محمد بشكار - تَفهمُني السياسة و لا أفْهَمُها..!

لا أفهم في السياسة و لكن يبدو أنها تفهمني جيدا، و الدليل أنها تتلاعب بعقلي الذي مازلت أحاول أن أعيده لرأسي بعد أن عصَفَتْ بتفكيره ردحا من العمر رياح الإيديولوجيات التي ترعى في وهمنا قطعانا من الغيوم تزيدنا ظمأً و لا تُسقِطُ مطرا ؛ لا أفهم في السياسة التي تصنعنا وِفْقَ مقاسات مصلحيةٍ ضيِّقة لا تبتعد في النظر إلى المستقبل عن أرنبة أو فأرة الأنف ما لم تأكلها قطةٌ تمرسَّتْ على حرب الشوارع ، فلم تترك أنفا يشمخ بكبرياء و عزة نفس إلا جَدَعَتْهُ من الجذور..!


تكمن آفة السياسة اليوم في تحويل المجتمع إلى سوق كبيرة للنخاسة، لنغدو جميعا عبيدا لخطاب لا يهدف إلا لتسليع البشر و بيع آماله و طموحاته و أحلامه المدفونة تحت المخدة، بأبخس الشعارات التي لا أحد يصدقها و لو كذبا..!
لا أفهم في السياسة إلا بطريقة رومانسية كأن أفكر في حيلة للإيقاع بقلب من أحب، أو أمارس سياسة التقشف على جيبي، لأوفر لمن أحب مالا أشتري به ما يحبون؛ أو أُعَدِّلَ قليلا بشيء من المرونة من رؤيتي للعالم الذي لا شيء فيه يعجبني، لأعيشَ و أسْلَمَ من شر بعض الناس الذين لا سياسة لديهم في الحياة إلا الإطاحة بالبسمة التي يرونها تُشرق بسببٍ أو بدونه في محياكَ كل صباح عسى تنْقلبُ حياتُك كسوفاً..!
لا أفهم في السياسة لأن وجهي الذي سرعان ما يسْخنُ خجلا، ليس بالبرودة القمينة بجعل كل أقنعة الشمع لا تذوب، أجل من تفضحه سيماءات وجهه غير الصَّلب لا يصلُح للسياسة التي تطلع على الناس في كل يوم بوجه جديد تَتَلْمَذَ على ثقافة النكران..!
أحبُّ أن أكون كما أنا، لا أغير في وجهي ملمحا خشية أن لا أعرف نفسي و أنا أحلق ذقني في المرآة بعد صف طويل من الأقنعة..!
لا أفهم في السياسة التي تحتاج إلى تدريب شاق في المعاهد العليا أو السفلى لتجارة الوهم؛ و لست أذكر من قال ما معناه إن السياسي المحنَّك في خدَّيه المتورِّدين هو الذي يستطيع ابتكار أقوى الأكاذيب تصديقا، و أنا لا أستطيع الكذب حتى على نفسي سوى بقصيدة لا يقرأها أحد بعد أن كسد الأدب و سادتْ قلَّةُ الأدب..!
لا أفهم في السياسة و لا أريد أن أصل بسُلَّمِها الذي يتخذ أكتاف المستضعفين أدراجا، إلى مجد أو ثراء ينتهيان بفضيحة ، أريد فقط من بعض السياسيين أن يتركوا لي مع السواد الأعتم لهذا الشعب هامشا ضيقا للعيش في كل المساحات التي استولوا عليها عقارا و بحارا..!
لا ضير أن تفهمني السياسة، و مهما عاثت في نفسيتي و دماغي تقليبا، بالأسلوب الشنيع لمحاكم التفتيش القروسطية، فلن تجد غير حلم أحاول أن لا أستيقظ منه حتى أكمل هذا الليل الأطول من أياد تمتص الدم إلى آخر فلس في جيوبنا..!
لا أفهم في السياسة التي تتلاعب بالعقول، و لكنها تفهمني و تقرأني من تحت السطور، لذلك قررت أن أمحو كل تعبير أو تفكير في رأسي قد يجعلني أسِيرَ كل السياسات التي تُحاك أحابيلها للإطاحة بكل القيم الإنسانية التي آمنا بمبادئها و لم تُورِّثنا إلا الفقر؛ ولكن هيهات أن نستسلم و نحول إيماننا بغد أجمل كُفرا..!

(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 5 يناير 2017)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى