د. أحمد الحطاب - الخلط بين الدين والتَّديُّن يؤدِّي إلى الإرهاب الفكري

كل شخصٍ يسعى، بشتى الطرق، إلى فرض آرأئه وأفكاره على الآخرين، دون أن يُعطيَهم، عمداً، الفرصةَ للتَّفكير ولفحص هذه الآراء والأفكار، فإنه يمارس الإرهابَ الفكري le terrorisme intellectuel. وقد يلجأ إلى أساليب إقناعٍ تعتمد إما على القوة أو على التَّرويع والتّخويف والتَّرهيب. وقد يلجأ، كذلك، للإغراء flatterie أو لجعل الناس يعيشون في عالم الأوهام والأحلام.

والإرهاب الفكري كان ملازِما للبشرية منذ القِدم. ولا يزال ملازِما لها إلى يومنا هذا. ولعل أكثرَ مظاهر الحياة التي مُورِسَ ويُمارَس فيها الإرهابُ الفكري، هي السياسة والدين.

السياسي الانتهازي والوصولي، هدفه الأول والأخير، هو الوصول إلى كرسي السلطة. ونادراً ما نجد، في هذا الزمان، ضمنَ الأحزاب السياسية سياسيين نزهاء وأوفياء للوطن، أي شُغلُهم الشاغل هو خدمة الصالح العام. في هذا الزمان، الأحزاب السياسية نفسُها تحمل تسمٍيأتٍ رنانةً، لكن في نفس الوقت، خادِعةً. خادعة لأنها توحي بأن الحزبَ السياسي له إيديولوجيا معيَّنة ومبادئ تنسجم مع هذه الإيديولوجيا. لكن، السياسي، عندما يصل إلى السلطة، ينقلب رأساً على عقبٍ، فتضيعُ منه إيديولوجياه ومبادئه. وينسى ما قاله في الحملات الانتخابية. بل يتفرَّغ لمُمارسة السلطة طِبقاً لإيديولوجيا ومبادئ جديدة لم تكن موضوعَ تصريح أو نقاشٍ أثناء الحملات الانتخابية.

أليس هذا الأسلوب، في ممارسة السياسة، نوعاً من الإرهاب الفكري، قد أقول الهادئ، أي لا يعتمد على القوة لكن، يعتمِد على الإغراء والنفاق والكذب؟

نعم وبكل تأكيد، إنه نوعٌ من الإرهاب الفكري. لماذا؟

أولاً، لأن الوصول إلى السلطة يحتل الصَّدارةَ من حيث أولويات الحزب السياسي. وليس هناك حزبٌ سياسيٌّ واحد يجعل من خدمة الصالح العام وسيلةً للوصول إلى السلطة. بل الأولوية، أولا وقبل كل شيء، هي الوصول إلى السلطة، وخدمة الصالح العام تخضع لمقولة "مُدبِّرُها حكيم".

حينها، كل الوسائل المؤدِّية إلى كراسي السلطة، مُتاحة : الإغراء، النفاق، الكذب، العيش في عالم الأوهام، الرشوة، الغش، التزوير…، أي إرهابٌ فكري هادئ متمثِّلٌ في جعل الناس يؤمنون بأفكار وأوهام و وُعود كاذبة ومخالفة عن الواقع الذي ينتظرهم.

أما إذا كان نظام الحكمِ قائماٍ على الحزب الواحد، كما كان الشأن في الاتحاد السوفيتي، وحالياً، في الصين أو كوبا… حيث الشيوعية، كتيارٍ فكري وكنظام حُكم، تُجبِرُ الناسَ على تبنِّي أفكارها ومبادئها.

والإرهاب الفكري هو أكبر عدوٍّ للديمقراطية وحقوق الإنسان. بل إن كثيرا من الأحزاب السياسية تظهر، من خلال خطابها الموجَّه للجمهور، وكأنها ديمقراطية، لكنها، في العُمق، مستعدة لمُمارسة الإرهاب الفكري، الهادئ أو العنيف، للوصول إلى كراسي السلطة.

أما استعمال الإرهاب الفكري في مجال الدين، فهو مختلفٌ عن استعماله في مجال السياسة. فإذا كان الإرهاب الفكري في مجال السياسة هادئاً شيئا ما، فإنه، في مجال الدين، هائجٌ وجائشٌ. كيف ذلك؟

كل التيارات الفكرية الدينية المُتطرِّفة تحارب، أولا وقبل كل شيءٍ، العقلَ ولا تترك له مجالاً للتَّفكير والتَّحليل. كل أفكارِها وتطرُّفاتها وانحرافاتها تُفرض على الناس، طوعاً أو كُرهاً، أي باللجوء إلى التَّخويف والتَّرهيب والترويع.

بالنسبة لهذه الفئات من المتطرفين الدينيين، الدين ليس أمرا تدور أطوارُه بين خالق ومخلوق، بل تعتبره أمراً اجتماعياً أو جماعياً يجب فرضُه على الناس، طوعاً أو كُرهاً. بل المتطرفون الدينيون لا يعترفون إلا بالدين الذي يؤمنون به. وكل الأديان الأخرى، سماوية أو وضعِية مُصنَفة، حسب اعتقادهم، في خانة الكفر.

والمشكل الأساسي عند هؤلاء ألمُتطرِّفين الدينيين، هو الخلطُ بين الدين والتَّديُّن. الدين هو شرعُ الله الوارد في القرآن الكريم الذي أنزله اللهُ، سبحانه وتعالى، على آخِرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص). أما التَّديُّن، فهو الطريقة التي يلجأ لها الفردُ لترجمة الدين على أرض الواقع.

هذه الطريقة تختلف من شخصٍ إلى آخر، حسب إدراكه الفكري للدين الوارد في القرآن الكريم. وما دام الناس غير متساوين في إدراك الأشياء فكرياً، فإدراك الدين، هو الآخر، غير متساوي بين الأشخاص. وهذا الإدراك هو الذي يستعمله الأفراد للتقرُّب من الله. وما دام هذا الإدراك إنتاجاً فكرياً بشرياً، فإنه يبقى نسبياً ولن يكونَ، على الإطلاق، مثالياً idéal. ولهذا تعدَّدت طُرُقُ عبادة الله. فهناك مَن يتقرَّب من الله أو يعبده بأداء الصلوات في أوقاتها والإكثار من النوافل. وهناك مَن يتقرَّب من الله بقراءة القرآن والإكثار من الأذكار. وبصفة عامة، كل فرد له طريقتُه الخاصة لعبادة الله.

أما عند المتطرِّفين الدينيين، فإدراكُهم للدين يعتبرونه هو الصحيح، وبالتالي، لم يعد هناك فرق بين الدين والتَّديُّن. فالدين هو التَّديُّن والتَّديُّن هو الدين. والأدهى والأمر، هو أن انصهارَ التديُّن في الدين والدين في التَّديُّن، جعل المتطرِّفين الدينيين يعتبرون هذا الانصهارَ هو الدين الحقيقي الذي يجب فرضُه على جميع الناس. دينٌ كلُّه إكراهٌ وترعيبٌ وتخويف وترهيبٌ وقتل وكراهية وانعدام التسامح وبُغض وحِقد وعداوة… انصهارٌ يتناقض جذرياً مع الدين الوارد في القرآن الكريم الذي هو دينٌ لا إكراهَ فيه، متسامحٌ، عدلٌ، معتدلٌ، وسطٌ وسمحٌ.

فلا غرابةَ أن يكون المتطرِّفون الدينيون رادكاليين، أي غير مُتسامحين في حكمهم على الآخرين. إما أن بتبنَّى هؤلاء الآخرون أفكارَهم وفهمَهم للدين (تديُّنَهم) وإما فمصيرهم التَّكفير إن لم يكن القتلُ. وهذا هو ما سارت عليه مختلفُ الفصائل الدينية المُتطرِّفة كداعش وبوكو حرام والنُّصرة والقاعدة…

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى