معاوية محمد الحسن - عندي كوليرا... لا استطيع!

(ولكنً الامواتَ أقوى، لأنهم يستطيعون أن يلتهموا قِطعاً كاملةً من السماء!!)
الشاعر الاسباني/لوركا،،

-١- ،
غادرَ الروائيّ والقاص الكبير محمد خير عبد الله عالمنا الي الأبد، بعد أن بعث إليًّ قبل وفاته بوقتٍ قصير رسالةٍ حزينةً مقتضبةً علي تطبيقِ الواتساب، يقولُ فيها:
(عندي كوليرا... لا استطيع!)
وذلك رداً علي إتصالاتيّ المتكررةِ بغرضِ الاطمئنان علي صحته، بعد ان تواترت الأنباءُ المشؤومةِ بانتشار وباء الكوليرا القاتل في مدينةِ كوستي التي كان الراحلُ يقضي فيها ايامَ نزوحهِ الأخيرة..
كان من الواضحِ جداً، انّ الداءَ اللعين قد بلغ بمحمد خير مبلغاً عظيماً، الي تلك الدرجة التي جعلته غير قادرٍ علي التحدث عبر الهاتف، ولذلك فقد ترك لي رسالته الأخيرة:(لا استطيع.. عندي كوليرا! ) وكان بالطبع يقصد انه لا يستطيع الكلام، وتركت له انا علي الفور رسالة أخري تقول (اتصلتُ للاطمئنانِ علي صحتكم، لاني علمت ان الكوليرا تنتشر هناك.. سلامتك )، لكنه للأسفِ لم يقرا هذه الرسالة، َوعرفتُ ذلك، لأن الواتس اشار الي الرسالة بعلامة صاح واحدة غير مردفةٍ باخري!
يبدو أن محمد خير كان قد انتقل الي العالم الاخر بمجرد ان خطت اناملهُ علي شاشة الهاتف تلك الكلمات الأخيرة ولستُ متاكداً تماماً ما اذا كان قد تواصلَ مع اخرين غيري في تلك الساعة ام لا، لكنني اكاد اجزمُ ان تلك الكلمات القلائل قد كانت هي اخرُ ما صدرَ عن شاشة هاتفهِ النقال قبل ان ينجو الي الابد من وجعِ الحياة ِ في بلادِ الحروبِ العبثية..

- (٢)-
هانذا الان، ورياحُ امشير الداعرة تضرب أرجاء المدينة الريفية التي نزحتُ إليها، أستسلمُ لموجاتٍ عاتية من الأسي، ما تفتأ تمزقُ دواخلي، وحيداً، انظر الي رسالة محمد خير علي الهاتف واجهشُ بالبكاء، لعل محمد خير كان يَريد ان يقول وداعاً لكنه لم يستطع.. لعله أيضا كان يريدُ ان يقول أشياء كثيرة فلم يقدر ولربما اراد ان يهمس كعادتهِ علي الهاتف(أبلغ تحياتي لعمر الصايم، ان كنتما ما تزالان علي تواصلٍ. ) َ كدأبهِ عند ختام اية محادثة هاتفية، بل لعله اراد ان يذكرني بضرورة ان ابحثً عن ناشرٍ لروايتي الاخيرة التي لم تر النور ومهما يكن فإنّ روحَ محمد خير قد صعدت سريعاً الي السماءِ في ذلك اليومِ الحزين، فلم ينتظر حتي اقول له وداعاً..
يا للفاجعة اذن !!
في أولِ الأمر، ظننتُ انّ محمد خير سوف يتغلبُ علي المرض و يهزمُ الوباء وانه ربما يعاودُ الاتصالَ قريباً ولكن ياللاسي! فقد ألفيتُ صديقنا خالد بابكر بعد دقائق معدودات ينعيّ محمد خير في قروبِ الاصدقاء علي الواتساب، علي أنني لم أكد أفيقُ من هول الصدمة حتي فُجِعتُ بنبأ مقتل صديقنا الحميم الطيب احمد الطيب بالحاج يوسف.
يا إله السموات!
أما يكفي محمد خير حتي نُرزأ في فقيدٍ أخر؟

- (٣)-
رياحُ أمشير تعوي مثل كلبٍ ضالٍ.. الحزنُ يفتتُ كبدي.. أهرعُ إلي الهاتفِ النقال، أحاول أن أستجلي الخبر. كنتُ واقعاً تحت تأثير الصدمة ولذلك رحتُ أشككُ في الخبر. قلتُ في نفسي: لابدَ أن سَمِّياً أخر لمحمد خير عبد الله هو الذي مات.أتصلتُ بالاصدقاء.. خالد بابكر كان في طريقهِ الي مصر.. هاتفه مغلق طوال النهار، لكنه عاد في المساء وأرسل لي تسجيلاً صوتياً ينتحبُ خلاله بشدة، ناعياً الصديقينِ العزيزينِ: محمد خير عبد الله والطيب أحمد الطيب. قال خالد أنه غادرَ كوستي ومحمد خير كان لا يزال فيها بخير و أتاني بعد ذلك صوتُ عبد الكريم عبد الفتاح من بورتسودان مفعماً بالحزن ناعياً الطيب أحمد الطيب ياسين الذي قضىَ نحبهُ متأثراَ بطلقٍ ناري. في منزلهِ بالحاج يوسف.

-(٤)-
خرجتُ في أخرِ المساءِ وأولِ الليل، اهيمُ علي وجهيّ في شوارعِ البلدةِ. كنت أستدعي عبارة محمد خير الأخيرة (عندي كوليرا..)..هل تسمعني يا محمد خير؟ هل أنت بخير يا محمد خير ؟ هكذا إذن، عبرتَ سريعاً إلي هناك وتركتنا نُقاسي الحربَ والكوليرا والهلاك؟
كنت تقول لي عند اخر إتصالٍ هاتفي :
(انفد بجلدك ..فلتهرب من هذا البلد إلي أي مكانٍ اخر حول العالم..أنتِ ما تزال شاباً ، أما أنا فسأموت هنا! . ولكن يا محمد خير، ألم يقل الشاعر العظيم
طوبي لمن طعموا خبزه في الزمان الحسن
و َاداروا له.. الظهر في يوم المحن)
تجولُ بخاطري صورةَ محمد خير وهو يضحك.. يدخن سجائرهِ بشراهة.. يحتسي القهوةَ أمام مكتبة وانجا بالسوقِ العربي.. محمد خير يقرأ.. محمد خير يداعبُ الأصدقاء... محمد خير ساخراً من كل شيء... محمد خير جالساً في مقهي ابوجنزير... محمد خير في مطعمِ مهيار.. محمد خير مهرولاً نحو اقاصي المدينة.. محمد خير متشرداً..محمد خير في ندوة بقاعة الشارقة.. محمد خير لاعناً كل شيء ومحمد خير حزيناً...
يجيئنُي صوتهُ دافئاً في ليالي الشتاءِ الطويلة .. لا ملجأ في أيامِ النزوحِ الكئيبة الموحشة، الا صوتَ محمد خير.. هو في كوستي وانا في منحني النيل..
يقولُ مداعباً:
( أ ما زلتَ مقيماً في الشريطِ النيليّ؟...)
وأنت يا محمد خير، هل ما تزال بخير؟ يضحك ويقولُ: (انا في بلادِ الخواجة كوستا..أبذرُ بذورَ الصبر والاحلامِ في تربةِ الايام القاسية، لكن لا شيء ينمو سوي المسغبةِ و َالفراغ..!)

- (٥)-
. تحدثني يا محمد خير عن الشعرِ والأدب وعن الأوضاعِ التي تسؤ يوماً بعد أخر في بحر أبيض الذي أضحي أحمراً لكثرةِ الدماء التي سالت وتسيل. النازحون الجوعي في كل مكان يسدون عين الشمس.. الطعامُ أضحى عصيّ المنال.. تكفي أحيانا وجبة واحدة.. علبة سجائر رخيصة الثمن وكوباً من القهوة لمن إستطاعَ إليها سبيلاً .. اه! ..صرنا نشتهي حتي ماء الفول يا محمد خير.. لماذا يسمونها حربَ الكرامة؟ كرامة للهِ يا محسنين.. كرامة يا أهل الله.. كرامةً يا الله تُنجينا بها من هولِ هذهِ المحرقةِ اللعينةِ..لئن تُنجينا من هذه البلاد يا الله، لنكونن من الشاكرين.. والوطن اللعين ما قصته يا محمد خير.. خدعنا السادةُ بإسم الوطن وسرقوا كل شيءٍ .. يغور الوطن في ستين ويحيا الارزقية َالانتهازيين وتجار الحروب والمرابون والساسةُ الملاعين.. ما جدوي الوطن حين يقتلنا رصاص الوطن ويذهبُ خبزهُ للصوص والقتلة والسفلة؟ .. أ)!
تضحك وتقول:
-ليتهم يستبدلون جملة النشيد الوطني (نشتري المجدَ بأغلي ثمن) بجملةٍ أخري.
-مثلاً؟
يجلجل صوتك المشروخ بالضحك وتقول:
(نشتري الفولَ بأغلي ثمن!)

-(٦)-
ينغمسُ الطغاةُ في عبثِهم فيحطمون بلادا كاملة ويحيلونها الي ركامٍ، وكأنهم ينخرطون في لعبة شطرنج لا أكثر..
! مسكين الإنسان يا محمد خير
لو تأمل المرءُ النهايات والمالآت الأخيرة، لزهِدَ في كل شئ. وهكذا أيضاً أدركَ المتنبي العظيم قبل ايميل سيوران وكافة العدميين أن الموت وحده، يحيلُ كل ما يجري علي مسرح الحياة الي عبث تصبح معه الأشياء ا كلها جوفاء وفارغة المعني. انظر اليه يقول:
(لو ادرك العاشق منتهي حسن الذي يسبيه، لم يسبه)
الفرحان بالدنيا ندمان!
هكذا نقولها في بلادنا وقديما قالها شاعر أخر علي طريقتهِ، أظنه متمم بن نويرة:
فلا يفرحنّ إمرؤ بنفسهِ، فإنيّ
رأيتُ الموتٌ وقاعاً علي من تشجّعا
ولم تكن انت يا محمد خير فرِحا بالدنيا وما كنت مختالا مزهواً بنفسك، بل عِشتٌ علي ظهرها خفيفَ الروح والبدنِ، لم يغُرك بهرجُ الحياةِ الزائف ولم تمشي بين الناسِ شامخاً بانفك نحو السماء وانت فينا الاديب الألمعي، ومع ذلك انظر كيف يصدع ناس (زعيط ومعيط) من أدعياء الأدب رؤوسنا كل يومٍ معتقدين أنّ اللهَ قد فتح لهم في دنيا الادب فتحاً عظيماً.. لله درك يا رجل!
سألتك ذات يوم:
والكتابةُ ما أخبارها ؟..
تتأوه طويلاً وتقول:ـ
كان جدي لأبيّ جندياً في جيشِ المهديّ وأشغل نفسي هذه الأيام بالتنقيبِ في سيرتهِ
اه يا صديقي! ونحن المسحوقين والتعساء َ من يكتب سيرتنا؟ من سيكتب سيرة المنسيين الذين قضت عليهم الحروبُ والافات في الصالحة وامبدة والجخيس وسوبا الاراضي وسنجة والفاشر وام صفقا عراض؟
اتصورُ انّ علماء الحفريات سوف يعثرون علي سبيل الصدفة وحدها، ربما بعد الفَ عامٍ واكثر علي عظامِ كائناتٍ سودانيةٍ منقرضة في صحراءِ امدرمان الغربية اَو جنوب الحزام مثلا، ليست تلك هي المشكلة يا صديقي، المشكلة هي ان لا يعير العلماءُ تلك العظام الاهتمام الكافي و هكذا نظل يتامي التاريخ... مهمشين ومنسيين في الدنيا والاخرة وما ربُك بظلامٍ للعبيد. !

-(٧)-
انتَ الان في هذه الساعةِ، ترفلُ في عالم الأبدية.. عالم الخلودِ َوالبهاء.. هناك حيث تسكن الروح َوتخلد الي سلام أبدى ... لترقد هناك في سلام يا صاحبي. لن يستطيع الأوغادُ ان يلحقوا بك الأذي بعد اليوم، فأنتَ في رحابِ أبٍ عادلٍ رحيم.. اكاد اراك تضحكُ في قبِرك... تحلقُ في الفضاءاتِ البلوريةِ متأبِطاً ذراعَ رفِيقك أبي ذر صاحب ضجة الشوق والهواجس.. هنىئاً لك يا صديقي.. كم اهفو إلي ضجعةٍ مثل ضجعتِك ورِفقةً مثل رِفقتك.. سىئمت كل شيء وإني لأرغبُ يا صاحبي في ان اموت شريفا فوق فراشي.. فِراشٌ من فولاذٍ، ان أمكن ذلك..كما صدح لوركا العظيم ذات يوم.
سلامٌ عليك يا صديقي وعلي صاحبك طيب السيرةِ. والسريرةِ، ابي الطيب ياسين..


معاوية محمد الحسن،،،
٢٥ فبراير ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى