د. أحمد الحطاب - ماذا تشير له عبارة "في سبيل الله" في آياتِ القرآن الكريم ماضياً، حاضراً ومستقبلاً؟

صحيح أن عبراةَ "في سبيل الله" وردت في آياتٍ كثيرةٍ من القرآن الكريم. لكن السؤال الذي يفرض نفسَه علينا، والذي هو عنوانُ هذه المقالة، يجعلنا نتساءل عن ما هو المقصود من هذه العبارة عندما نقرأ القرآنَ الكريمَ.

لكن، قبل الإجابة عن هذا السؤال، دعونا نحاول تعويضَ عبارة "في سبيل الله" بعبارات من اللغة العربية متقاربة معها من حيث المعنى. من بين هذه العبارات المتقاربة من حيث المعنى، أذكرُ مثلاً : "لوجهِ الله"، "من أجل الله"، "لإعلاء كلمة الله"...

لكن هناك سؤالٌ آخر تفرضه علينا العبارات الثلاثة السالِفة الذكر. والسؤال هو : "هل اللهُ، سبحانه وتعالى، الذي يقول عن نفسِه إنه "غنِيٌّ عن العالمين" و وحدانيتُه و وُجودُه مُستقلان عن الزمان والمكان، ويقول في الآية رقم 11 من سورة الشورى : "…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ…"، في حاجةٍ إلى تصرُّفات الناس ليُتبثَ وحدانيتَه و وُجودَه"؟
لا أبدا! اللهُ، سبحانه وتعالى، ليس في حاجة لتصرفات الناس ولا لأية تصرفات، سواءً كانت هذه التَّصرُّفات دينية أو دنيوية، مصداقا لقولِه، عزَّ وجلَّ : "وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" (العنكبوت، 6).

ولهذا، ما دام اللهُ، سبحانه وتعالى،"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" و"لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" وهو على كل شيءٍ قديرٌ، وما دام القرآن الكريم منزَّلا على آخر الأنبياء والرُّسل محمد (ص)، ومن خلاله، إلى جميع الناس، ما هو مفروضٌ علينا، نحن البشرُ، من إدراكه، هو أن تصرُّفاتِنا التي نقوم بها يوميا، الدينية منها والدنيوية، ليست، على الإطلاق، من أجل إتباث وحدانية الله و وُجوده، بل إرضاءً لما أراده الله، سبحانه وتعالى، من خيرٍ لعباده.

ولهذا، فحينما يقول، سبحانه وتعالى، "في سبيل الله"، فنحن البشرُ، علينا أن نفهمَ "في سبيل ما أراده اللهُ من خيرٍ لعباده". في هذه الحالة، نكون قد فصلنا بين وحدانية الله و وُجوده المستقلين عن الزمان والمكان، وبين تصرُّفاتِنا، نحن البشر، المُرتبطة بالزمان والمكان.

بعد هذا التَّوضيح الضروري لإدراك ما سأقولُه في الفقرات الموالية من هذه المقالة، دعونا نبحث من بين الآيات التي وردت فيها عبارةُ "في سبيل الله"، هل فعلاً هذه العبارة لها نفس المعنى ماضياً، حاضراً ومستقبلاً؟ وفي هذا الصدد، ستتركَّز مقالتي حول الآية رقم 218 من سورة البقرة، التي وردت فيها عبارةُ "في سبيل الله". وهذا نصُّها الكامل : "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ".

ما يُثيرُ الانتباهَ، في هذه الآية، هي عبارة "وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ". لماذا اخترتُ هذه العبارة دون الأجزاء الأخرى من نفس الآية؟ لأن الأجزاءَ الأخرى من الآية مفهومة، أي لا تحتاج إلى تفسيرٍ إضافي. بينما، في نظري الشخصي، عبارة "وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ" تحتاج إلى مزيدٍ من التوضيحٍ.

والتَّوضيح، هنا، سيدور حول مفهوم "الجهاد". ومفهوم "الجِهاد"، ككثيرٍ من المفاهيم، يتبع في مدلولِه، تطوُّرَ العقل البشري. والعقل البشري المعاصر يختلف، تمام الاختلاف، عن ما كان عليه العقل البشري، في عهد الرسول (ص) وبعد وفاته. وما أنتجه العقلُ البشري المعاصر من معارف في شتى المجالات كثيرٌ ولا حصر له. وإذا تمَّ تطبيق هذه المعارف على أرض الواقع، فإنها تُحدِثُ تغييراتٍ مُتفاوِتة الأهمية داخلَ المجتمعات.

والمجتمع الذي كان سائدا في عهد الرسول(ص) لا يمكن أن يتشابهَ، على الإطلاق، مع مجتمعاتنا الحالية التي تغيَّر فيها كلُّ شيء. ولهذا، فمدلولُ مفهوم "الجهاد" لا يمكن أن يبقى جامدا، كما أدركه الأولون في عصر الرسول (ص) والسنوات أو القرون بعد وفاته.
في عصر الرسول (ص)، كانت مهمَّةُ هذا الأخير ومَن آمن برسالتِه، الأولى والأخيرة، هي نشرُ الإسلام ولو اقتضى الأمرُ نشرُه باستعمالِ السِّلاح عندما تدعو الضرورةُ إلى ذلك، لكن طِبقا لأوامر الله، سبحانه وتعالى، ومصداقا لقولِه، عزَّ وجلَّ : "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" (البقرة، 244).

فلماذا قال، سبحانه وتعالى، "…وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"؟ قالها لأن اللهَ، جلَّت قدرتُه، يرى ويسمع ويعلم إن كان استعمالُ السلاح، فعلاً، من أجل نشرِ الإسلام أو هو فقط اعتداءٌ على الغير، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (البقرة، 190). والمقصود، في هذه الآية من القتال، هو القتالُ دفاعا عن النفس.
غير أن كثيراً من علماء وفقهاء الدين حصروا مفهومَ "الجهاد" في الحرب، أي نشر الدين الإسلامي بقوة السلاح، أبى مَن أبى وكره مَن كره. ولهذا، فإن مفهومَ "الجهاد" إذا كان، في عهد الرسول (ص) وعند الضرورة، مقترنا باستعمالِ قوة السلاح، ففي عصرنا الحاضر، من المُمكن أن يأخذَ مفهومُ "الجهاد" أبعادا أخرى غير استعمال قوة السلاح، أي أن يأخذَ أبعادا سلميةً.

وهنا، لا بدَّ من توضيح لا يقلُّ أهمِّيةً عن التَّوضيحات السابقة. وبتعلَّق الأمرُ بمَن سينشُر الإسلامَ. بالطبع، مَن سينشر الإسلامَ، هم المُسلِمون أنفسُهم. فكيف سينشرونه؟ سينشرونه بعدَّه طُرُق سلمية وراقية، أذكر من بينها :

أولا، بالتَّعريف بالإسلام، كما أراده وبيَّنه اللهُ، سبحانه وتعالى، في القرآن الكريم. أي الإسلام الوسط، المعتدِل والسَّمح l'islam du juste milieu, modéré et tolérant. وليس الإسلام القهري والمُتسلِّط والمُتطرِّف l'islam contraignant, imposé et extrémiste.ولا يخفى على أحدٍ، اليوم، أن الإسلامَ، في عصرنا الحاضر، بسبب التَّطرُّف الديني، أصبح عُرضةً للكثير من الأحكام المسبقة préjugés، وعلى رأسها اقترانُه بالإرهاب terrorisme.

ثانيا، أن تصبحَ البلدان الإسلامية قدوةً في كل شيء. قدوة في السياسة النبيلة، في الديمقراطية، في العدل، في الإنصاف، في المساواة، في الاستقامة، في النزاهة، في احترام حقوق الإنسان، في الإنتاج العلمي والتِّكنولوجي والصناعي… حينها، لن يحتاجَ المسلمون إلى نشر الإسلام بين الناس. بل الإسلام سينشر نفسَه بنفسه.

غير أن الواقعَ ينطق بوضع مغايرٍ، تماما، لذلك الذي أراده اللهُ، سبحانه وتعالى، للدين الإسلامي. لماذا؟

لأن كثيرا من علماء وفقهاء الدين، عوض أن ينهضوا بالدين فكرياً ومفاهيمياً، فضَّلوا أن يُجمِّدوه في الصورة التي أدركه بها الأولون، وخصوصا، أولئك الذين جاءوا بعد وفاة الرسول. ولهذا، فإن عبارة "في سبيل الله" لم تَحْظَ بما يكفي من الاهتمام الفكري. ولهذا، فنحن بشرُ العصر الحاضر، قراءتُنا للقرآن الكريم مخالِفة، حتماً، لقراءة الأولين. ولهذا، فإدراكُنا لعبارة "في سبيل الله" يجب أن تكونَ متجانسة مع إدراكنا للقرآن الكريم برمَّته. والقراءة المُتأنِّية والمُتدبَّرة لهذا القرآن تُفيد بأن محتواه فيه خيرٌ للبشرية جمعاء. ولهذا وحسب إدْراكِي الشخصي لآيات القرآن الكريم، وحسب ما أشرتُ إليه أعلاه، فإدراكُنا لعبارة "في سبيل الله" مُختَلفة عن تلك التي كانت سائدة في الماضي. انطلاقاً من هذه الاعتبارات، ما علينا أن نُدركَه، نحن البشر، هو أن هذه العبارة تعني : "في سبيل ما أراده اللهُ من خيرٍ لعباده".
ومَن يدري، ربما الأجيال القادمة ستُعطي لهذه العبارة معنى آخر يستجيب لظروف واقع عيشِهم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى