د. عبدالجبار العلمي - عن انتفاء الحاجة إلى تعليم الأدب والفن والفلسفة بحجة أنها غير منتجة للثروة

ما أكثر الأمثلة والشواهد والأدلة التي يمكن أن يرد بها المرء على هذا المنطق غير المقبول في أي زمان وأي مكان ، وعند أي أمة أو قبيل. وشاءت المصادفة أن يكون الرد من وحي فيلم شاهدته في إحدى القنوات السينمائية هو الفيلم العالمي الشهير" ميتروبوليس "Metropolis " للمخرج النمساوي العبقري فريتز لانغ Fritz Lang الذي أنتج سنة 1927، وكان قد سبق لي أن شاهدته في زمن الفيديو بعد أن استعرته من صديق مولع بالفن السابع ، له دراية بتحفه الخالدات . والفيلم من صنف الخيال العلمي ، يعد ثاني فيلم من هذا النوع عالمياً. ويتحدث عما سيكون عليه العالم سنة 2026 ، وكيف ستكون المدن الصناعية الكبرى من حيث المعمار الشاهق الغريب ، والازدحام والتلوث ، والتقدم العلمي الخطير ، وانسحاق الإنسان وضآلته إزاء ضخامة الآلة وجبروتها . إن مخرج الفيلم ينبه الإنسانية إلى الوضع الرهيب الذي سيعيشه البشر. ستصبح الآلة هي السيد والإنسان عبداً لها وخادمها ، بدل أن تكون هي خادمته. إنه الفن الرفيع والفكر الثاقب والرؤيا النفاذة ، يقوم بدور تحسيس الناس بالضر الذي يمكن أن يمسهم إن هم تمادوا في اقتراف الشر. أليست هذه هي وظيفة الأديان والفكر والفلسفة والأدب؟ لذلك لن يكف الأدباء والشعراء والفلاسفة عن أداء رسالتهم السامية خدمة لسعادة الإنسان ورقيه ، وسيظل عطاء المبدعين من الأدباء والشعراء والمفكرين والفلاسفة المغاربة سيالاً متدفقاً ، ناشراً أنواره في كل العالم من أجل بناء الإنسان والارتقاء بذوقه وحسه الإنساني الرفيع، رافضاً بكل قوة ووعي، النزول به إلى وهدة الآلية والتشيء. وقد ورد في ذلك الفيلم الإنساني الرائع الجملة الشهيرة التالية التي تتردد في عدة مشاهد من الفيلم : «بين العقل الذي يخطّط ، واليد التي تبني ، يجب أن يكون القلب هو الواسطة». ذلك أن العقل الذي يمثله في الفيلم صاحب فكرة المدينة الصناعية العملاقة ، والعالم الشرير الذي يمثل العلم حين يستخدم في غير صالح الإنسان ، واليد التي تبني ، التي ترمز إلى العمال والصناع والبنائين الذين يعملون في شروط لاإنسانية ، لاتعرف الرحمة ، سوف لا يثمر كل ذلك إلا الدمار وخراب المدينة .ولولا ابن صاحب ومؤسس ميتروبوليس وحبيبته " مارية " اللذان يرمزان في الفيلم إلى العاطفة والروح والمشاعر الإنسانية ، لكان المصير فناء المدينة وغرقها فيما يشبه الطوفان.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى