أحمد رجب شلتوت - الإصغاء إلى مدن لا تبوح بسهولة

tameran mahmoud


أحمد رجب شلتوت
ثمة هاجس واحد في قصص مجموعة “مدن صريحة” للمبدعة “تاميران محمود”، هو محاولة الكشف عما تخفيه المدن والبشر خلف الأقنعة اليومية، فتبدو المجموعة وكأنها مشروع سردي ينحاز إلى الحكاية أولاً، لكنه يستخدمها للكشف عن طبقات خفية من الرغبة والعزلة والذاكرة. فالعنوان نفسه “مدن صريحة” يبدو للوهلة الأولى مفارقاً؛ إذ إن المدن في هذه القصص ليست صريحة بالمعنى المباشر، بل تحتاج إلى راوٍ يزيح عنها طبقات الصمت والتواطؤ.
تقدم قصة “مدن صريحة”، التي منحت المجموعة عنوانها، مفتاحًا لعالم تاميران محمود السردي؛ إذ تبدأ من عزلة الجائحة وموت جار غامض، قبل أن تنفتح عبر دفاتره على مدينة أخرى تسكن الذاكرة. فمن خلال يوميات وحيد السيكي تتجاور القاهرة الحاضرة، وقد أرهقها الخوف والصمت، مع قاهرة قديمة يراها رجل عاد إليها مرارًا ليكتشف أنها لم تعد تشبه المدينة التي عرفها.
تكمن أهمية القصة في المفارقة التي تصوغها نهايتها: فالراوية تقر بأنها لم تعرف جارها حقًا، رغم أنها أمضت الليل تقرأ حياته، بينما يبدو هو، الغريب العائد من المنفى، أكثر قدرة على معرفة المدينة وأهلها. هكذا تصبح القصة التي خلاصة مكثفة لعالم المجموعة، محاولة الإصغاء إلى ما لا تقوله المدن مباشرة، وقراءة الصمت بوصفه شكلًا آخر من أشكال البوح.
والمدينة هي الشخصية المركزية الحقيقية، في قصص المجموعة (الصادرة في 2026 عن بيت الحكمة)، فالقاهرة تظهر بأحيائها وأسواقها وشوارعها وكباريها ومقاهيها وكنائسها وأزقتها بوصفها كائناً حياً يراقب البشر ويعيد تشكيل مصائرهم، إنها مدينة متحولة باستمرار، لكنها تحتفظ دائماً بقدرتها على إنتاج الحكايات.
في قصة “أيام التين والزيتون” يتحول السوق الشعبي إلى خريطة اجتماعية كاملة؛ حيث تتجاور الهويات الجغرافية والطبقية والدينية داخل فضاء واحد، ويتحول السوق إلى نموذج مصغر للمجتمع المصري بكل تناقضاته.
أما في “خطأ وارد” فتصبح القاهرة مدينة تبتلع الفرد وسط أحداث يناير، وتجبره على إعادة تعريف نفسه ومصيره. هنا لا يكون البطل صانع الحدث بقدر ما يكون منجرفاً داخله، وكأن المدينة نفسها هي التي تقوده.
وفي “بروفة” نرى القاهرة الأخرى؛ وسط البلد، المشي، السينمات القديمة، العملات العتيقة، وذكريات الأشخاص الذين مروا فوق الأرصفة. المدينة هنا ليست مكاناً بل طبقات من الزمن المتراكم.
تبدأ المجموعة بقصة “أسطورة المدينة”، وهو اختيار دال للغاية. فالقصة تؤسس منذ البداية لعالم يتجاور فيه الواقعي والأسطوري. السيدة الكسيحة التي تتحول ليلاً إلى فراشة تمنح الحظ ليست مجرد شخصية عجائبية، بل تمثل حاجة المجتمع إلى اختراع معنى للثروة والفقر والنجاح والفشل.
الحكاية هنا تبدو قريبة من الأساطير الشعبية؛ إذ يصدقها الجميع رغم عدم وجود دليل عليها. وتصبح الفراشة وسيلة لتفسير ما يعجز الناس عن تفسيره، لكن النهاية تكشف الوجه الآخر للأسطورة؛ فالفراشة التي منحت الحظ للسيد ميم تتحول إلى نذير موت حين تحط على كتف العروس ضاد في ليلة الزفاف. وبذلك يهدم النص اليقين الخاص الذي شكله، ويؤكد أن الأسطورة لا تمنح تفسيراً نهائياً للعالم. وربما تكون “مدن صريحة” مجموعة عن البشر الذين يحاولون باستمرار اختراع تفسير لحياتهم: أسطورة، حب، ذاكرة، رغبة، حنين، أو حتى خطأ وارد.
تنحاز المجموعة بوضوح إلى الشخصيات الهامشية: بائع الجرائد، عامل السوق، المرأة الوحيدة، المعاق، الخادم، الأرملة، المهاجر، العاشق الفاشل. نجد في القصص بشراً عاديين يحملون أحلاماً أكبر من قدرتهم على تحقيقها، ضاد في “أسطورة المدينة” فتاة تبيع الصحف على الرصيف، لكنها تحمل عالماً كاملاً من الرغبات المؤجلة. والفتاة في “كسرة خبز” تتحول إلى مأساة إنسانية مؤثرة، حيث يتقاطع الحب والعجز والسحر والرغبة المستحيلة، وشخصيات “تحايا” تنتمي إلى الطبقة الشعبية التقليدية، لكن الكاتبة تقترب منها من الداخل، كاشفة عن تعقيدات العلاقات الزوجية خلف الصورة الاجتماعية المحافظة.
وإذا كانت المدينة تخفي طبقاتها، فإن الجسد بدوره لا يبوح بسهولة، فالجسد المعاق في “كسرة خبز” يتحول إلى قدر اجتماعي ونفسي يحدد علاقة البطلة بنفسها وبالآخرين، وفي “تحايا” يصبح الجسد ساحة صراع بين السلطة والرغبة والحب والعنف، حيث تنكشف هشاشة العلاقة الزوجية خلف مظهرها الذي يبدو مستقرا، أما في “دخان بلا نار»” فتأخذ الرغبة شكلاً أكثر قتامة، إذ تتحول إلى فعل مراقبة وتلصص وعزلة، بما يكشف خواء الشخصية أكثر مما يكشف موضوع رغبتها.
كذلك تحضر الذاكرة في معظم قصص المجموعة، كثير من النصوص تُروى من نقطة زمنية متأخرة يعود منها الراوي إلى الماضي، في “أيام التين والزيتون” يبدو السرد كمحاولة لاستعادة عالم السوق القديم وحكاياته وشخصياته، وفي “خطأ وارد” تتحول الذاكرة إلى وسيلة لفهم حدث فارق في الحياة الشخصية والعامة معاً، الراوي لا يحكي عن الثورة بقدر ما يبين أثرها عليه، وكيف بدلت مسار حياته بالكامل
هذا الحضور الكثيف للذاكرة يمنح المجموعة طابعاً حنينياً واضحاً، لكنه يرتبط دائماً بالفقد أو الخسارة أو استحالة العودة.
أيضا تتميز المجموعة بأنها لا تظل حبيسة زمن واحد، فثمة قصص تدور في مصر القديمة كما في كسرة خبز، وقصص تنتمي إلى اللحظة المعاصرة كما في خطأ وارد، وأخرى تنتقل إلى فضاءات خارجية كما في جنازة السيدة التي تدور أحداثها في محيط كنيسة قرب واشنطن. ورغم هذا التنوع يظل الرابط الأساسي، وهو الإنسان في محاولته البحث عن مكان ومكانة العثور على داخل العالم.
تمزج لغة تاميران محمود بين السرد الحكائي البسيط والتفصيل الحسي الدقيق، فاللغة تقترب من الحكي الشفاهي أحياناً، خاصة في القصص ذات الطابع الشعبي، لكنها قادرة أيضاً على التقاط التفاصيل النفسية والوجدانية للشخصيات.
والكاتبة مولعة ببناء قصصها من خلال التفاصيل الصغيرة: رائحة السوق، صوت الباعة، كوب الشاي، العملات القديمة، الكحل، الخبز، الزيتون، الطيور، الجسور، النوافذ. هذه التفاصيل فضلا عن وظيفتها الوصفية، تتحول إلى مفاتيح لفهم الشخصيات والعوالم التي تعيش فيها.
وأخيرا فالمدن ليست صريحة بطبيعتها، وإنما البشر هم الذين يصبحون أكثر قدرة على الكلام حين نقترب من شقوق المدينة وتفاصيلها الصغيرة، فالمدن تبعثر حقيقتها في رائحة سوق، أو عملة قديمة، أو جسد معاق، أو فراشة تهبط في المكان الخطأ. ثم تأتي الحكاية لتجمع هذه الشظايا لتكتشف أن ما يبدو هامشيًا هو في الحقيقة أكثر الأشياء قدرة على الكلام.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى