنيرة : "في نظركم، هل الله، سبحانه وتعالى، سيذكر في قرآنه الكريم نساءً ناقصاتِ عقلٍ، وآيات كثيرة تدعو الناسَ إلى تشغيل عقولهم لتدبُّر هذا القرآن"؟
فكيف للمرأة أن تُساهمَ في القيامِ بالأعمال الصالحة وعلماء وفقهاء الدين يُلحُّون على أن تبقى مسجونةً بين أربعة جدران ومحرومة من أبسط حقوقها؟
غير أن ما أراده ويريده علماء وفقهاء الدين مخالفٌ للواقع، بل متناقضٌ معه. اليوم، دور المرأة في المجتمعات واضحٌ للعيان. المرأة ولجت كثيرا من المهن، دون أن تستشيرَ علماء وفقهاء الدين. لأنه لا شيءَ في الدين يمنعها من ممارسة هذه المِهن. وكل الأعمال الصالحة، سواءً قام بها الرجالُ أو النساءُ، تدخل في خدمة الصالح العام.
فما على علماء وفقهاء الدين إلا أن يغيِّروا نظرتَهم للمرأة لتصبحَ أفكارُهم متناسقةً مع الواقع الذي يعيشون فيه. والواقع يصنعه عقلُ الإنسانُ. وعقل الإنسان يتطوَّر ولا يمكن أن يبقى جامدا طيلة قرون. والتاريخ يشهد أن العقلَ البشري تطوَّر تطوُّرا هائلا، في فترة لا تتعدَّى ثلاثةَ أو أربعةَ قرون.