إبراهيم محمود - استلهامات الذقن وحلاقتها "مجرد حالة"

لعله عنوان غريب، وربما يكون غريباً بالفعل، أو هكذا يبدو لي العنوان في الكثير منه. سوى أنه، ومن وجهة نظري هنا تحديداً. من الصعب، إن لم يكن مستحيلاً، النظر إلى الذقن" بالنسبة إلى الرجل " أو حلاقتها عبر المرآة، سوى كان هو نفسه الحلاق، أو غيره في تشذيب لحيته أو حلاقة ذقنه، دون الدخول النفسي في وضعية استهواء، أو استرسال مع خيالات، أو تداعيات، أو استلهاماتأيضاً، على صلة مباشرة بالوجه الملتحي أو الذقن الحليقة.

ثمة وقت يؤخَذ في الحسبان، يتراوح في تقديري، ولا أظنه شخصياً محضاً، وكوني أنتمي إلى صنف الرجال" الذكور، قصدي"، وأحلق ذقني، بين دقائق معدودات، بالنسبة لمن يمرر شفرة الحلاقة على " شعر " وجهه لمرة واحدة، ومن يرغي وجهه كثيراً، أي يمرر الشفرة هذه لأكثر من مرة، وأضعاف الحالة الأولى، ربما ربع أو نصف ساعة أو أكثر أحياناً، كما لاحظت ذلك وبالعين المجردة، خارج نطاق " الحلاق " المهني طبعاً. ثمة أكثر من إمكانية النظر في هذه المدة الزمنية الخاصة بحلاقة الذقن أو تشذيب اللحية كذلك، وبوجود المرآة طبعاً.

الوجه حامل هوية المرء، لكنه الناطق الرسمي للكثير من الحالات التي تعرّف به نفسياً، جهة قراءة العلامات، ورهان المرء هذا عليه، وهو يتابع تحولاته بين الحين والآخر، مع تقدمه في العمر. إنه بالطريقة هذه الكشاف الذي يعرّي في حامله ما لا يمكنه تغطيته، وعبر ذقنه أو لحيته، حيث العمر لا يكف عن بث مؤثراته، مع تغير في لون اللحية وطريقة نموها .

لا بد من التفريق بين شخص وآخر، على صعيد المكانة الاجتماعية، والثقافية والعمر المرافق. ربما كان الإنسان العادي، هو الأكثر بُعداً عن معاينة وجهه، ومن خلاله نفسه، أو معايشة نفسه من خلال النظر في وجهه وهو يحلقه أو يشذب ذقنه أحياناً، انطلاقاً من وضعه الاجتماعي، وطريقة تفكيره الغاية في البساطة: إيمانه بشيء وحيد أوحد، أنه محكوم بقدرة إلهية لا راد لها، وعلى هذا يكون اعتقاده وقناعته، فيعيش حياته كآلاف مؤلفة غيره.

إن المرتبة الاجتماعية، وتلك الحمولة الثقافية، إلى جانب الحالة المادية طبعاً، تلعب دورها في المتابعة اليومية للذين يريدون أن يقدموا أفضل صورة وأكثرها مثالية عن أنفسهم وجهياً.

ذلك ما يمكن متابعته كذلك في وجوه الذين نلتقي بهم، أو نراهم في مكاتبهم الرسمية أو الخاصة، والذين يعاشرونهم، وذلك ما يسهل تقديره، بمعيار آخر، بالنسبة إلى أولئك الذين يعرَفون بمراكز أو مناصبة لها حساسيتها وطابعها الرمزي في المجتمع، وعلى أعلى مستوى سلطوياً هنا .

المرآة تمارس دورها الذي لا يُقاوَم، إنها لا تنقل صورة للوجه، أي للحية أو الذقن، إلا كما هو معدنها، كما هو القانون الفيزيائي في الطبيعي تماماً، وهنا يكون مبعث الخوف والرهبة معاً.

لكم فكرت في مشهد كهذا، مشهد تشذيب اللحية عند الحلاق، أو الحلاق الخاص لهذا المسئول أو ذاك، أو حلاقة الذقن الأكثر خطورة وإثارة للتداعيات، حيث الوجه لا يعود مجرد وجه، ومن خلال المرآة التي لا بد أن الشخص: عادياً، أو في موقع مسئولية ما، يواجَه بصورته مرآتياً.

إن أياً منا، حين يحلق ذقنه، يسترسل مع أفكار ربما تكون امتداداً لما كان يعيشه نفسياً قبل المباشرة بالحلاقة، أو تكون جديدة، وتكون مؤثرة في الحالة النفسية، أو متأثرة بمشهد الحلاقة.

إذا كان لي أن أختصر وأمارس تفريقاً في أكثر المشاهد تبايناً وأكثرها وقْعاً في النفس، ومبعثاً لتصورات وتقديرات خاصة،فذلك يمكن من خلال من يعيشون عالماً نفسياً يتوقف عليهم، بالنسبة للكتاب، الفنانين، العلماء وغيرهم من أهل العلم والفن والمعرفة، حيث إنهم يعيشون أفكاراً تعنيهم في صُلب عملهم، ولعلهم يصادقون وجوههم، أو يعايشونها دون تلك الحساسية التي نتلمسها عند آخرين، حيث يعتبرون الوجه محكاً لعلاقات وتأكيد قيمة نفسية أكثر من غيرها.

ثمة من يخشون على أنفسهم، على مواقعهم، على مناصبهم، أو مراكزهم التي يديرونها، عبْر حسابات تتجاوز حدودهم الشخصية والعائلية وحتى الأهلية، تبعاً للمكانة نفسها طبعاً، حيث إن طبيعة عملهم لا تكف عن بث مؤثراتها وتبعات هذه المؤثرات في النفس وردود فعلها.

أشدد على وجوه من يشغلون مراكز حساسة في المجتمع، وفي الدولة، وحين يسلّمون وجوههم هذه لحلاقين خاصين بهم، أو ربما يحلقون، هم أنفسهم، وجوههم، وما يرفَق بهذا المشهد: المضي بالوجه خارجاً، وما يمكن لشفرة الحلاقة عينها، وفي متن المشهد، بأكثر من معنى، أن تكون أداة تجميل ما للوجه، ومبعث رعب بالمقابل، حيث الشفرة لا تكون في اسمها حيادية، أي حيث ينحصر دورها في وظيفة معينة، ومن قبل شخص" هو الحلاق الذاتي- الشخصي "، إنما تثير مشاعر، بقدْر ما تنبّه تصورات أو هواجس من نوع التهديد والخطر على الحياة .

أنا لا أتحدث هنا، عمن يكون حاضراً قريباً أو جهة المراقبة الدقيقة، في محيط الشخص ذي المكانة الحساسة في الدولة " الحاكم، الرئيس، المسئول الكبير بموقعه.." إنما عن الشخص نفسه وهوة يحاط بكل هؤلاء، حيث لا يستطيع الاسترخاء والتحرر من كل فكرة لها صلة بمآل لا يتمناه لنفسه، جهة المنافسة الجانبية، ولو من الأهل بالذات، أو الوسط، أو ما يكون مجهولاً، كون شفرة الحلاقة تسمّي ما لا يمكن تجاهله، أو الاستخفاف بأمره .

أن يكون أحدنا كائناً وجهياً، أن يكون مدفوع الاسم على صعيد الوجه، أن يكون وجهه نقطة اتصاله بالعالم الخارجي، كتابه المفتوح بأكثر العلامات الدالة عليه، وكما يريدها هو، أو كما يعرفها هو نفسه، وهو في جمله عناصره، فلأن الوجه بقدْر ما يكون المستجيب لما هو مشتهى أو مرغوب فيه من قِبَله، وباعثاً على النشوة والزهو وحتى الغرور الداخلي، بقدْر ما ملوّحاً بالمقابل، بما ينسف كل هذه الحالات ذات الصفة الإيجابية: الوجه الدال عليه والمرشد إليه، والوجه الباعث على الرضا الذاتي والمقلق في آن، لأن الوجه هذا محكوم بتحولات الزمان.

إن أول ما يعرض المرء، أو أحدنا للخطر، للدخول في علاقة مفتوحة، هو الوجه، كما نشير إلى المواجهة، أي ما يجعل المرء مكشوفاً أو مرئياً بالوجه، والوجه يتقدم الرأس، إنه واجهته .

لا تعود رغوة الصابون لدى البعض أو معجون الحلاقة مجرد عصارة مكثفة تغطي الوجه، إنما يجعل الوجه عارياً ، متلقياً لاحتمالات شتى، ومذكّر بالتوازي لما يحيله عدْماً في لحظة أحياناً.

المعجون يغطي، والشفرة تعيد للوجه اعتباره بعيداً عن " شَعْره " بمساعدة رغوية، لكنها" الشفرة " تظل مذكّرة بمهدّد قائم، بذاكرة مكانية، بزمن لا يفكَر فيه، شفرة وهي بحدتها تذكّر بأخوات لها تملك القدرة على النفاذ إلى داخل الجلد وأبعد، أو تقطيعه، أو تصفيته جسدياً..

نعم، الوجه يقلّص دائرة العلاقة مع الذات، ومن قبل الشخص نفسه، أي يجعله مواجهاً لنفسه، متنبهاً إلى حالات أو مؤثرات أو تلوينات مشاعر، ومكاشفة أفكار وأحاسيس موقفية، ما يؤكد استثنائية الوجه في مقام الجسد، ومركزيته المعتبَرة، ويسمح هذا الموقف، في كثافته، رغم الزمن المحدود، بالنزول إلى أعماق لم تُسبَر، أو الخروج بما هو خفي من خلالها. فلا يعود الوجه في اسمه وموقعه كما لو أنه حامل مكونات معينة في حسيتها، وإنما ما يكون جرس إنذار خفياً هنا.

ذلك ما يمكن التأكيد عليه، ذلك ما يمكن إظهار مؤثره الأكثر من كونه جسمياً، بعائده النفسي، وفي الدرجة الأولى، جهة أولئك الذين استلموا أو يستلمون مناصب بالقوة والإكراه، ويفرضون أنفسهم بالقوة الضاربة والإكراه أيضاً، ويديرون السلطة ملء هواهم، مهما صَغُرَت.

إنها أفكار وجهية، وما يخضع الوجه لما هو معهود تاريخياً، ومتوقع زماناً ومكاناً، ومن خلال خاصية الحلاقة، بتنوع أشكالها، وما في ذلك من فلتات، أو تهيؤات أو إيحاءات إبداعية كذلك.

تُرى، هل هناك من حلَّق ذقنه، أو شذب لحيته، وهو محرر من كل معايشة نفسية مرفقة وجهياً؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى