د. أحمد الحطاب - هذا غضبٌ من الله

هذا التّعبير l'expression أو هذه الجُملة la phrase، كثيرا ما نسمعها هنا وهناك في أحاديثنا اليومية المُتداولة بين الناس. والمقصود منها هو أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يغضب من عباده لما يتمادون في ارتكاب المعاصي، عمداً، ويتمادون، كذلك، في الخروج عن ما رسمه الله لهم من طريق مستقيم le droit chemin. حينها، أي لما يغضب، عزَّ وجلَّ، فإنه يُسلِّط غضبَه على العاصين والمُنحرفين عن الطريق المستقيم، على شكل مصائب calamités ككُورونا 19 وهجوم الجراد، أو على شكل كوارث catastrophes كالزلزال والفيضان والتسونامي وحرائق الغابات…

والآيات التي وَرَدَ فيها فعل "غَضِبَ" أو اسم "غَضَب" كثيرة، أذكر من بينها، على سبيل المثال : "مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" (النحل، 106).

"غَضَبٌ" اسمٌ ومصدر فعل "غَضِبَ". وما تفيده المعاجم والقواميس هو أن اسمَ "غَضَبٌ" له علاقة بالانتقام عندما يتعرَّض شخصٌ ما لضرر من الأضرار، ماديا أو معنويا. والشخص الغاضِب قد يشعر بالإهانة وقد يميل إلى الاعتداء على مَن كان سببا في غضبِه.

ما لم ينتبه له الناس الذين يتداولون مثل هذه التَّعابير، بدون تفكير، هو :

1.أولا وقبل كل شيء، لا يمكن تشبيهُ الغضب الإلهي بالغضب البشري. الغضب الإلهي عبارة عن عدم رِضاه، عزَّ وجلَّ، بالكفر أو الشرك، أو بصفة عامة، عدم الرضا بما يقترفه الناس من ذنوبٍ ومعاصي. بمعنى أنه، سبحانه وتعالى، يريد الخيرَ لعبادِه، أي أنه، عزَّ. جلَّ، يريد أن يُدخلَهم الجنة، بعدما أنعم عليهم بالعقل الذي، إن استعملوه بالطريقة الصحيحة، سيُدرِكون رحمتَه ورأفتَه بهم. ومن أجل تحقيق هاتين الرحمة والرأفة، أنزل الوحيَ على الأنبياء والرسل و وضَّح، من خلال هذا الوحي، طريق الخير وطريق الشر.

2.أن هذه المصائب والكوارث، من الممكن أن تحدثَ في أي مكان من الكرة الأرضية، وفي غالب الأحيان، تأتي بغتةً، أي تأتي في غفلة من الناس.

3.هذه المصائب والكوارث تحدث في البلدان الإسلامية وفي تلك التي ينعتُها بعض علماء وفقهاء الدين بالبلدان الكافرة، أي قد تحدث، كما سبق الذكرُ، في أي مكان من أماكن الأرض.

4. المصائب والكوارث تحدث بغض النظر عن الإيمان والكُفر والشرك. وهذا هو الأهم. بمعنى أن المصائب والكوارث تشمل كافة الناس الموجودين في طريقها، حين وقوعِها. أي أن المصائبَ والكوارثَ ليس باستطاعتها التَّفريق بين المؤمنين والكافرين والمشركين.

وإذا افترضنا أن المصائب والكوارث لا تصيب إلا الكافرين والمشركين، فلماذا فيروس كورونا أصابَ العالَمَ كلَّه، بما في ذلك، العالم الإسلامي؟

وإذا افترضنا أن الكوارثَ هي غضبٌ من الله على الكافرين والمشركين، فلماذا هذه الكوارث أصابت وتُصيب آخِرَ أمَّة آمنت بالله وبرسوله (ص) وهي الأمة الإسلامية؟ أو بعبارة أخرى، لماذا، مثلاً، جميع مناطق الأرض، من المحتمل، أن تتعرَّض للزلازل؟

بعد طرح هذه الأسئلة، ما يمكن افتراضُه، هو أن المصائبَ والكوارث عبارة عن ظواهر طبيعية des phénomènes naturels قد يكون تصرُّفُ الإنسان في الأرض (في الطبيعة)، هو السبب في حدوثِ البعض منها.

وهذا هو ما بيَّنه العلمُ الحديث la science moderne، على الأقل، بالنسبة لواحدة من الكوارث التي تعاني منها اليوم البشريةُ جمعاء، ألا وهي تغيير المناخ الذي يشمَلُ الكوكبَ الأرضي برمَّته. وتغيير المناخ هو الذي أدى إلى ارتفاع درجة معدل حرارة الأرض وإلى اختلال مواعد الفصول…

وهنا يتبادر للذهن السؤال التالي : "هل الله، سبحانه وتعالى، الذي يريد الخيرَ لعباده أجمعين، يُرضيه أن يعاقبَ المؤمنين بسبب ما ارتكبه غيرُ المؤمنين من معاصي وذنوب؟

بالطبع، الله، سبحانه وتعالى، الذي يريد الخيرَ لعباده أجمعين، لا يمكن أن يُعذِّبَ أو يقتلَ عبادَه بتسليطِ المصائب والكوارث عليهم. والدليل على ذلك، قولُه، سبحانه وتعالى: "مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا (الإسراء، 18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (الإسراء، 19) كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (الإسراء، 20).

ما يهمُّني من بين هذه الآيات الثلاثة، هي الآية رقم 20 من سورة الإسراء. في هذه الآية "كُلًّا" تعني مَن سعى للدنيا ونعيمها وحدها، وكذلك، مَن سعى للآخرة وعمل من أجلها. وفعل "نُّمِدُّ" يعني نُعطي و ونضعَ رهن الإشارة. و"مَحْظُورًا" تعني ممنوعا، أي أن عطاءَ اللهِ متاح لجميع عباده، بغض النظر عن مُعتقداتهم.

وقد أكَّد الله، سبحانه وتعالى، هذا العطاءَ حين قال في الآية رقم 6 من سورة هود : "وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ". والدابة هي كل كائن حي يدبُّ، أي يمشي على سطح الأرض. والإنسان دابة تمشي برجلَين على سطح الأرض. وكجميع الدواب، اللهُ، عزَّ وجلَّ، يتكفَّل برزقِه.

فاللهُ، سبحانه وتعالى، لا يمكن أن يتناقض مع نفسه، في القرآن الكريم. يريد الخيرَ لعباده ثم يسلِّط عليهم المصائب والكوارث. والدليل على أنه يريد الخيرَ لعباده، فإنه لا يحب قتلَ المؤمنين. بل يغضب على القاتل ويُعِدُّ له "عَذَابًا عَظِيمًا"، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا" (النساء، 93).

وفي الختام، يبدو لي أنه، من الطبيعي أن يغضبَ الله، سبحانه وتعالى، بعد أن بيَّن للعباد الطريقين. والدليل على ذلك، أنه، عزَّ وجلَّ، يقول في الآية رقم 221 من سورة البقرة : "…أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ".

ثم لماذا يغضب اللهُ، سبحانه وتعالى، وهو الذي يقول، في قرآنه الكريم : "وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" (العنكبوت، 6). بمعنى أنه ليس في حاجة للعالمين، أي للناس جميعا ليُتبثَ وجودَه.

ومرةً أخرى، لماذا يغضَب الله؟ يغضب الله لأنه، كما سبق الذكرُ، يريد الخيرَ لعباده، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ" (الزمر، 7).

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى