كاظم حسن سعيد - تقديم (محمود البريكان بين العزلة والتامل) بسمة الصباح - ج(1)

مقدمة
ج(١)


(بسبب عزوفه عن النشر وعلاقاته الانتقائية وتواريه عن الاضواء وشروطه الفنية الصعبة لم ينل الشاعر الرائد محمود البريكان مكانته في الساحة النقدية ولم يكتب عنه في حياته الا سطورا محدودة رغم اعتراف اهم النقاد و شعراء العراق كالسياب بمكانته الفنية وتفرده كشاعر ذي ثيمات غير مطروقة كبحثه التوتر بين الحياة والموت ومواجهة الاسئلة الكونية والميتافيزيقية ومصائر الانسان والاشياء و توفر امكانية فنية متفردة.
وكطبعنا نتفقد جواهرنا بعد تواريها كتبت عن البريكان بعد وفاته درسات اكاديمية آخذة بالازدياد وكتب نقدية ومختارات متواليه منها( الطرق على آنية الصمت اسامة الشحماني ، اطروحة ماجستير و الجملة الشعرية في قصائد البريكان د.ولاء محمود اطروحة دكتوراه ، ومتاهة الفراشة تقديم ومختارات لباسم المرعبي. .البذرة والفأس رياض عبد الواحد...كاتم اصوات الكلمات د.عبد الرضا علي..والبريكان مجهر على الاسرار وجذور الريادة لكاظم حسن سعيد وغيرها ).
كما انشئت حوله ملفات اهمها في مجلة بصرياثيا الادبية ومجلة الاقلام1988 وملف البريكان في انطولوجيا السرد العربي الذي تجاوز 100 مقال ودراسة.
قال لصديقه الاقرب رشيد ياسين( لست لغزا لكن فهمي بالغ التكاليف) وذكر في مقابلة معه ( اصنع قارئا على غراري واترك الاخرين احرارا).
واسر لي شخصيا( سري الصغير الكبير هو اني اتبع نفسي).
هنالك مفاتيح غاية الاهمية لتفهم ادب وشعر البريكان منها انه يتخطى نفسه كتابة باستمرار ومنها قاموسه المتفرد فمفردة مثل( الابد) باشتقاقاتها المتعددة تراها وفيرة في شعره ومثلها كلمات الازل والمجد حتى انه اسمى ولديه ( ماجد وخالد) رغم اعترافه بان( المجد للصخر الذي ليس له معنى).. وقوله( لا مجد للمجد فخذ يا ضياع حقيقتي واسمي).
وعندما استخدم مفردة البسيط بقوله( ما انت بالبسيط
وسوف لن تفهم شيئا من فم القدر).. كان يعني بها المفهوم المسيحي للبساطة اذ يقول ( كونوا بسطاء كاليمام وحذرين كالحيات.).
لكن تفرد قاموس البريكان الشعري يحتاج لدراسة متخصصة وانشاء معجم خاص كما فعل الروس مع شاعرهم بوشكين فيما كانت المفردات غالبا لدى كثير من الشعراء متشابهة.
قال البريكان ( اريد من المفردة ان تكون قريبة من الدقة العلمية وان تحمل طاقة ايحائية).
لقد ابتكر البريكان اساطيره غير المستوردة مثل ( اسطورة السائر في نومه) متحررا من تأثير اليوت واساطيره في الشعر الحديث.
في عمر مبكر 16 سنة نشر محمود البريكان قصائده في اهم المجلات الادبيه مثل مجلة الاديب اللبنانية في الاربعينيات من القرن الماضي.
ولو دققت في قصائد تلك المرحلة كقصيدة غسق والتراب ونظرت لعمره وهو يكتبها ستقر بانك امام شاعر واعد مختلف واستثنائي.
لقد انطلق كاقرانه المعدودين في الاربعينيات من القرن الماضي مما انتهى اليه الشعر الرومانسي الذي بدا مع شعراء المهجر في الربع الاول من القرن العشرين ولقد تجاوز هؤلاء الشعراء الواعدون الارتداد الذي احدثه الرصافي والزهاوي وثبتوا الشعر الحديث الحر تحديدا رغم قرش الكلاسيكية التي انبرت لتحد من اندفاعهم او لتجهض مشروعهم الحداثوي لكنهم اصروا ولقوة الشاعرية تركوا بصمتهم وعمقوا وطوروا منهجهم حتى تقبل الناس الحداثة واصبحت من المسلمات.
لكن السياب كان حالة وسطا بين الكلاسيكية والحداثة متارجحا بينهما فيما كان البريكان خالص الحداثة نتاجا مما جعل تقبله اكثر صعوبة.
ان اهتمام البريكان بالفكر الفلسفي وميله للتامل بالوجود دفعه لوضع كتابه عن فلسفة الرازي الذي ينتظر النور..
وان اهتمامه بالموسيقى دفعه لوضع كتابه عنها يتعلق بتصحيح المصطلح النقدي الموسيقي ..وهو لم يصدر للان.
لقد فقدنا البريكان اثر مقتله بحادث سطو وفقدت مؤلفاته اثر ذلك لكن تم الكشف عنها مؤخرا وجلبها من السعودية وستصدر مجموعته الشعرية الكاملة قريبا.
هذا الكتاب
(محمود البريكان بين العزلة والتامل: دراسة نقدية ) وضعته الكاتبة الواعدة السورية بسمة الصباح تناولت فيه عشرات القصائد المهمة للبريكان مثل النهر الغامض والبدوي الذي لم ير وجهه احد و... مع مختارت من قصائد الشاعر. تناولته بروح شاعرة متذوقة حساسة الالتقاط وهو اقرب لانعكاس ذائقة فنية منه للبحث الاكاديمي واراها وفقت بفك شفرات الكثير من قصائد البريكان والغور بابعادها العميقة.وتسليط الضوء على جمالها.
كاظم حسن سعيد
العراق
2025

مقدمة
(محمود البريكان شاعر الترقب والانطفاء البطيء)
في زاويةٍ خفيّةٍ من الذاكرةِ الشعريّةِ، حيثُ يعلو الصمتُ على الضجيجِ، يقفُ الشاعرُ محمود البريكان شامخاً كشجرةٍ وحيدةٍ على حافةِ الريحِ، يخطُّ قصائدَه كمن يكتبُ قدرَه، بحروفٍ من ظلالٍ وأضواءٍ، وبنبضٍ يُحاكي أنينَ الأشياءِ المُهملةِ في زوايا الحياةِ، تاركاً صوتَه يترددُ في صمتِ العزلةِ.
شاعرٌ لم يسعَ إلى الأضواءِ، أرادَ أن يكونَ صوتًا في العزلةِ، ينسابُ بين الوجودِ والعدمِ، ينحتُ صمتَه العميقَ على صخرةِ الشعرِ الخالدةِ.
اختارَ البقاءَ في الظلِّ، يخطُّ كلماتِه بحذرٍ، وكان غزيرَ الإنتاجِ الأدبيِّ وقليلَ النشرِ، عميقَ الأثرِ في النفوسِ.
لغتُه مسكونةٌ بالتأملِ، بنيانُها متينٌ كقلبٍ يرفضُ الانهيارَ رغمَ صدأ السنينِ.
ليس بشاعرِ الاندفاعِ، بل هو شاعرُ الترقبِ. يقفُ عند حافةِ الأشياءِ، يتأملُها بعمقٍ، يترددُ في النطقِ، فإذا نطقَ، جاءَ كلامُه كشظايا ضوءٍ في عتمةٍ.
البريكانُ شاعرُ التكثيفِ، لا يميلُ إلى الإسهابِ، يعتمدُ على الإيحاءِ والترميزِ، بلغةٍ شعريّةٍ مشحونةٍ بالدلالاتِ، تُحاكي الرؤى أحيانًا، وتتكئُ على الصورِ الحسيّةِ المتجرّدةِ أحيانًا أخرى. يستلهمُ الرمزيّةَ، لكنّه لا يغرقُ في الغموضِ، بل يتركُ شقوقًا في المعنى لإدخالِ الضوءِ.
قصائدُه ترتكزُ على أعمدةٍ خفيّةٍ من الإحساسِ المرهفِ، وتقومُ على التشبيهاتِ المبتكرةِ والاستعاراتِ العميقةِ، وله قدرةٌ فريدةٌ على تحويلِ الأفكارِ العاديّةِ إلى إشاراتٍ فلسفيّةٍ.
تبدو الكلماتُ في شعرِه كحجارةٍ مرصوفةٍ على طريقٍ ضيّقٍ،...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى