علجية عيش - ومضات فكرية بين مالك بن نبي و محمد قطب

أمة إقرأ لم تعد تقرأ

هناك إشكاليات حظيت بكثير من النقاشات الجادة لاسيما تلك التي تتعلق بالإنسان و دوره في الحياة و ربطه الماضي بالحاضر و المستقبل، هي نقاشات تعبر عن صميم واقع الأمة ومكانتها في عالم اليوم، و كثيرون من خاضوا هذه الأفكار، و منهم مالك بن نبي و محمد قطب حول الإنسان ككائن يتغيّر عبر الأزمنة ، و دار حولهما جدل كبير، فمالك بن نبي كان السبّاق لطرح هذه القضايا و هو يعالج مشكلة الحضارة باعتبار فارق السن بينه و بين محمد قطب، فهو من مواليد 1905 ، و محمد قطب من مواليد 1919 ، و هذ الفارق الزمني مكن مالك بن نبي من قراءة كثير من الكتب و كبار المفكرين العرب و الغربيين فكانت له رؤية خاصة للمجتمعين ( العربي و الغربي) حيث اشتهر بنظريته "القابلية للاستعمار و بمعادلته الشهيرة : "منتوجٌ حضاريّ = إنسان + تراب + وقت"

أمة إقرأ لم تعد تقرأ

485968468_638720602126755_6697334905696187952_n.jpg

الومضة الفكرية الأولى: الناس لا يقرأون التاريخ
486100026_638720848793397_6355399289615091686_n.jpg


الناس لا يقرأون التاريخ، و من لا يقرأ التاريخ لا يبني حضارة.. هذا ما قاله المفكر المصري محمد قطب.. لا يقرأون التاريخ لأنهم مشغولون بأحداث الحاضر الجسيمة، لا يقرأون غرورا منهم، غرورا يُخيَّلُ إليهم أنهم مقطوعو الصّلة بالماضي كله، لأنهم خَلْقٌ جديد لا شأن له بماضي الإنسان السالف و لا شبه بينهم و بينه، فلا عبرة إذن تُرْتَجَي من قراءة التاريخ، وقد يتواضعون قليلا فيقرأون تاريخ أوروبا الحديثة ( تاريخ النهضة) و يتباهون بحضارتها، هي رسالة وجهها محمد قطب إلى الجماهير ، بما في ذلك جماهير المثقفين، لذلك يقول محمد قطب نحن محتاجين إلى قراءة التاريخ لنرى صورة البشرية على حقيقتها، و لنعرف ماهو الثابت و المتغير في حياة الإنسان، فعندما نقرأ التاريخ نعي شهادة التاريخ و نستخرج منه كل دلالاته، و هذه الدلالات تلفتنا إلى ما هو أعمق من ذلك و أخطر.. إلى الطبيعة البشرية ذاتها.. إلى ذلك الإنسان المتضمن في التاريخ، منذ مجيئ أدم ( عليه السلام) متأثرا بها و مؤثرا فيها على مدار الأجيال، " يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم" ( الآية 6 من سورة الانفطار)، هذا الإنسان الذي نريد أن نفحصه من الداخل و ندخل إلى جوف عقله لنعرف فيما يفكر و نتعرف عليه، باعتباره المجهول الأكبر في قرن الـ: 20 /21 و هو قرن العلم والكشف و العرفان.

يأخذنا محمد قطب إلي كتاب " الإنسان ذلك المجهول" لـ: ألكس كاريل، و هو عالم من علماء الطب و الحياة، و ليس فيلسوفا صاحب نظريات، إذ يقول في كتابه: إننا لا نفهم الإنسان ككل، إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة و حتي هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا، ، فكل واحد منّا مكون من مركب من أشباح تسير في وسطها حقيقة مجهلة، و واقع الأمر أن جهلنا مطبق، فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب، لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة، و هناك أسئلة أخرى لا عداد لها و من ثَمَّ فلا يوجد كيان ثابت للإنسان، و يُفْهَمُ من هذا كله أن مشكلتنا تكمن في أننا لا نقرأ ، و عجبا من "أمة إقرأ لا تقرأ"، لا نقرأ التاريخ و لا نريد أن نتثقف في علم من العلوم، و نترك مناقشة مشكلات الحياة لأهل الاختصاص و كأننا كائنات بلا عقل، فالنبي الأميُّ (صلعم) عندما نزل عليه الوحي، أمره بالقراءة و قال له: " إقرأ " ( فعل أمر) و كررها عدة مرات، فنحن ( الجماهير) لا نعرف شيئا عن الطب مثلا و لا عن الهندسة شيئا ، كما لا نعرف شيئا عن سرّ هذا الكون و سير الكواكب و المجرات، أو لماذا تشرق الشمس من الشرق و لا تشرق من الغرب؟ و أمور أخرى تتعلق بحياة الإنسان و فلسفة وجوده ، و نقول هذا من اختصاص الفلاسفة، فتهنا و ضعنا في دروب الجهل، بحجة أنه ليس لدينا الوقت للقراءة.

الومضة الفكرية الثانية: مالك بن نبي الذي قرأه الغرب قبل العرب
486136787_638720735460075_3897213926403211421_n.jpg

وهذا مالك بن نبي الفيلسوف الجزائري ( المنسي عند بني جلدته) الذي قرأه الغرب قبل العرب، منظر الفكر الحضاري، الذي اشتهر بنظريته "القابلية للإستعمار" و هو يعالج مشلات الحضار ، تطرق غلي كل جوانبها و ما يتعلق بإنسان العصر، و كيف يستعيد نهضته الفكرية و الثقافية، و بناء ذاته من جديد، و الحقيقة أن مالك بن نبي فيلسوف همله الفلاسفة الذين جاءوا من بعده ، عندما زرت الصالون الدولي للكتاب ، شدني كتاب بعنوان "ما بعد مالك بن نبي" للدكتور بشير قلاتي الصادر عن شركة الأصالة للنشر و التوزيع، و كنت ملزمة بشرائه نظرا لاهتمامي بالفكر البنّابي ، فكلما تقرأ عن مفكر ما، يدفعك الفضول لمعرفة الكثير و ما يختزنه العقل البشري من فكر، و رحتُ أطرح سؤالا يتبعه سؤال: هل قرأنا مالك بن نبي...؟ هل قرأنا محمد أركون...؟ و هل قرأنا الجابري...، أو حسن حنفي...؟ و هل قرأنا لمهدي عامل..؟ و برهان غليون...؟ أو ماجد الغرباوي..؟ أو فكر شحرور...؟، الحقيقة هناك أسماء كثيرة لمفكرين و منظرين، لا زلنا نجهلها و لم نقرأ عنها، أسماء خاضت في عالم الفكر و الفلسفة و وضع نظريات لمعرفة جوهر الإنسان و كيف يؤسس حضارته و يكون له وجود ، هو مالك بن نبي الذي جعل الإنسان عنصرا أساسيا في البناء الحضاري من خلال معادلته الشهيرة: (منتوجٌ حضاريّ = إنسان + تراب + وقت)، لقد كان مالك بن نبي شغوفا بالقراءة و المطالعة و الإهتمام بكل شيئ مكتوب مهما كانت طبيعته و اتجاهاته.

إن "أمة إقرأ لم تعد تقرأ"، حتي أنها لا تقرأ تاريخها لتوريثه للأجيال ، فهلكت و تمزقت و تفرقت، و فقدت هويتها و وحدتها و قوتها، و انقسمت إلى جماعات متناحرة، متنافرة، ضعيفة أمام الأخرين .. " و لا تنازعوا فتفشلوا فتذهب ريحكم" ( الآية 46 من سورة الأنفال)، و هو ما سمّاه مالك بن نبي بالتخلف الحضاري، إذ يقول أن التخلف لا يتعلق بالناحية الإقتصادية، بل يتعلق بالحضارة بشكل عام، فكيف لأمّة لا تقرأ أن تبني حضارتها؟ و يكون لها وجود في الزمان و المكان؟، و لذا كان مالك بن نبي يرصد مظاهر الانحراف في المجتمع الإسلامي حتي أصبحت في مجتمعنا ثقافات لا ثقافة واحدة ، هذا المجتمع الذي سقط في ربقة الشخصانية و الشيئية و التكديس، و افتقدت الأفكار من يطبقها و يُحَوّلُهَا إلى مشروع، فالمجتمع اليوم يهتم بالأشخاص و لا يهتم بالأفكار ، فانتهي به الأمر إلى التفكك و الجمود، هكذا أحيلت الأمّة إلى التقاعد المطلق، و أصبحت مستهلكة لا منتجة، تستورد كل ما يصنعه الأخر، في أكلها و شربها و في ملبسها، و في علاج مرضاها، اختصرها مالك بن نبي في شعار واحد هو : "القابلية للاستعمار".

إن قراءة التاريخ و مراجعته تعمل على تحرير العقل البشري من الأوهام و الخرافات، و هذه الأخيرة في الحقيقة هي من صنع البشر نسبوها لأنفسهم، و بعضها صنعها رجال الدّين و نسبوها إلي الله زورا و بهتانا، ليشترون بها ثمنا قليلا، هكذا يعيش الإنسان في حضارة البؤس على حد قول الأديب السوري ندرة اليازجي، حضارة صنعها الغرب و بشهادة ابنائه، فهذا المفكر الفيلسوف و الطبيب ألبير شويتزرA. Schweitzer يقول: و لن تستطيع البشرية المشاركة في التمتع بخيرات الرقيّ المادِّي ما لم تكن في الوقت ذاته متمتعة برعاية أخلاقية، يتقي بها الإنسان شرّ الأخطار التي تقترن بالرقي المادي، كما اعترف وزير خارجية أمريكا في الخمسينيات J. Forster Dulles، في كتابه "حربٌ أم سلام" war or peace ، بفشل الحضارة الغربية ، و يري أنها لم تنجح في توجيه الإنسان و لا في جلب الطمأنينة في قلبه.

هكذا يتغير الإنسان، ما يمكن استنتاجه هو أن الإنسان تتغير صورته و بشهادة هؤلاء، لأن هناك نزعات ثابتة في الفطرة، (نزعة الطعام و السكن و نزعة اللباس وغير ذلك ، و هي نزعات فطرية في الإنسان منذ طفق أدم و حواء يخصفان علي سوأتهما من ورق الجنة إلى الوقت الحاضر ، بما في ذلك صورة الجنس، تتغير و هي في تقلب مستمر، كذلك بالنسبة لنزعة المُلْكِ و التسلط، و ما الحروب التي يشهدها العالم اليوم هي من أجل الحكم، هي نزعة القتال تتغير و تلك هي حياة البشرية في الواقع، فإنسان الغابة كما يقول محمد قطب غير إنسان المرعى و غير إنسان القرية و غير إنسان المدينة و إنسان الحضارة المحدودة غير إنسان الحضارة العالمية، غيره في طريقة التفكير و التصور.

علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى