حسن الرحيبي - أصل عَاهة الأمّية أو عندما دخلنا السكويلة لأول مرة... مُقاربة بسيطة لمعنى الأمّية

مُقاربة بسيطة لمعنى الأمّية illétrisme/analphabétisme التي كان يُعانيها آباؤنا وأجدادنا وأسلافنا الذين اهتموا بالرعي والزراعة كعادة أعراب بني هلال الذين كانوا يقطعون سهول دكّالة وعبدة والشّاوية ذهاباً وإياباً بقطعانهم التي لم يكن يضاهي عددها ووفرتها أية منطقة أخرى بالمغرب بما فيها من النّاهقة والثاغية والصّاهلة حسب وصف لسان الدين بن الخطيب الذي زار المنطقة في ربيع سنة 1371 ميلادية . وقضى ليلته بالغربية في سوْر موسى الذي كان حصناً منيعاً للأمازيغ يُغلق ليلاً بإحكام ويحرس بواسطة أبراج عالية منصوبة على طول السور غير المتقن البناء حسب وصفه . ووجد به قاض وحكّام مثقفين بعضهم يقرض الشعر العربي بمستوى عال . وبعد خراب مدينة الغربية سنة 1518 . ونقل سكّانها إلى ضَاحية مدينة طنجة حيث « حدّ الغربية » اليوم الذين تغيرت لكنتهم اليوم وأصبحت شمالية قريبة من لكنة أهل طنجة وبني عروس …لكن احتفظوا بسحناتهم ولون بشرتهم … رغم كل ذلك لم يرض أجدادنا الرعاة المتسيبون السكن بالمدينة الجميلة المحاطة بالبساتين الغناء والمروج الزّاهية …لأن جوها يخنقهم هم الذين تعوّدوا على نصب خيمهم في الوهاد والروابي والأراضي المنبسطة بدون حواجز ولا قيود سقفهم السماء ومصابيحهم أنوار النجوم والكواكب المتلألئة حسب تعبير مارمول كربخال mármol carvajal الإسباني السجين العاشق للمغرب في ذلك الزمن البعيد …
لكن رغم أمّية أبي وجهله للكتابة والقراءة كان له رصيد واسع من حكايات العهود القديمة كما رواها القرآن الكريم وكعب الأحبار ووهب بن المنبه وعبد الله بن سلام … سمعها في « حلاقي السوق » زجلاً مغنّى من طرف « الگوّال » وأيضاً بمجالس الدوار حين كان الرجال يتحلقون حول « سي …ولد البحياوي » بأرجاء الدوار وجامع المعاونة ومنظم حفلات الشياخ : عيدة والدّعباجي وعبيسلام … وهو يروي لهم قصة عناق بن عواج وسفينة نوح . والنّمرود بن كنعان وسيدنا ابراهيم الخليل ويوسف بن يعقوب وإخوته وهارون بن مشعل اليهودي وحصان طروادة العلوي … لذلك عشق القراءة وعلم التاريخ … فبادر لإدخالنا كتّاب الجّامع وأنا لا زلت لا أنطق بعد . ولما نادىٰ المنادي للتسجيل بسكويلة النصارى أسرع الخطى لتسجيلي وأنا ابن أربع سنوات فقط حين رفضَني سي احمد بن عمران سامحه الله في صَباح يوم الخميس فاتح أكتوبر الماطر بغزارة من سنة 1959 لأعود لكتّاب الجّامع مدحوراً بعد أن فقدتُ ضَفيرتي (گرني ) المضفورة بشريط من قماش يسمّونه « الكرارة » مع الحرص على دهنه بزيت الزيتون أو زيت العود كل صَباح والمخصّص لهذا الغرض فقط . أزالوه لأن النصارى ومدرستهم الراقية الحديثة لا تحب الگرون واللباس التقليدي والسير بقدمين حافيتيْن وساقين ترتسم على طولهما خطوط من البوْل حين كنا نمشي ونتبارى في كتابة كل ما نريد ببوْلنا الذي جمعناه منذ الزوال بما فيها أسماؤنا وأسماء الطّالب وبعض بنات الدوار …وكلها عيوب لا ينتبه لها طالب المسجد الذي يفكر فقط في « لاربعية » إكرامية يوم الأربعاء : بيضَتان أو ربع ريالات … « والجّمعية » : لُبزة من الزبدة البلدية خارجة تواً من نخضة الشكوة كل صَباح يوم جمعة في فصل الربيع « وقت لمنيحة » وحگن الشّكوة أكثر من مرّة في اليوم حتى « تغرز » البقرات ولا تعود قابلةً للحلب حين تنطح ابنها العجل الذي كان « يدمّر بعصا أو بوضع الغضار (الخضار) حول حلمات الضّرع » .…

ملحوظة : عادوا لتسجيلي ذات يوم أربعاء من شهر أكتوبر سنة 1961من طرف مدير بسحنة وهندام أوروبي ولكنة فاسية وسيارة ألمانية من نوع wolkesvagencoccinelle يُدعىٰ الغماري …وانتظرنا حتى ينتهوا من أشغال القسم الوحيد بسقف من نوع ديماتيت البّريفابريكي الذي لا زال إلى اليوم بمدرسة الغربية الابتدائية والذي لم يصمد أمام أول رشق بحجارة أحد تلاميذ monsieur pernoud الكبار ، حيث ظلّ الثّقب شاهداً على رعونة تلميذ قروي ، وهشاشة بناء مغشوش ظلت تتسرب منه مياه الأمطار وأشعّة شمس الربيع الدّافئة … كما ظلّ المرحُوم سي بوجمعة العمارتي ينثر لنا الحمّص المَگلي والشّريْحة الوزّانية كل مساء عندما تنتهي حصّة التّدريس مبكّراً . أو يأمر النصّ بتلاوة أنشودة بلّارج الرّائعة إلى أن تجنح الشّمس للمغيب خلف تلال الطالوع البعيدة …

رحم الله آباءنا ورحم زماناً رائعاً فات وانقضى من غير رجعة …

كل ما أتمناه أن يسمح لي بزيارة أول قاعة دراسية ولجناها وظلت رائحة الطاولات الجديدة عالقة بذهني إلى اليوم وقد جلسنا مزحمين بجانب التوأمين لحسن والحسين الصّقللّي دون الانتباه لوجود قيمطر في الأسفل يمكننا من أشائنا البدائية.. لم أنس كل هذا رغم مرور 60 سنة بالتمام والكمال..

حسَن الرّحيبي..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى