صباح بن حسونة - في قلبي عيناها و وطن ...لمنير صالح الجابري ( بين العشق و حب الوطن مسافة انفجار لغم )

مقدمة عامة:

هي رواية منير صالح الجابري الأولى بعد ثلاث إصدارات في القصة .."معزوفة لأصابع الماء".."حكايات غرقى" و " حكايات"..

و منير صالح الجابري القاص يصبح بهذا الإصدار الجديد روائيا فهنيئا له بهذه الصفة الجديدة في انتظار دعمها بإصدارات روائية أخرى ..

و صاحب في قلبي عيناها و وطن، عصامي التكوين حفر عميقا في الصخر ليسجل اسمه في قائمة كتاب تونس و أدبائها..جاءنا من سفوح جبل برقو الراسي بكل شموخ في عمق الشمال الغربي بولاية سليانة .منطقة تجمع بين جمال الطبيعة بغابات الصنوبر و البلوط و عبق التاريخ .. تاريخ سنجد صدى احدى معاركه في هذه الرواية..

هذه الرواية تؤرخ لحقبة بعيدة اربعينيات القرن الماضي عهد الاستعمار الفرنسي لتونس و ايام المقاومة الشعبية التونسية " الفلاقة" ..تجري احداثها في البداية على سطح السفينة ميري المتوجهة الى تونس ثم في قرية بالشمال الغربي .

عتبات الرواية :

الغلاف :

خلفية الغلاف يتداخل فيها اللونان الأسود و الرمادي و تمتلئ واجهتُه بصورة مقربة لوجه امرأة لا نرى منه الا احدى عينيها السوداوين،و رسمة لقلبين أحمرين يحمل أحدهما علم تونس ..

و هذا يحيلنا مباشرة الى عنوان الرواية: في قلبي عيناها ووطن ..عنوان تعانق فيه اللونان الأحمر و الأبيض و تمازجا ليضيفا للغلاف اشراقة جميلة تليق بالعنوان و تهيؤنا لمتن الكتاب..

العنوان : في قلبي عيناها و وطن :

عنوان يحتوي ثلاثة أسماء يجمع بينهما حرف جر و حرف عطف..قلبي /عيناها/ وطن..ان أردنا تصنيف الأسماء يمكننا أن نضع القلب و العينين معا كأهم أجزاء من جسم الإنسان ، هذا صحيا و علميا أما عاطفيا و نفسيا فهذان العضوان يتفاعلان ليصنعا معا كيمياء الحب . فالعين هي بوابة القلب و باب النفس الشارع كما قال ابن حزم الأندلسي ..

يقول ايليا أبو ماضي :

ليت الذي خلق العيونَ السودا.......خلق القلوب الخافقات حديدا

لولا نواعسِها و لولا سحرِها ........... ما ودّ مالكُ قلبِه لو صيدا

اما الاسم الثالث الذي ورد في العنوان فهو : الوطن وهو حسب أحد التعريفات "مفهوم فلسفي عميق يبدأ من الإنسان و ينتهي بالمكان" فالوطن ليس أرضا نسكنها أو هواء نستنشقه فقط ،الوطن سكن لنا و أمان..الوطن يسكننا ، هو مقيم في قلوبنا هو تلك العاطفة التي تعشش في أرواحنا و ذلك الرابط الذي يوحدنا و يسكن قلوبنا فيعطي لحياتنا المعنى .. و ها هو وطن الجابري يتربع في قلبه الى جانب عينيها ..

اذا نحن أمام عنوان رومانسي شاعري واعدٍ بمتن جميل قد يحرك أوتار قلوبنا و يثير دماء الوطنية و نخوتها فينا ..

الرواية :

رواية جاءت في 99 صفحة و ثلاث فصول الفصل الاول: على سطح ميري ( النظرة الاولى) ، الفصل الثاني : العودة :ضللت الطريق الى نفسي ، و الفصل الثالث وهو أقصرهم : كسرتني و رممتني..

اذا هي رواية قصيرة ملخصها هو الاتي :

تبدأ الأحداث على سطح السفينة الفرنسية ميري المحملة ببضائع مختلفة من نبيذ و لحوم مجففة و مواد غذائية يراد ايصالها بمناسبة رأس السنة الى المعمرين الفرنسيين بتونس ( نفهم اننا في أربعينات القرن الماضي ايام الاستعمار الفرنسي لتونس)

منذ البداية يضعنا الكاتب بين عالمين متناقضين و مكانين مختلفين عالم الأثرياء الذين يغدقون على أنفسهم من نعم الحياة و يمتلكون أحلاما قادرين على تحقيقها و يرفلون في العز و السعادة ( نموذج سوزان زوجة القبطان الجميلة تحقق امنيتها بالاحتفال بعيد ميلادها على سطح السفينة و ما رافق ذلك من احتفال و بذخ ..يقول في الصفحة " حرصت على الاقتراب منها كي تشم عطرها الفاخر /ارتدت اجمل ملابسها /محط انظار الجميع /شباب مفعم بالحيوية..) لنجد في المقابل عالما آخرا يستوطن قاع السفينة ميري مع البضائع .. عالم المهمشين ضياع و فقر و مرض و جوع ( المجندين العائدين الى بلادهم بعد أن استهلكتهم الحرب و أكلت شبابهم صحتهم و أمانيهم نموذج المجند السينيغالي : يقول الراوي في الصفحة :خطوط جبهته شديدة التقارب شفاه غليظة منتفخة في الخمسين من العمر بجانبه عصا خشبية يتكئ عليها /يعاني من مرض مت/يتنفس بصغوبة/بدا لها مرهقا متعبا منهكا خائر القوى يعاني من كرب شديد و الم دفين..)..

بين عالم السطح و القاع فوارق جمة فوارق طبقية و انسانية و لكنها لصالح قاطني قاع السفينة فيجعلنا الكاتب نكتشف مع كريستينا ان تلك السعادة كاذبة و مزيفة و ان ذلك العالم رغم بريقه مبني على الخيانة و الغدر ( علاقة سوزان بنائب القبطان و خيانتها لزوجها على سطح السفينة)

و ان عالم القاع رغم تهميشه فان العلاقات فيه مبنية على الوفاء و عدم نكران الجميل ( علاقة مبروك بالسينيغالي الذي انقذ حياته)..

الشاب التونسي مبروك الشخصية الرئيسية في الرواية من ضمن سكان القاع يركب وصديقه الافريقي السفينة خلسة ليعودا من حرب أخذا اليها عنوة نتيجة مكيدة فرقته عن أهله و زوجته العروس و بعد أن عاش أهوال حرب لا تمت إليه بصلة ..يتعرف أثناء الرحلة على الطباخة كريستينا التي ساعدته على التخفي و اشتعلت بينهما شرارة الحب الأولى على وقع ذكرياته قبل توريطه في هذه الحرب ..يتحدث الكاتب عن تجنيد التونسيين لصالح فرنسا و ارسالهم مع الجيش الفرنسي للحرب ضد قوات المحور..و هذا معطى تاريخي صحيح اذ تم ابان الحربين العالميتين توظيف العديد من التونسيين داخل الجيش الفرنسي و شاركوا في العديد من المعارك بالاراضي الفرنسية ..و منهم مبروك و هو مطرب شعبي كاد له عمدة قريته و ارسله بعد اسبوع من زواجه الى هذه الحرب قسرا ..و قد فعل هذا كنوع من العقاب لمبروك لانه على علاقة بفتاة يريدها هو لنفسه.

عندما يصل مبروك الى تونس ينفصل عن كريستينا و عن صديقه السينيغالي المريض و يعود الى قريته في الشمال الغربي قرية فلاحية فقيرة ترزح تحت عبء الاستعمار و قهر العمدة و مؤامراته التي لا تنتهي ضد الاهالي..سرعان ما شعر مبروك بالغربة في قريته التي صارت خرابا اذ لم يجد اهله فامه ماتت و لا احد يعلم شيئا عن زوجته..فشله في العثور على زوجته و ابنه بعد ان علم ان له ابنا منها قاده في البداية الى الياس و الوحدة ثم الى التمرد و الالتحاق بالفلاقة للنضال معهم ضد الاستعمار ..في نفس ذلك اليوم يسمع حديثا عن امراةمناضلة تساند الفلاقة و تعرض نفسها و ابنها لخطر الالغام المزروعة في الطرق لتاتي اليهم بالمؤونة ..ينفجر لغم اثناء الحديث و تموت تلك المراة و تبتر ساق ابنها ليكتشف مبروك انها ليست إلا زوجته و ابنه.. في المستوصف حيث يحاولون انقاذ الابن يلتقي مرة أخرى بكريستينا التي تبرأت مما تفعله بلادها فرنسا في التونسيين من تقتيل و تشريد و استعمار و تعرض على مبروك العيش معه و النضال معا ضد بلادها و ظلمها ..تنتهي الرواية ومبروك لا يعرف أي قرار يتخذ..يقول الراوي في نهاية الرواية :"لم يقل شيئا و لكنه أراد أن يسكتها فالمكان ليس مناسبا لاتخاذ القرارات .فقط ظل ينظر الى ابنه منتظرا كلمة القدر تارة و طورا ينظر من نافذة المستشفى ربما تلهمه السماء فيهتدي الى الخيار الأصوب"

نهاية مفتوحة تركها لنا الجابري نجريها حيثما قادنا موقفنا من كريستينا ..هذه الفتاة بما تمثله من رمز لبلادها فرنسا التي استعمرت أرضنا و قتلت زوجة مبروك و بترت ساق ابنه، أو بما تمثله من رمز للحب ،الحب بمعناه الوسيع الذي يكسر الحدود و القيود و لا يقيم وزنا للنواميس و لا يخضع الا للانساني فينا..

و لكن و رغم هذه النهاية التي تبدو للوهلة الأولى مفتوحة روادني شعور بأن الكاتب و من ورائه الشخصية البطلة مبروك يميل أكثر الى كريستينا و الى الانتصار للحب فعنوان الفصل النهائي وسمه ب" كسرتني و رمّمتني " فمن هي التي رمّمته ؟ يبدو واضحا أنّه يقصد كريستينا تلك الفرنسية الحسناء و ان جاءت صورة الغلاف مغايرة لهذا المعنى حتى أن تلك العينين السوداوين لا يمكن ان تكونا الا لسمراء تونسية ، أقصد زوجته، التي باستشهادها صارت رمزا للمرأة التونسية المناضلة التي آمنت بالحرية و قضت من أجلها .. أبكاه استشهادها و جعله يشعر انه لا شيء بعدها يقول في الصفحة 83"امسك بصدره بقلبه براسه ثم بكلتا يديه امسك بذاكرته يتحسس معالمها يبحث فيها عن شيء ما احس بالم شيد عقد لسانه اراد ان يقول انها هي انها زوجته الت بحث عنها طويلا طويلا حتى نال منه اليأس "..و في صفحة 92 فيقول محدثا كريستينا " اما انا فاصبحت مفرغا من كل شيء ..لا قيمة لي" و هنا سأطرح سؤالا على الكاتب أرجو أن يجيبني عليه بعد أن أنهي مداخلتي : من هي حبيبة مبروك في الرواية هل هي زوجته التي لم يعش معها إلا أسبوع واحد أم كريستينا التي عشقها ذات سفرة على سطح سفينة ميري ؟

تقنيات السرد في الرواية :

جاء السرد في رواية الجابري سلسا يتنقل فيه الراوي بين الاحداث بسهولة و رشاقة ..هو سرد على لسان الغائب ..هناك راوي عليم يقود الأحداث و يدخل بنا في اعماق كل شخصيات الرواية و الامكنة فتنوعت الاساليب و استعمل تقنيات متعددة كالحوار الخارجي فالراوي يصاحب سرديا الشخصيات عند نقله للحوارات بينهم و قدم لنا عن طريقه الكثير من الاضافات و الانارات التاريخية ففهمنا مثلا سبب تواجد مبروك على سطح السفينة ميري و سبب مشاركته في الحرب ( حواره مع كريستينا في قاع السفينة وهو يحدثها عن ماضيه و علاقته بحبيبته التي افسدها العمدة و كيف عاقبه و ارسل به محاربا مع الجيش الفرنسي ) ( حواره مع ابراهيم و مع زوجة بلقاسم و عرفنا منه و هو ما قاده الىالالتحاق بالفلاقة و الانخراط في المقاومة الشعبية ) ( الحوار مع العم بلقاسم و منه عرفنا ما حدث لوالدته و لزوجته ) ..تقنية الاسترجاع ( عاد بنا الكاتب مع كريستينا بالذاكرة و هي تسترجع واقعة الخيانة التي تعرضت لها من حبيبها و كيف افقدتها ثقتها بالحب و المحبين)

تقنية الوصف : وظف الجابري تقنية الوصف لاضفاء الشاعرية على نصه فأثرى الشخصيات و جملها و وصف أيضا الأمكنة ..قاع السفينة ميري و قريته في الشمال الغربي ..

خاتمة :


رواية تضع منير صالح الجابري على اول طريق الابداع الروائي و هي جديرة بالقراءة و التشجيع ..تمنيت كثيرا لو انه توسع فيها اكثر لان الاحداث كانت تسمح بذلك ولكن يبدو ان شخصية الكاتب المتمرسة بالقص مازالت تحرك قلمه نحو الاختزال اكثر من التوسع الذي تتطلبه الرواية ..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى