خالد جهاد - ما بعد الصدمة

من المهم بل والضروري أن يصغي كل منا إلى صوت روحه.. صوته الداخلي.. حتى ولو اضطر أن يبتعد عن الكثير من الأصوات في هذه الحياة ليستطيع أن يميز صوته الخاص دون تشويشٍ يعرقل هذا التواصل الهام مع الذات كونه يترتب عليه ما سيأتي من مراحل تختلف باختلاف شخصياتنا وظروف كلٍ منها.. ومن المشكلات التي يعاني منها الكثيرون دون ادراكٍ لحقيقتها هي مشكلة (اضطراب ما بعد الصدمة)..

والتي تنتج عن التعرض لأحداث عنيفة أو مخيفة أو مؤلمة أو مرهقة للغاية يتولد عنها رغبة في العزلة وحالات من التهيج والشعور بالذنب، والتي قد لا تتوقف عند هذا الحد لتشمل مشاكل متعلقة بالنوم مثل الأرق أو عدم القدرة على مواصلته بشكل منتظم ولفترات كافية، كما يجد أصحابها صعوبةً في التركيز والتواصل مع محيطهم كالمعتاد.. وغالبًا ما تكون هذه الأعراض شديدة ومستمرة إلى الدرجة التي تقوم فيها بتأثيرٍ كبير على حياة الشخص اليومية..

فحالات مثل التعرض لحوادث الطرق الخطيرة
أو الإعتداءات الشخصية العنيفة مثل التحرش والإعتداء الجنسي أو السرقة بالإكراه، أو الإصابة بمشاكل صحية خطيرة قد تشكل تهديداً مباشراً كالتشخيص بمرض السرطان والألم الجسدي والنفسي الناتج عنه، بالإضافة إلى تجارب قاسية في مناطق الحروب مثل فلسطين والسودان وسوريا ولبنان والعراق ودول عديدة حول العالم مثل راواندا وأفغانستان كلها تخلق نوعاً من الصدمات التي تكون على الأغلب أكبر من مقدرة النفس البشرية على الإحتمال وأكبر من استيعاب العقل، مما يترجم إلى مجموعة من ردات الفعل والإضطرابات التي تعيق ضحاياها،
وغالبًا ما يستعيد الشخص المصاب باضطراب ما بعد الصدمة الحدث الصادم من خلال الكوابيس وذكريات الماضي بالإضافة للأفكار التي لا يمكن السيطرة عليها بخصوص الحدث..

وقد يبدأ ظهور أعراض هذا الإضطراب لما بعد الصدمة خلال شهر واحد من وقوع الحدث الذي سبب صدمة نفسية، لكن أحيانًا قد لا تظهر الأعراض إلا بعد أعوام من وقوعه، وتسبب هذه الأعراض مشكلات كبيرة في المواقف الإجتماعية أو مواقف العمل وفي العلاقات الشخصية ويمكن أن تتعارض أيضًا مع القدرة على أداء المهام اليومية العادية..

كما تندرج أعراض الإضطراب عمومًا تحت أربعة أنواع وهي: أولاً.. الذكريات المُلحّة والتي قد يستعيد معها الشخص الأحداث التي مر بها وكأنها وقعت للتو بشكل متكرر، وثانياً.. التجنُّب.. حيث يبتعد المتألم عن كل ما قد يذكره بالمشكلة أو الظرف الذي تعرض له وارتبط في أعماقه بها سواءاً كان ذلك الشيء مكاناً معيناً أو تجنب نشاطات أو حتى أشخاص يثيرون مشاعر القلق بداخله سواءاً بدا ذلك منطقياً للآخرين أم لا، وثالثاً.. التغيرات السلبية في التفكير والمزاج وتتلخص في نظرة الشخص لنفسه ومحيطه ومستقبله وتقلب عواطفه وصولاً إلى حالة من اليأس أو التبلد، ورابعاً.. التغيرات في ردود الفعل الجسدية والعاطفية.. حيث تختلف الأعراض بمرور الوقت من شخص إلى آخر وتشمل حالة من القلق المفرط الذي قد ينتج عنه حذر شديد ولوم للذات وصعوبة التركيز وأحياناً محاولات لإيذاء النفس أو الهروب كإدمان المخدرات أو الكحول..

وبالطبع فإن الأحداث المتوالية في منطقتنا بشكل خاص تتطلب منا حالة من الوعي بما ينتج عنها على مختلف الأصعدة، فقد نكون نحن أو أحد الأقرباء أو الأصدقاء أحد المتأثرين بها وهذا أمر طبيعي جدا ينبغي أن نهتم به من خلال المعرفة والدعم النفسي والروحي والعاطفي والإحتواء للتخفيف من وقعه قبل اللجوء إلى أصحاب الإختصاص وبالتوازي معه للتغلب على هذه المشكلة التي تتطلب صبراً وجهداً ووقتاً كافياً لإجتياز الصدمة، والذي يشمل أيضًا الكثير من المتابعين لما يحدث في بلادنا خاصةً عندما يكون هناك حالة حقيقية وارتباط وجداني متين بين القضايا ومتابعيها..

#خالد_جهاد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى