إسماعيل آل رجب - المحاكاة الساخرة بين اسلوب الكاتب الامريكي روبرت بنشلي والكاتب المغربي عبد الغني تلمم

المقدّمة :

في قصة "خربشات قاتلة"، ينسج عبد الغني تلمم نسيجًا ساخرًا لاذعًا، مستلهمًا روح الكاتب الأمريكي روبرت بنشلي، ليكشف عن تناقضات الواقع الاجتماعي والسياسي في بيئة تُخنق فيها حرية الرأي. القصة، من خلال الشخصية السّاردة التي بدت ساخرة دائما ومُرتبكة احيانا، تتعامل مع قضايا حساسة كالرقابة، النفاق الفكري، والثورة الزائفة، مستخدمةً الفكاهة كجسر لعبور حدود المحظور.

ا. السخرية كمرآة تعكس التناقضات:

تبدأ القصة بانزياح الشخصية الرئيسية عن عائلته نحو "التجوال" في المدينة، في إشارة إلى هروبه من الواقع اليومي إلى فضاءات زائفة للتمرد. المظاهرة الطلابية، التي تبدو في البداية تعبيرًا عن الوعي الثوري، تتحول إلى كوميديا سريعة الانهيار مع ظهور "أصحاب الهراوات"، ليتبدد الزخم الثوري كالدخان. هنا، تُسخر القصة من أداء الاحتجاجات التي تتحول إلى طقوس فارغة، حيث يفرّ المتظاهرون بمجرد ظهور القمع، تاركين الشعارات خلفهم. هذا المشهد يذكّر بأسلوب بنشلي في كشف الهشاشة الإنسانية أمام السلطة، حيث يتحول "النضال" إلى هرولة كوميدية.

2. السخرية من البرجوازية المثقفة!

في انتقال ساخر، يهرب البطل إلى معرض فني، ليصبح فجأة "ناقدًا تشكيليًا". تحليله السطحي للوحة (التي تشبه طبق معكرونة زوجته!) يسخر من النخبة الثقافية التي تختزل الفن في تأويلات فارغة، تُلبس ثوب العمق الفكري. حواراته مع "علية القوم" (كالعجوز التي تربط اللوحة بآلام المهجر، أو المهرج الذي يختزل الألوان الباردة في موت الزوجة) تُظهر كيف يصبح الفن أداة لتعزيز الوهم الطبقي. تحويل اللوحة إلى "رمز للبورجوازية ذات الدم الأزرق" ليس سوى محاكاة لخطاب نقدي مُبتذل، يكشف عن انفصال النخبة عن الواقع الحقيقي، تمامًا كما تنتقد القصة انفصال المثقفين عن هموم الشعب.

3. كاميرات الأعلام أداة تضليل

لا تغفل القصة دور الإعلام في تعزيز التناقضات. انبهار المراسلين بتحليل البطل الساخر للوحة (الذي يُقارَب بـ"لوحة الحرية لدولاكروا") يفضح آلية صناعة الأوهام الإعلامية، حيث تُختزل القضايا الجوهرية في عروض استعراضية. المشهد يُذكّر ببنشلي، الذي كان يعري وسائل الإعلام عبر تسليط الضوء على سذاجة تغطيتها للأحداث.

4. طرقات جويا على الباب

الخاتمة المفعمة بالرمزية تضع القارئ أمام حقيقة مفزعة: رغم كل محاولات الهروب إلى الفكاهة أو النقد الزائف، فإن القمع حاضر. "فرانسيسكو جويا" الذي يطرق الباب (في إشارة إلى لوحته الشهيرة "الثالث من مايو 1808" التي تجسد وحشية القمع) يُجسّد عودة السلطة الباطشة إلى الواجهة. هنا، تتحول السخرية إلى صرخة صامتة: حتى الفن الساخر لا يستطيع الهروب من قبضة الرقابة.

5.البناء الأسلوبي بين الفكاهة والتراجيديا

اعتمد تلمم على لغة سردية سريعة الإيقاع، تتنقل بين المشاهد بسلاسة، كالانتقال من المظاهرة إلى المعرض، ثم إلى المنزل حيث تُبث أخبار اعتقال الفنان. هذا التقطيع السينمائي يعكس تشظي الواقع وانزياح الفرد بين هويات متعددة (متظاهر، ناقد، زوج). الحوارات القصيرة المُطعَّمة بالسخرية (كوصف اللوحة بـ"معكرونة الثلاث صلصات") تعمق المفارقة بين الجدية والهزل.




الرسالة الخفية:

القصة، رغم طابعها الكوميدي، تحمل رسالة تراجيدية: في مجتمع يُكمم الأفواه، تصبح السخرية لغة البقاء الوحيدة. لكنها أيضًا تحذر من تحوُّلها إلى سلاح ذي حدين: فالنقد الساخر قد يتحول إلى لعبة نخبوية تنفصل عن الجماهير، أو يُستَخدم كغطاء للهروب من المواجهة الحقيقية (كما فعل البطل بالفرار من المظاهرة). ومع ذلك، تبقى القصة دعوة لاستعادة الفن والأدب كأدوات لفك شيفرات الواقع، وليس كأقنعة لإخفاء عوراته.




الرأي النهائي :

بعبقرية ساخرة، تنجح "خربشات قاتلة" في تشريح تلمم للواقع، مثل بنشلي، لا يكتفي بإضحاك القارئ، بل يدفعه لمراجعة يقينياته: هل نحن حقًا أحرار في انتقاد النظام، أم أننا نلعب أدوارًا مُعدة مسبقًا في مسرحية السلطة؟ الجواب قد يكون مختبئًا في تلك "الخربشات" التي تلوح بين السطور كطلقات نارية مُغطاة بالضحك.

-----------

القصّة

خربشات قاتلة

قصة قصيرة

تركت العائلة يستفردون بالبحر ورحت أجوب شوارع المدينة لأكتشف مآثرها وموضاتها وسيقانها. بالنسبة لمتزوج ذي ثلاث عيال وقط أحمق، التجوال وحيدا دون النسل هو أشبه بالبعث أو لحظات زيارة سجين. فرحتي اكتملت عندما صادفت مظاهرة طلابية فتذكرت شبابي المهدور وسنوات النضال فرحت ألعن مع اللاعنين الإمبريالية النتنة والرأسمالية المتوحشة. لكن ما أشبه اليوم بالأمس، بمجرد ظهور أصحاب الهراوات حتى تبخرت المبادئ وتبددت الشعارات وبدأت الهرولة.

كل المتظاهرين كانوا يعلمون إلى أين المفر، وحدي أنا كنت كلما ظننتني ابتعدت عن الهراوات أتفاجأ بنفسي أعدو باتجاههم. من حسن الحظ كان في أحد الزقاقات معرض تشكيلي فتسللت إليه واختلطت مع علية القوم. كانوا غارقين في تفحص اللوحات وتبادل النظريات الفنية وتلصص بعضهم على لباس بعض. نفشت شعري وأمسكت عقب سيجار منته وبدأت أمر بين اللوحات راميا نظرات عميقة ونافذة. للأمانة الفنية ذوقي في الألوان كذوق أمي في اختيار كِنتها لكن الوقوف أمام اللوحات وإظهار الإعجاب يوحي بأنك من الطبقة المخملية ولا شيء أحلى من سادية مجانية تخفف الغضب المكنون. بعدما استرجعت أنفاسي وقفت أمام لوحة بها خطوط وبقع أشبه بطبق معكرونة الثلاث صلصات الذي تتقنه زوجتي وصحت:

- "الله الله يا لروعة الإحساس وذكاء الريشة" ثم لوحت بيدي كأن اللوحة وصلت نياط الروح.

سمعني بعض القوم وبدأوا يقتربون مني آملين أن يستكشفوا ما ألهمتني اللوحة دونهم حتى نطقت إحدى العجائز:

- فعلا الفنان أكثر من المنحنيات للتعبير عن الآلام التي صادفته في المهجر.

الظهور بمظهر الفاهم للفن لم يكن حصرا عليها فأجابها مهرج آخر وهو ينفث غليونه:

- انظروا لطغيان الألوان الباردة، حتما هو يرمز لموت زوجته. فعلا هذا ذكاء لافت.

وهم يحللون لوحة المعكرونة إذ بثالث يهمس لي..

- وأنت ميستر إلى ماذا تظن أن الفنان كان يرمز؟

اللعنة! الوغد صاحب شعر الذرة وفراشة العنق البلهاء أحرجني لكنه مسترني أمام الملأ وبات علي تفسير الفن لأهله. تخالطت في ذهني شعارات المظاهرة الطلابية وتعابير اللوحة الطلائية وأجبته باستعلاء:

"عزيزي.. العامة تقف عتند الانطباع الأول للوحة لكننا معشر النقاد أعلم الناس برسائل وإيماءات المبدعين. على عكس لوحاته الأخرى هنا الفنان يرسل رسالة خفية؛ لاحظ طغيان الأزرق الذي يتوهمه البعض بحرا وبرودة مشاعر، إنه يرمز للبورجوازية ذات الدم الأزرق التي تطوق موارد البلد. الخطوط المتكسرة بالداخل هي صرخات المواطنين وما تدرج الألوان المختلفة التي انصهرت في الأحمر الخافت إلا تلميح بديع ودعوة مبطنة لثورة في الأفق"

انشغالي باللوحة أعماني عن تواجد كاميرات المراسلين الذين بقوا مشدوهين أمام تحليلي وكأنهم أمام لوحة الحرية لدولاكروا. الموقف ازداد قتامة بتزامنه مع تعالي شعارات المظاهرة الطلابية وشعارات اليسار الناقم. أما شعر الذرة الذي سألني فتقمص إدوارد مونش وصرخ:

" أبدا أبدا.. لا شيء صحيح مما قاله هذا الأخرق"

لكن القوم كانوا من خلال تعابير وجوههم يرون اللوحة تجسيدا صارخا لما صرحت به فبدأوا ينسلون واحدا تلو الآخر كعبيد إستمان جونسون.

لما رأيت نظرات المراسلين والوشوسات التي عمت المكان علمت أن الأمور آيلة لسجناء فان خوخ فتبخرت من المعرض.

في البيت لقيت زوجتي مسمرة أمام التلفاز مع طبق فشار تقتسمه مع القط عنتر، تتابع لحظات توقيف فنان في معرضه. سألتني منذ متى عملت ناقدا تشكيليا وأنا أسمي الألوان بأسماء الخضر والفواكه. فأجبتها وأنا أرقب الشارع:

"يا امرأة، حين يصبح الفن مرتعا لمن هب ودب فلم يمنع ذلك على النقد؟" ثم طرق فرانسيسكو جويا الباب.

عبد الغني تلمم..................................المغرب

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى