مصطفى فودة - قراءة فى ديوان "أكثر من متاهة لكائن وحيد" للشاعر محمد السيد إسماعيل سمات أسلوبية وجمالية

"كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة" مقولة عبقرية للصوفى الكبيرالنفّرّي (1)، لا أجد عبارة تنطبق على هذا الديوان وتصفه سوى تلك العبارة العبقرية التى أطلقها أكبر علماء التصوف منذ القرن الرابع الهجرى حتى اليوم ، فالديوان صغير الحجم 49 صفحة يحتوى على 23 نصا يحتوى أكثره على نصوص قصيرة لا تتجاوز الصفحة الواحدة وقليل من النصوص التى تشغل أكثر من صفحة، وهو يحمل من الرؤية المتسعة التى لا تحدها حدود فى كلمات وعبارات موجزة ومكثفة والتى تحوى كثير من المعانى ، يطالعنا غلاف الكتاب (بتصميم الشاعر سمير درويش) برجل شيخ وحيد يجلس على أحد المقاعد العامة ويعطينا ظهره وفى حالة من التأمل أو الحيرة أو المتاهة والغلاف ذو لون بيج ودرجاته والذى ربما يشير إلى مرحلة وسطى بين التفاؤل والتشاؤم، وعنوان الديوان واسم الشاعر بخط كبير بأعلى الغلاف، يحتوى العنوان على عبارتين دالتين هما المتاهة والوحدة ولعله يشير إلى تجربة الذات الشاعرة ومن ورائها الإنسان بصفة عامة والتى تشير إلى متاهاته ووحدته القاسية فى الحياة، على ما سنرى لاحقا " لكننى ظللت أدور فى المكان / حتى كلت خطاى / دون أن أراه / ثم فوجئت – عندما أردت العودة – أننى قد نسيت الطريق / فبقيت واقفا متجمدا فى مكانى .. ربما سبعة أيام "ص45
التناص ( 2)
كان التناص من القرآن الكريم ومن الكتاب المقدس والأساطير والأعمال الأدبية هى السمة الأبرز فى الديوان فمنذ النص الأول يطالعنا بأربعة عبارات تحمل أربعة تناصات هم "كن فيكون"، "وأنت كل ساعة فى شأن" ، "أن أرى ما لا عين رأت"، "كانت أشبه بكلمة الرب" (مقتبس مسيحى)، ومن التناصات التى وردت فى الديوان "كل شئ هالك إلا وجهى" مع تعديل فى عبارة وجهه إلى وجهى لتلائم ما يريد التعبير عنه ، كذلك "أن ترينى ما لاعين رأت / ولا إذن سمعت / ولا خطر على قلب بشر" ( تناص من حديث شريف ) ولكن فى سياق الحب والقرب الحسى من الحبيب ، "أنشق قمر"، "ها هى المدينة الفاضلة"( تناص من مدينة أفلاطون ، "والذين فى بطونهم مرض" مع استبدال بطونهم بقلوبهم بالنص القرآنى ،"سدرة المنتهى" وردت أكثر من مرة فى سياق الحب مع الحبيبة ، "ليلك محروس بإله القمر" تناص مع الميثولوجية الوثنية ، كما هناك تناص من الخرافات الشعبية مثل العرافة، السحر والساحر، الوشم ، كذلك التناص مع الأساطير مثل عبارة "عشبة الخلود" مع أسطورة جلجاميش(3) ، "كأنهما عاكفان على حرام" تناص مع بيت شعر للمتنبى قاله أثناء مرضه بالحمى "إذا ما فارقتنى غسلتنى/ كأنا عاكفان على حرام" ، "سبعة أيام" تناص مع خلق السموات والأرض فى القرآن الكريم، "كذلك التناص مع بعض الأعمال الأدبية مثل مسرحية الخرتيت(4) للكاتب المسرحى الفرنسى من أصل رومانى أوجين يونيسكو ، وعبارة"حتى أنظر ورائى فى غضب" تناص مع مسرحية "أنظر للوراء بغضب"(5) للكاتب البريطانى جون أوزبرون،وهو ما أطلق عليه مسرح الغضب فى خمسينيات القرن الماضى، وهكذا ما من نص إلا وبه عدة تناصات ولكن يلاحظ أن الشاعر عدل من عباراته المتناصة مع الكتب المقدسة جعلها الشاعر فى سياق آخر أغلبه الحب وعشق المرأة والتناصات الأخرى عبرت عن الغضب .
كلمات دالة تكررت كثيرا :
تكررت عبارة اليد وما يتصل بها من أعضاء فى الديوان مثل الأصابع والقبضة عشرات المرات وتكررت بعدد أقل أعضاء العين والوجه والصدر والساقين بحيث أصبحت ملمحا أسلوبيا فى الديوان وقد عبرت عن القوة والإرادة والحب والحنان فعلى سبيل المثال "تقول لى يدك الطيبة"ص5 حيث عبرت عن حنان الحبيبة ، "لم يكن فى يدى سواك" ، "يدى قليلة يدى قليلة وبعيدة" ص15 ،" أجد يدك واحة / وأرى وجهك منقذا من الضلال"ص18 "تضعى كفك اليمنى على رأسى" ص16 تعبير عن حنان الحبيبة، وكلها فى مقام الحب والحبيبة على ما سنرى من السمات الأخرى .
كذلك شكلت الشجرة وما يتفرع عنها من فروع وثمار ملمحا أسلوبيا لافتا بالديوان على سبيل الحقيقة والرمز ففى نص داء الشجرة "ربما كان داء جديدا/ لكن بإى اسم يمكن أن اسميه /هل يمكن لإنسان أن يقع فى حب شجرة؟/ وما الذى يريده منها ؟ / أعضاءها – اقصد أغصانها – التى تنوء بالثمر؟...تحت ظلها الطويل؟"ص13، كذلك السنديانة وهو نوع من الأشجار الضخمة والمعمرة، "وأن أرى وجهك منقذا من الضلال / وتصبحين مقل سنديانة قريبة/ أصلها ثابت وفرعها فى السماء " ص18 فالشجرة قد تكون هنا على الحقبقة وقد تكون رمزا للحياة أو للمرأة وهكذا تحمل الشجرة كثيرا من المدلولات ، وقد اتخذها الشاعر وسيلة لمهاجمة مجتمعه هجوما مريرا دلالة التخلف وكراهية الحياة "الجماعة لا تحب الأشجار/ بظلها الظليل/ تظل تطاردها فى الأماكن القريبة والنائية/ وتجز أعناقها / وتلقى به كالجثث بعيدا عن المدينة" ص27 .
المرأة فى نصوص الديوان :
حظيت المرأة وعشقها والشوق إليها ووصفها بالنصيب الأوفر فى الديوان بل نستطيع أن نقول أن الديوان ماهو إلا بث الذات الشاعرة لأشواقه إلى المرأة بل استخدم ضمير المخاطب كثيرا فى نصوص الديوان لمخاطبة المرأة ففى النص الأول من الديوان يطلق عليها الأميرة " لم تكن الأميرة مجرد نجمة تائهة ..فكيف يمكننى أن أحتمل كل هذا السحر "ص3 وذكر يدها الطيبة وعينها وصدرها الحانى عليه والحنين إليها وشبهها بالنعمة البيضاء وأنه يتطوح فى حبها مثل درويش صغير كما شبهها بالشجرة وأعضائها التى تنوء بالثمر" لكنك تستطيعين بلمسة واحدة /أن ترينى مالا عين رأت / ولا أذن سمعت/ ولا خطر على قلب يشر"ص16 ، بل هى منقذته من الغريق، وهى مثل السنديانة أصلها ثابت وفرعها فى السماء ص18 " دائما ما أتناول جرعة زائدة من الحب "ص19 كما يذكر امرأة بعيدة ظل يحبها عشرين عاما( وكأنه حب عذرى) ، بل تذهب الذات الشاعرة لوصف الحبيبة بعد بعثها بعد الموت وصفا إيروتيكيا فيقول "يالجسمك الابيض/ جسمك الذى تنعكس عليه أشعة الشمس / فيرسل برقه ورعده وأمطاره الدافئة/ لا تخافى/ سيعود هذا الجسم أكثر بهاء / وسيكون لك ألف اسم"ص34 ، كما شبهها بالفاكهة الكثيرة والمعراج إلى السماوات فيقول "سيان/ أن تكون هذه الفاكهة الكثيرة / التى رأيتها فجأة /هى الشرك الذى أقعدنى أخيرا / أو أن تكون هى نفسها/ المعراج الذى صعدنى/ مجذوبا / لسماوات الله"ص36 وهو مزج بين الحبيبة والنصوص المقدسةمثل لكنك تستطيعين بلمسة واحدة /أن ترينى مالاعين رأت/ ولا إذن سمعت / ولا خطر على قلب بشر "ص16، وهكذا نصوص الديوان ملأى بعشق المرأة وحبها وحنانها ولكنه فى بعض النصوص يصفها ( بعض النساء ) بالذئبة الجامحة أو اللبؤة "وهكذا لم يتبق أمامى سوى لبؤة تراقبنى وتتربص بى/ ولا أدرى ماذا افعل/ أينما وليت وجهى أرى عينيها الجاحظتين ومخالبها / المدماة / فأصرخ هذا هو دمى"ص48 .
الجمل الإعتراضية فى نصوص الديوان
ومن السمات الأسلوبية فى نصوص الديوان كثرة الجمل الإعتراضية ( تهدف الجملة الإعتراضية إلى تقوية الكلام أو إيضاحه أوبيانه) فى النصوص وعلى سبيل المثال " فما الذى يغريك –هكذا دائما- فى لعبة الحياة "ص5 ، الطريق الذى ربما ينتهى –دون أن أتنبه، بعد هذا الحنين الطويل- إلى سدرة المنتهى" ص6 ،7 ، 8 ، 11 ، 12 ، 13 ، 15 ، وهكذا ما من صفحة فى الديوان إلا وكان بها جملة اعتراضة بحيث مثلت سمة أسلوبية لافتة بالديوان .
من السمات الجمالية
ومن السمات الجمالية بنصوص الديوان تراسل الحواس فى عبارة " أتذوق نبرات صوتك" حاسة الذوق باللسان مع الصوت بحاسة الأذن، وكذلك الجمل "المشحونة بالمعنى" (6) ومنها " واعتصرت حنينها ونشوتها / وتطوحت فى منتصف المحيط ، والتشبيه فى "الحياة أشبه بقبضة فى الهواء"ص3 ، "جوع دائم..ويدان مغلولتنا"ص11 ، التصوير الحركى كما فى "فرويد نفسه لم يقل هذا / رغم أننى زرته كثيرا/ وشربت قهوته المرة"ص12 ، التضاد والتكرار فى "يدى قليلة يدى قليلة وبعيدة عنى"ص15 ، استخدام اللون الابيض فى وصف الحبيبة مثل "أتامل أناملك البيضاء"ص16،40 ، يا لجسمك الأبيض،ص34 الاستعارة والصورة السريالية فى "وتمشط شعر السحاب"ص39 وما يدل على اللون الاسود مثل الغراب خبيئة الليل ، تصوير بعض من واجهه من البشر بالحيوانات والطيور مثل الغربان والخرتيت واللبؤة والذئبة والفهد وغيرهم من الحيوانات ، كما وظف الشاعر الحلم فى نص "حلم بعيد" حيث حلم الذات الشاعرة بالطيران وهو حلم البشرية منذ قديم الزمان ولكنه وظل معلقا مابين السماء والارض وعجز أن يتحول إلى طائر أو يعود سيرته الأولى .
ختام : كان ديوان " أكثر من متاهة لكائن وحيد" تعبيرا وتصويرا لتجربة الذات الشاعرة والإنسان – على وجه العموم - عن متاهاته فى العصر الحديث الذى اتسم بالحروب والعنف والقلق والحيرة والوحدة وافتقاد كثير من المعانى الإنسانية ، بعبارا ت مكثفة مشحونة بالمعانى والتصوير الحركى ومستعينا بالتشبيه والاستعارة كما ورد سابقا وهى أمثلة قليلة من نصوص غنية بالمعانى والفكر والجمال .
هوامش : * أكثرت من ذكرالشواهد من نصوص الديوان بدلا من نثر معانيه حرصا على الحفاظ على كثافة العبارة الشعرية وجمالها وتذوقها من القارئ، كما أن كثيرا من القراء ليس بين إيديهم الديوان .
1-النفرى هو محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفّرّى من العراق عاش فى عصر الدولة العباسية وهو من أعلام المتصوفة فى القرن الرابع الهجرى عاش بعد محنة الحلاج وقتله فكان زاهدا منعزلا كتوما يتكلم بالرمز والإشارة أشهر كتبه المواقف والمخاطبات أتخذه كثير من شعراء العصر الحديث كرائد لهم فى تجربتهم الشعرية .
2-التناص باختصار مصطلح نقدى يقصد به وجود تشابه أو علاقة بين نص وآخر أو عدة نصوص أو استحضار نص داخل نص أدبى آخر "التناص اصطلاحًا هو العلاقة التي تربط نصًّا أدبيًا بنصٍّ آخر أو استحضار نص .. داخل نص أدبيّ آخر، وهو مُرتبط بوجود علاقات بين النصوص المُختلفة، ويقوم على فكرة عدم وجود نص بدأ من العدم فكلّ نص موجود هو مُعتمد في وجوده على نص آخر إمّا في الفكرة وإما في استخدام التراكيب والألفاظ" مفهموم التناص فى اللغة العربية للأستاذة يارا حسن .
3-ملحمة جلجامش هى مَلحَمة شِعرية من آداب بِلاد الرافِدَين، تُعدّ أقدم الأعمال الأدبية العظيمة وثاني أقدم النُصُوص الدينية المُتبقية من تلك الفترة، بعد نصوص الأهرام .
4-مسرحية الخرتيت للكاتب المسرحى الفرنسى الرومانى المولد أوجين يونسكو يرمز به إلى الأنظمة الشمولية التى سادت قبل الحرب العالمية الثانية .
5-مسرحية انظر للوراء بغضب مسرحية للكاتب البريطانى جون أوزبرن صدرت عام 1956 وتعبر عن الغضب والسخط فى فترة الخمسينيات عقب الحرب العالمية الثانية .
6-عبارة "مشحونة بالمعنى" عبارة رائعة للشاعر الأمريكى إزرا باوند يصف بها الكتابة الجيدة فى الشعر هى الكلمات المشحونة بالمعنى.(ص 17 من كتاب الشعر والتجربة لأرشيبالد مكليش ترجمة سلمى الخضراء الجيوسى) آفاق الترجمة هيئة قصور الثقافة بمصر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى