علجية عيش - الباحث الدكتور حكيم أعراب: الثَّوْرةُ ليست قصصٌ تُرْوَى بل سُلُوكٌ يُمَارَس

في حوار معه بمناسبة اليوم الوطني للشهيد 18 فبراير 2025
حكيم أعراب :الإحتفال باليوم الوطني للشهيد انحرف عن مساره الثوري


الثورة، المجاهد ، الشهيد، الإستقلال، الأسرة الثورية، المأساة الوطنية و المصالحة لوطنية، مفاهيم التصقت بالذاكرة الجماعية للشعب الجزائري و هو ينتقل من مرحلة إلى أخرى، كان للباحثين و المهتمين بتاريخ الثورة الجزائرية إلا أن يوثقوا للأحداث بشهاداتهم و مواقفهم، و هي مواقف لا يعبر عنها إلا الرجال، الجرح عميق و لم يندمل بعد، رغم مرور ثلاثة و ستون سنة (63) من استقلال الجزائر، لأن هناك حقائق لم يتم الكشف عنها بعد و ملفات لم تتم تسويتها، لأن أرشيف الثورة الجزائرية بيد فرنسا، التقينا بالدكتور حكيم أعراب بمناسبة اليوم الوطني للشهيد، فكانت لنا معه هذه الدردشة القصيرة، لاسيما و أن هذا اليوم الرمزي هو بحاجة إلى إعادة مناقشته و إثراء و تفعيله، لأن إحياء ذكرى وطنية لا تقف عند زيارة مقبرة الشهداء و وضع أكاليل من الزهور و قراءة الفاتحة، ثم ينصرف كل واحد إلى حال سبيله و موعدنا السنة المقبلة، حول قانون المجاهد و الشهيد يقول الدكتور حكيم أعراب أن هذا القانون أفرغ من محتواه ولم يعد يستجيب لانشغالات الأسرة الثورية في معظم مواده و هو في حاجة إلى مراجعة و إثراء من طرف الخبراء و الحقوقيين

479687383_1157279018649674_1296159895415575513_n.jpg

يريد القارئ أن يعرف من هو الدكتور حكيم أعراب؟

الدكتور حكيم اعراب أستاذ محاضر في جامعة باتنة-01 تخصص علم الاجتماع ، قبل الالتحاق بالجامعة كأستاذ عملتُ في المؤسسات الاقتصادية وتوليت مهام إدارية عبر مساري المهني من رئيس مصلحة الى مدير مركزي للموارد البشرية ثم مدير التسويق ، مارست مهام نقابية و حزبية أيام الحزب الواحد على المستوى القاعدي كمكلف بالتنظيم في الاتحاد الاقليمي وعضو المجلس الولائي لنقابة العمال، توليت مهام منسق قسمة حزب جبهة تحرير الوطني ، أحد المؤسسين الأوائل للمنظمة الوطنية لأبناء الشهداء مع ثلة من الرفاق منهم من رحل إلى دار البقاء ومنهم من لازال على قيد الحياة ، عضو سابق بالمجلس الشعبي البلدي بباتنة عهدة 97-2002 ، أما في الجامعة كانت مهامي متعددة بين التدريس و الإدارة و البيداغوجية كنائب رئيس القسم، ثم رئيس القسم إلى نائب عميد مكلف بالبيداغوجيا.

كيف يري الدكتور حكيم أعراب اليوم الوطني للشهيد في ظل الانقسامية التي تعيشها الأسرة الثورية؟

بالنسبة لليوم الوطني للشهيد المصادف للثامن عشر فبراير من كل سنة ، مثله مثل أغلب المناسبات التاريخية، لم تعد كما كانت في السابق والأسباب متعددة منها شبه استقالة جماعية من مختلف منظمات الاسرة الثورية والتي كانت فيما مضى منظمات تعبئة وتجنيد لإحياء مثل هذه المناسبات ببرامج متنوعة اليوم للأسف منظمة المجاهدين معذورة أدت ما عليها في مجال إحياء الأعياد الوطنية واليوم القلة القليلة الباقية منهم هي المحتاجة للاهتمام والرعاية مثلهم مثل أرامل الشهداء، أما منظمة أبناء المجاهدين في الحقيقة لست مؤهل أن أعطي صورة عليها كيف هي من الداخل ، لكن يبدو لي ما ينطبق على أبناء الشهداء ينطبق أيضا على أبناء المجاهدين، بالنسبة لأبناء الشهداء لا يوجد تنظيم عرف انقسامات وصراعات مثلما عرفها أبناء الشهداء وأعتقد توجد أسباب عديدة منها ما هو موضوعي ومنها ما هو مفتعل وهذا الصراع تسبب في عزوف أبناء الشهداء عن الانخراط والنضال كما كان في بداية تأسيس المنظمة ، يوم تم الإعلان عن اعتبار 18 فيفري كيوم وطني للشهيد بمناسبة انعقاد الندوة التأسيسية في 18 فيفري 1989 اختلطت الزغاريد بدموع الفرح داخل القاعة وكأن في تلك اللحظة عاد الشهداء ، و هذا موثق في الصحف الوطنية (جريدتي الشعب والمساء الصادرتان يوم 19 فيفري 1989 ) وكيف كانت الفرحة عند إعلان ذلك اليوم كيوم وطني للشهيد، لكن بعد الندوة التأسيسية ظهرت خلافات وصراعات أدت إلى ظهور تنظيمات أخرى مما أدى إلى الانحراف عن الهدف الأساسي الذي تكونت من أجله المنظمة والمتمثل أساسا في صيانة رسالة الشهيد اليوم للأسف ضعف مطلق وغياب كلي عن القيام بالمهمة ممن تصدروا المشهد.

الثورة الجزائرية أعطت للعالم درسا لا ينسي، ما هو دور النخبة في تلقين الأجيال هذه التجربة؟

أهم درس يجب أن يلقن للأجيال هو ألا نتغنى بالثورة وسلوكياتنا تتنافى مع قيم الثورة يجب أن نكون قدوات في سيرتنا أولا أمام الأجيال ثم تأتي التفاصيل، الثورة ليست قصص تروى بل سلوك يمارس، ماذا نقول لحفيد الشهيد الذي عاش وهو يعلم أن والده مات وهو لا يملك حساب في الضمان الاجتماعي ، لأنه لم يحظ في حياته بمنصب عمل وكيف نقنعه وهو يعلم أن جدته أرملة الشهيد ماتت بدون أن تحظى بمسكن، كيف نقنع حفيد مجاهد وهو يعرف كيف عاش جده التهميش، والغريب إلى يومنا هذا، لا زلنا نعيش ممارسات غريبة اتجاه هذه الفئة، هل يعقل أن تبقى منح رامل الشهداء مع قلتهن وذوي حقوق الشهيد دون مراجعة منذ 2008؟

هل تكفي جمع شهادات ما تبقي من المجاهدين في ظل استمرار فرنسا طمس جرائمها في الجزائر؟

تطمس فرنسا ما تريد من جرائم وانا لست ممن يستعجل إرجاع الأرشيف والاعتذار و ما إلى ذلك وكل الجرائم، نحن من يعرفها وليست فرنسا، يكفي أنها احتلتنا 132 سنة وكل دقيقة مر على وجودها هنا يعد جريمة مارست فيها كل أنواع الجرائم وبأي جريمة أطالبها أن تعترف؟ ، جرائم القتل والابادة الجماعية وتدمير القرى وتهجير وتجهيل وتجويع ونهب ونفي و ..و.. نحن من يجب أن يكتب، نحن من يجب أن يروي، ونحن من يجب أن يترجم ذلك كله في أفلام و مسلسلات ، لأننا نحن من يعرف معنى المعاناة وبذلك نصل الى نقل الرسالةإلى الأجيال بشكل موثق ومنظم ولا ننتظر من أخبث احتلال أن يعطينا وثائق تدينه وتشنع أفعاله الوحشية في حق شعب كان في يوم ما صاحب فضل عليه بقمحه الذهبي الذي اتخمه كما يقول شاعرنا المجاهد مفدي زكريا ،فبدل أن يقر بالجميل جاء يحتله في أبشع صور الاحتلال وأسوأ صور نكران للجميل.

تصر فرنسا علي عدم تسليم الأرشيف الوطني للجزائر، لكن هناك تماطل من السلطات الجزائرية ومن يتحكمون في زمام الأمر في الضغط على فرنسا لتسليمها الأرشيف، في رأيكم ماهي الأسباب والدوافع؟

جلب الأرشيف له درجات يوجد أرشيف مسموح الاطلاع عليه وباحثينا الان فيهم من أطلع على بعض الوثائق و هذا النوع من الأرشيف لا أعتقد فرنسا تمانع في تسليمه لأنه لا يشكل أي خطر أو حساسية و يوجد أرشيف، فرنسا تتحفظ على تسليمه من ناحيتين : الأولى لتفادي إدانتها لاسيما القتل العشوائي والاغتيالات التي لم تخضع لأيّ محاكمة الخ.. والثاني للحفاظ على من كان يخدمها ومازال يعيش بيننا وربما الدولة من الحكمة وتفادي إثارة الفتنة ، سايرت رغبة فرنسا في عدم تسليمه، لكن أعتقد الان التوجه يختلف وتطهير مؤسسات الدولة أمر حتمي كما لا ننفي الخوف من اتلافه لاسيما مع غياب الوسائل التقنية الضرورية للمحافظة عليه.


كباحث ومهتم بالتاريخ و الحركة الوطنية ألا تلاحظون أن هناك إجحاف في حق الشهداء، فكلما مرت مناسبة إلا ويذكر اسماء معدودة من الشهداء وهم القادة فقط؟
476735951_1565364514176321_7137985389836828996_n.jpg

صحيح نسمع من حين لأخر مثل هذا التساؤل لكن يبدو لي التاريخ في غالبه يسجل دوما باسم القادة مع أن النصر في معركة ما ، ربما كان السبب فيه مجاهد مجهول، وهذا لا يعني الاحتفال بقائد منطقة أو قائد ولاية أو قائد معركة نكران لبقية الشهداء وانما الامر يعود الى من يكتب المداخلة اما لجهله بالأسماء أو لغياب قائمة الشهداء الذين سقطوا في تلك المعركة، وهذا للأسف يعود لعدم كتابة الشهادات في أيام الاستقلال الأولى مما غيب ذكر الأسماء او تفاصيل معركة ما بسبب النسيان نتيجة طول المدة.

مصطلح "الجزائر الجديدة" يشوبه الكثير من الغموض يريد البعض طمس الحقائق لما وقع في العشرية السوداء خاصة وأن هناك من هم محسوبين على الأسرة الثورية هم داخل المعتقلات إلى اليوم دون محاكمة فكيف يمكن المحافظة على رمزية الثورة ورفع المظالم في ظل ما يحدث في الساحة؟ إذا قلنا أن هؤلاء يمثلون كوادر الدولة؟

مصطلح "الجزائر الجديدة" مصطلح جميل في معناه، بمعنى الجزائر التي تتخلى عن الممارسات القديمة التي أساءت لسمعة الجزائر وهذا الذي يتمناه كل غيور على وطنه، الجزائر التي تسود فيها العدالة و تحارب فيها الجهوية، أما بالنسبة لملفات العشرية السوداء اعتقد أنه تم الفصل فيها أيام الرئيس الراحل في إطار ما يعرف بالمصالحة الوطنية، ومن ذكرتي أنهم في المعتقلات صراحة أجهل إن كان هناك من لازال في المعتقل ولم يحاكم أو يطلق صراحه، حسب علمي تم غلقها نهائيا وتمت محاكمة الجميع ، فمنهم من استوفى عقوبته ومنهم من لازال في السجون وليس في المعتقلات وهذا راجع ربما للتهم الموجهة لهم.

يلاحظ أن الكتابة عن تاريخ الثورة الجزائرية وما ارتكب من أخطاء وتصفيات جسدية فيه إجحاف كبير بل تعتيم للحقيقة، لأن الجامعة الجزائرية توجه لهم تعليمات بعدم التطرق لمثل هذه القضايا؟

في مرحلة ما كان تحفظ على ذكر تفاصيل الاغتيالات واختلاف الرفاق في الجبهة، لكن يبدو لي الان أصبح كل شيء منشور عبر مذكرات المجاهدين او من خلال الندوات المسجلة عبر وسائل التواصل المتعددة، وطالب العلم المهتم يملك من الوسائل التي توصله للحقيقة.

قانون المجاهد و الشهيد أسال الكثير من الحبر لكنها لا يزال محمد، في رأيكم ماهي الأسباب الحقيقية؟

قانون المجاهد و الشهيد صدر و تمت المصادقة عليه في زمن الرئيس اليمين زروال، في 1999و تأخر تطبيقه لما جاء الرئيس عبد العزيز بو تفليقة الى غاية 2008 ، خاصة ما تعلق بالمنح، وكانت حجة الوزارة أنه لا يوجد غلاف مالي يغطي هذه المنحة ومن القوانين التي أساءت لوزير المجاهدين بسبب انه لم يطبق القانون بأثر رجعي، أي من تاريخ صدوره في الجريدة الرسمية وبدأ في تطبيقه من تاريخ 2008 والغريب أن هذه المنح لم تعرف أي مراجعة منذ تاريخ 2008 ، في الوقت الذي عرفت فيه جميع المنح والاجور مراجعة وزيادة عدة مرات، أما الادعاء بوجود الخلاف بين أبناء المجاهدين وأبناء الشهداء بشأن تطبيق القانون الهدف منه تسميم الجو و إبعاد الفئتين عن بعضها، أما القانون فقد أفرغ من محتواه ولم يعد يستجيب لانشغالات الأسرة الثورية في معظم مواده وفي حاجة إلى مراجعة .

ماهي رسالتكم للشباب في هذه المناسبة؟

رسالتي للشباب أن يعلم أن فرنسا دخلت للجزائر و احتلت بلدنا 132 سنة ، عانى فيها الأجداد معاناة لا توصف والسبب الأول في تمكن الاحتلال من دخول وطننا هو تخلفنا وغياب قيادة وطنية توحد الشعب تحت راية واحدة مما أدى الى إخماد كل الثورات والمقاومات لأنها ببساطة لم تكن موحدة بل كانت مناطقية وبعد أن انتشر الوعي السياسي بفضل الحركات السياسية والاصلاحية والنقابية اتحدت الجهود الوطنية وتم الإعلان عن الثورة تحت راية واحدة وكلمة واحدة ،كانت الكلمة في الأخير النصر المبين للشعب الجزائري رغم القوة التي كان يملكها الاحتلال الفرنسي و أقول للشباب أنّ قوتنا في وحدتنا أولا و بالعلم ثانيا وبالإخلاص في العمل ثالثا.
(رحم الله الشهداء وحفظ الجزائر من كل كيد).
حاورته علجية عيش الجزائر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى