د. عبدالجبار العلمي -مفهوم الإيقاع في بعض الدراسات الغربية المعاصرة... مفهوم الإيقاع عند هنري ميشونيك(Henri Meschonnic) من خلال كتابه "نقد الإيقاع -ج2

مفهوم الإيقاع في بعض الدراسات الغربية المعاصرة... مفهوم الإيقاع عند هنري ميشونيك (Henri Meschonnic ) من خلال كتابه "نقد الإيقاع" (Critique du rythme

(ج 2)


لقد ورد في موسوعة La petite Encyclopédie de la littérature soviétique أن تعريف الإيقاع موزع في حقول ثلاثة كما يلي :
1 ـ في الجمالية العامة : هو تكرار دوري متساوٍ لحركات متشابهة تتتابع داخل الزمن أو الفضاء ( الإيقاع في الموسيقى ، الإيقاع في المعمار ، وكذلك الإيقاع في الشعر ) .
2 ـ في النقد الأدبي : يسمى إيقاعاً (بدون إعطائه قيمة المصطلح الدقيق عادة ) تلك الترنيمة المرتبة الكامنة في عمل أدبي على كل المستويات البنيوية: " إيقاع الحكي ": "rythme du récit ".
3 ـ في نظم الشعر "Versification " : يعرف الإيقاع بأنه التكرار الدوري الذي يتردد بشكل حتمي لأجزاء متناظرة من الخطاب " . وبصفة عامة فإن الإيقاع داخل حقل الشعر يعرف بنفس تعريف الوزن
ويبدو أن تتبع "هنري ميشونيك" مفهوم "الإيقاع" في القواميس والموسوعات المختلفة ، بالشكل المستقصي الشامل الذي نلاحظه في كتابه الضخم يعود إلى إدراك الرجل مدى الغموض واللبس الذي يكتنف هذا اللفظ الذي نجده يستخدم في مجالات مختلفة ابتداءً من الموسيقى والرقص والشعر والفنون التشكيلية . وانتهاءً بالفلسفة والفلك ، كما يعود إلى رغبته في إزالة هذا الغموض، ومحاولته التمييز بين مفهومي الوزن والإيقاع اللذين لم يكن الناس يفرقون بينهما .
ويدخل المبحث الموسوم بعنوان : " الوزن من أجل الإيقاع " ( ) في هذا الإطار ، حيث نجده يرصد خلاله تطور هذين المفهومين منذ أرسطو وأفلاطون إلى الشكلانيين الروس ور. جاكبسون وغيرهم .
يشير ميشونيك في البداية إلى أن هناك ثلاثة عناصر يشترط عدم الفصل بينها هي :
ـ أولية مفهوم الانتظام في تعريف الإيقاع .
ـ اللبس القائم بين الإيقاع والوزن .
ـ أسبقية الوزن على الإيقاع .
ويلاحظ أن هذه الدائرة ليس لها نهاية طالما أن واحداً من هذه العناصر موجود .
فكيف حدد القدماء والمحدثون مفهومي الوزن والإيقاع ، وكيف تم التمييز بينهما ؟
الوزن عند أرسطو في كتابه " فن الشعر " هو ضرب من الإيقاع ، ذلك " لأن الأوزان هي أجزاء من الإيقاعات " ( ).كان أرسطو يقول : " بأن المحاكاة Imitation وتآلف الأنغام L’harmonie والإيقاع Le rythme أمور موجودة فينا بالطبع "( ).
أما عند أفلاطون فالإيقاع ظل يحمل مفهوم النظام ( Ordre )، والتنظيم ( arrangement ) ، والترتيب
( ordonance ) .وعندما يتعلق الأمر بجوقة أو(لحن جماعي) حيث يتم التركيز على نظام الصوت فإنه يطلق عليه اسم : الأنغام ( harmonie )( ).
وحين نصل إلى الشكلانيين ، نجد " جيرمونسكي " يقول مبرزاً أهمية الوزن : " ليس ثمة إيقاع بدون وزن "( ) وذلك لأنه جعل من العروض جزء اً من الشعرية الأمر الذي لا نجده عند أرسطو ( ). ويعتبره (العروض) " علماً لقواعد الخطاب الفني المحددة لأجل غرض فني "( ).
إن العروض ، يضع دائماً استمرار التنظيم في الصدارة ، في حين يعتبر الإيقاع نوعاً من التغيير أو الانزياح عن هذا التنظيم أوهذه القواعد .
ويرى "ميشونيك" أن هناك تيارين متعارضين وراء الضجة التي أثيرت حول مفهوم الإيقاع والتي نتجت عن لبسه التاريخي . يقول : " لقد كان ريتشاردز أرسطو طاليا .فقد كان الوزن بالنسبة إليه شكلاً خاصا للإيقاع " ( ).
وهذا الجدل ـ كما يؤكد ميشونيك ـ يضع الخطاب برمته في اللعبة ، إنه ينطوي على نظرية للمعنى وللإيقاع أي لعلاقتهما معاً .
إن الوزن بالمفهوم الأرسطوطالي هو محاكاة ، في حين أن المحاكاة عند طوموس تكمن في نظام اللغة وعناصرها الأَولية . فالمثال العروضي يصير مشخصاً بواسطة اللغة . يقول : " كيفما كانت الأداة التي أتكلم عبرها ، فإنني أتكلم انطلاقاً من اللغة نفسها" ( ).ويرى ميشونيك كذلك أن الشكلانيين الروس وعلى رأسهم ر.جاكبسون لم يتوقفوا عن مقابلة نظرية المعادلة المطلقة بين الشعر وروح اللغة ، أي " نظرية العنف المنظم الذي يمارسه الشكل الشعري على اللغة " ( ).
إن جوهر انتظام الإيقاع يتحقق في المثال العروضي حتى ولو ظل هذا المثال مضمراً، ويكفي أن يبقى مبدأ الانتظام قائماً في الشعر ، لكي تكون سيكولوجية التلقي في حالة من الارتياح والبهجة : " الإيقاع هو الانطباع الذي يمكن أن يختبر لانتظام معين داخل عودة أزمنة محددة " ( ) ، والانتظام الأساسي للقياس إذن من الإيقاع الى البحر الشعري .
لقد اتفق كثير من الدارسين الذين اهتموا بدراسة العروض على هذا التعريف للوزن : "نسمي وزنا ذلك التكرار حسب مسافات أو مدد زمنية متساوية لصوت أو حركة " ( ). إن الانتظام الدوري يقصي من الإيقاع اللغة بصفة عامة ذلك أن " الإيقاع لا يوجد إلا في الشعر"( ) ، إنه شكل آخر ، منتشر تجريبياً أكثر منه لسانيا ، ولا يفهم دون فهم تاريخ نظرية الإيقاع . إن تفسيره السيكولوجي هو مفهوم " التوقع " ، توقع العودة ، توقع خيبة أمل التوقع : جمالية المفاجأة هي مظهر آخر للتقابل القطبي للإيقاع والوزن كجوازات شعرية .
إن العودة ـ كما يرى ميشونيك ـ هي معنى الوزن الذي ليس له معنى في حد ذاته ، معنى نفسي أو معرفي .إن الوزن يمكن أن يكتسب معناه من معنى البيت : محاكاة ، تعبيرية . إن التفسير العام يمكن أن نطلبه في علم النفس .
لقد كان "شاتمان" Chatman( ) : يطمح إلى عروض " تجريبي "( emperique )، استقرائي إحصائي (inductive ) الوزن يعبر بالرمز عن العلاقة العامة بين الشاعر وجمهوره، هو إيقاع ثانوي كما يحدد لسانياً .
هكذا نجد أن التجريبية اللسانية ( L’impirisme linguistique ) تتطابق تماما مع نظرية الإيقاع الاول La théorie du rythme premier ) ( ؛ فإذا كان الوزن محاكاة ، وقد كان في البداية محاكاة لإيقاع العالم فإنه عبارة عن حلية فالمفهوم من هنا ، ذو الجمال الشعري لم يكن محدود الانتشار في القرن 18 الذي يقدم لنا شاتمان ( ( Chatman أمثلته منه ، إنه يتغلغل في الجمالية ، حيث يؤسس مفهوم المتعة ، لقد كان كولريدج بدون شك أول من طرح مسألة الوزن التزييني مقدماً العمل الادبي كنظام عضوي." فجميع الأجزاء لكل منظم ينبغي أن تكون شبيهة للأجزاء الأكثر أهمية والأكثر أساسية "( ).فالوزن ليس حلية موسيقية إضافية ، يمكن الاستغناء عنه، بل هو مكون أساسي في بناء القصيدة إلى جانب مكوناتها الأخرى . يقول كولريدج : إن الوزن هو : الشكل الصحيح للشعر الذي يكون ناقصاً معيباً بدونه" ( ).
وقد أخطأ أحد الباحثين العرب ( ) في معرض تعريفه للإيقاع والتمييز بينه وبين الوزن حين حكم على " أي نظام وزني يقوم على الكم وحده .. بأنه خال من الإيقاع " ( )والحقيقة أن البحر الشعري يحتوي بدوره على نوع من الإيقاع .يقول د. سعد مصلوح في رده على الباحث حول هذه القضية بأن " البحر هو نوع من الإيقاع لا مشاحة في ذلك ،كائنا ما كان التعريف الذي نرتضيه للإيقاع ( ) ، ثم يؤكد في نفس ذلك الرد أنه لايخلي البحر من صفة الإيقاعية كونه كمياً أو مقطعياً او مزيجاً من هذه الأنواع ، وليست الصبغة الإيقاعية حكرا لواحد منها دون سائرها كذلك لا يخلي البحر من الصبغة الإيقاعية كونه نموذجاً عاماً أو قالباً مشتركاً بهيمن على القصيدة من خارج ، فهو بنية إيقاعية على كل حال "( )، ثم يحدد تحديداً منطقياً العلاقة بين الوزن والإيقاع مستنداً إلى "Chatman" بقوله : إن" الوزن نوع والإيقاع جنس" فكل وزن إيقاع ولا عكس ( ).

الهوامش: 1743875891002.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى