د. عبدالجبار العلمي - مفاهيم نقدية... مفهوم الإيقاع (الجزء الثاني)

لقد دأبت بعض الدراسات القديمة وبعض الدراسات المعاصرة على الربط بين موسيقى البحور الشعرية وبين المضامين التي تصاغ فيها. فقد أكد الصلة العضوية بين الوزن والمعنى قديماً الناقد حازم القرطاجني وسار على دربه دارسون معاصرون أمثال عبدالله الطيب ومحمد شكري عياد وغيرهم ، وإن كان بعضهم لم يكتف بالربط بين الأوزان والأغراض أو المعاني ، بل تجاوزوا ذلك إلى البحث عن دِلالات الإيقاع ، وما يمكن أن يضيفه الوزن أو القافية من معان جديدة إلى النص الشعري.ويذهب بعض الدارسين () إلى أن الأوزان في صورها المجردة ، لاتحمل أي دلالة عاطفية، فقد يصوغ الشاعر رثاءه في قصيدة من البحر الطويل مثلاً ، وقد يصوغ شاعر آخر نفس الموضوع في بحر آخر كالكامل أو المجتث.ومعنى هذا أن الشاعر يمكنه من خلال بحر واحد تنويع أنغامه الموسيقية حسب المواقف النفسية المتباينة ، والمعاني المختلفة في النص الواحد. إن عملنا لايتجه إلى البحث عن علاقة أوزان معينة بمواضيع وأغراض معينة ، بل البحث عن وظيفة الإيقاع في النص الشعري باعتباره عنصراً مؤثراً في تركيب الكلام ، يحتم على الشاعر ممارسة عمليات تغيير متكررة لبعض الكلمات وإحلال كلمات أخرى محلها وهذا ما دعاه جاكبسون بإسقاط محور الاختيار العمودي على محور التأليف الأفقي، وباعتباره عنصراً أساسياً ذا وظيفة دلالية في النص الشعري بمعنى أن هذه الدراسة تعنى بالإيقاع ـ بمفهومه الشامل ـ باعتباره أحد وسائل التعبير التي يتوسل بها الشاعر، فضلاٌ عن مكونات الخطاب الشعري الأخرى، للتعبير عن تجاربه وما يعتمل في دواخله وأعماقه من أحاسيس ومشاعر معقدة بقدر تعقد الحياة من حوله. ونركز فيما يلي على دراسة الشكلانيين الروس لمفهوم الإيقاع، على أن نعمل في الأجزاء التالية من الدراسة على هذا المفهوم في بعض الدراسات الغربية الأخرى:
مفهوم الإيقاع عند الشكلانيين الروس:
لقد اعتبر الشكلانيون الروس "الإيقاع""RYTHME" هو العامل البنائي المسيطر في بيت الشعر والذي يعدل ويكيف بقية العناصر، ويمارس بالتالي تأثيرا حاسماً على جميع مستويات الشعر الصوتية والصرفية والدلالية ، فالإيقاع باعتباره التناوب الزمني المنتظم للظواهر المتراكبة هو الخاصية المميزة للقول الشعري والمبدأ المنظم للغته." ()ـ و يعتبر "جان ايف تادييه " Jean - Yves Tadié هذه المدرسة من أكثر المدارس إبداعاً في القرن العشرين . نشأت أثناء الحرب العالمية الاولى سنة 1915 ، وقطعت الدكتاتورية مسيرتها سنة 1930 .لم تعرف ، ولم تأخذ حظها من التقدير في الغرب إلا بعد نشر كتابين ها مين هما: " الشكلية الروسية " لفيكتور إيرلش (منشورات موتون ، 1955 .) ،" ونظرية الأدب " الذي يضم نصوص الشكلانيين الروس جمعها وقدم لها :Tzvetan "Todorov ، و صدر عن دار سوي 1965 (انظر كتاب : " النقد الأدبي في القرن العشرين" لجان ايف تا دييه ، ترجمة د. قاسم المقداد ، منشورات وزارة الثقافة ، دمشق ، 1993 ، ص ، 21.)
ولما كانت جهودهم منصبة على أدبية الأدب على اعتبار" أن موضوع العلم الأدبي ليس هو الأدب ، وإنما "الأدبية " Litterarité"أي ما يجعل من عمل ما عملاً أدبياً " ()، فقد اتجهوا إلى " دراسة الخصيصات النوعية للموضوعات الأدبية التي تميزها عن كل مادة أخرى ()، وأهم هذه الخصيصات التي اهتموا بدراستها في الشعر هو الإيقاع ، مستفيدين من اللسانيات باعتبارها علماً يهتم بالشعرية. أما الوزن ، فقد اعتبروه حالة من حالات الإيقاع و برهاناً ملموساً على وجوده ().
لقد اهتم الشكلانيون الروس بدراسة أصوات اللغة في الشعر على اعتبار أن هذا الأخير هو تنظيم لنسق من هذه الأصوات ، وذهبوا إلى أن الأعمال الأدبية و الفنية بصفة عامة ما هي إلا سلسلة من الأصوات ينبعث عنها المعنى ، كما رأوا كذلك أن أهم ما يلفت النظر في هذه الأعمال بما فيها الشعر طبعاً ، هو المستوى الصوتي الذي يعمل إلى جانب المستويات الأخرى على إحداث التأثير الجمالي . وهذا الأخير لا يستطيع أن يحدثه الصوت بمفرده ()، ذلك " أن مجرد الصوت في حد ذاته ليس له تأثير جمالي أو أن مثل هذا التأثير ضئيل ، فلا وجود لشعر " موسيقي " دون شيء من الادراك العام لمعناه أو على الأقل لنغمته الانفعالية " لقد نظر الشكلانيون الروس " إلى الصوت كجزء لا يتجزأ من الطابع الإجمالي للقصيدة " ، وانتبهوا منذ بدايات القرن العشرين " إلى القيم التدريجية في العمل الإبداعي باعتبار أن الأدب في التحليل الاخير ـ ليس إلا طريقة للتأليف بين مستويات الأصوات و الدلالة والبنية النحوية والصور الفنية و معالجته بنفس منطقه أي بطريقة أدبية ، تقتضي ممن يتصدى له أن يحلله تحليلاً تكامليا ، و أن يجعل قطب اهتمامه ذلك الشكل الذي انتظمت من خلاله تلك المستويات المتدرجة ().
وكان " أوسب بريك "O . BRIK "(1888 ـ 1945 ) أول من قام بدراسة الخصائص الفونولوجية في الشعر في دراسته حول " الإيقاع و التركيب " " Rythme et syntaxe"(). ويطلق لفظ " إيقاع " " Rythme " عموماً على أي تعاقب منظم. فالإيقاع الموسيقي هو تعاقب أصوات داخل الزمن "و الإيقاع الشعري هو تعاقب المقاطع داخل الزمن ، وإيقاع الخطوات في الرقص هو تعاقب الحركات داخل الزمن" (). ولكي يزيد " أو. بريك" تعريفه جلاءً يقوم بربطه بحقول مجاورة فيقول :" إن هذا المفهوم استحوذ على ميادين أخرى ؛ يمكن الحديث هنا عن تعاقب إيقاعي للأزرار فوق صدرة، وعن تعاقب إيقاعي للنهار والليل وللشتاء الصيف، و باختصار ، يمكن الحديث عن الإيقاع في كل شيء نجد فيه نوعاً من التكرار الدوري لمجموعة من العناصر داخل الزمن أو داخل المكان ".
لقد حاول " أو. أبريك " في هذه الدراسة أن يقدم نظرية عِلمية للإيقاع، حيث أثبت " أن الأعمال الفنية (شعر ـ موسيقى ـ رقص ) ما هي إلا نتيجة للإيقاع الطبيعي، وليست شيئاً آخر : مثل إيقاع نبضات القلب ، و إيقاع حركة الأقدام أثناء السير. "( نفس المرجع السابق: ص:144 )
لقد درس " أو. بريك " التكرار في الشعر، و"كان يرى أن تكرار الأصوات له في ذاته وظيفة جمالية داخل النص" ()، وأن ثمة ارتباطاً متينا بين البنية التركيبية و بين الإيقاع داخل العمل الشعري . ومن هنا "أخذت نظرية الشعر في دراسة الإيقاع باعتباره أساساً بنائيا للشعر . يحدد عناصره السمعية ، وغير السمعية"( نفسه ،ص: 53 ). إن دراسة أصوات الشعر كانت من أهم القضايا التي عالجها الشكلانيون الروس ، وهم يرون " أن للأصوات في الشعر قيمة مستقلة عن مهماتها التوصيلية عبر اقترانها بعضها ببعض.
لقد كان ربط الإيقاع بالدلالة من أهم الأمور التي ركز عليها الشكلانيون الروس ، وقد وصف أوبريك " العلاقة القائمة بينهما بأنها علاقة سرمدية. بالإضافة إلى عنايتهم بالربط بينه وبين اللغة الشعرية سواء على مستوى المعجم أو التركيب . " لقد ربط الشكلانيون الروس الإيقاع ببناء اللغة الشعرية أو بالجوهر اللساني للشعر وهو الجملة كما يؤكد ذلك " بريك نفسه ، وهكذا فقد اتسع مفهوم الإيقاع لديهم ، فأصبح يشمل ـ كما نجد ذلك عند توماشفسكي ( 1890 ـ 1957 ) ـ " سلسلة العناصر اللسانية التي تساهم في بناء البيت الشعري؛ فإلى جانب الإيقاع الذي ينتج عن المد في الكلمات ، يظهر الإيقاع الذي يأتي من نبرات الجمل ، بالإضافة إلى الإيقاع الهارموني ( الجناسات ). وهذا ما يؤكده " يوري تينيانوف (1894 ـ 1943)، حيث يقدم الإيقاع باعتباره قاسماً بناَّءً وأساسيا في الشعر ، يكون حاضراً في جميع عناصره ، وتوجد بينه وبين الدلالة علاقة دائمة" . لقد اهتم الشكلانيون بالوزن باعتباره من أهم مميزات القصيدة، إلا أن الإيقاع كان له الدور المركزي في وضع نظرية للشعر. وسنحاول في الدراسات التالية عرض مفهوم الإيقاع في بعض الدراسات الغربية التي أنجزها باحثون، بكثير من العمق، عُنوا بدراسة هذا المفهوم، أمثال : هنري ميشونيك و"جان مولينو وجويل طامين ويوري لوتمان و كبدي فاركا.




الموضوع المنشور يومه السبت 01 مارس 2025 في جريدة " الشمال " ، وهو مرصود لمفهوم الإيقاع عند الشكلانيّين الروس ، والجدير بالإشارةً، أن ترجمة الصديق الناقد المترجم المتمكن إبراهيم الخطيب الذي نشرت غلاف كتابه القيم "نظريةً المنهجً الشكلي / نصوص الشكلانيّين الروس " الذي ترجمه عن تزبطان تودورف ، لا يضم نص أويل بريك عن الإيقاع الشعري



1741116108673.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى