د. محمد الشرقاوي - هل أصبح التطبيع عقيدة دوغمائية!

كان سؤالي إلى عقول القياس في التدوينة السابقة أملًا في بدء حوار جادّ بين مناصري التطبيع ومعارضيه بما يحدد خلاصة منطقية لما بعد هذه الجدلية الهيغلية: "تطبيع مقابل اعتراف ترمب بسيادة المغرب على الصحراء". لكن ما ينال من إمكانية الجدل البناء أن جل المعلقين يميلون إلى اللغط وهدر الطاقة في التخندق داخل هذه السردية أو تلك. ويبدو أن هؤلاء أفضل حالا من فئة أخرى تميل إلى التطاول والشيطنة دونما تفكير متأنٍّ أو سندٍ برهانيٍ في التبشير بمزايا التطبيع.

عندما يكون الضعيف فاقدا للحجة والبرهان، يحوّل النقاش إلى استهداف شخصي أو القفز إلى موضوعات بعيدة كل البعد عن محور السؤال (تركيا، قطر، الجزائر، إيران، وبقية ارتدادات نظرية المؤامرة). وهنا يتضح الفرق بين العقول التي تفكّر والجماجم التي تناطح… فهل من نزالٍ عقلانيٍ؟!

للأسف، يكثر في هذا الفضاء العشوائي وخاصة حول هذه الصفحة عدد من "المجندات" و "المجندين" تحت لواء أجهزة معينة، وهم لا يظهرون صورهم ولا أسماءهم الحقيقية، بل مجرد خيالات لكائنات من فصيلة الخفافيش الليلية، فضلا عن تكاثر "الانكشاريين" الذين يعتقدون أنهم بتعليقاتهم الشاردة يحققون "بطولات من ورق". يدافعون عن نزوات قومية #متعصبة يعتقدون توهّما أنها لبّ #الوطنية وصميم التضامن مع بني دوغمائيتهم الضالة.

تعدّ الدوغمائية من أبسط المغالطات المنطقية وأكثرها بدائية، لأنها لا تدّعي حتى العقلانية. فالمتحدث واثقٌ من يقينه وحقيقته لدرجة أن مجرد الاحتكام إلى العقلانية يُعدّ أمرًا مهينًا ودون مستواهما. هناك ازدراء واضح وجلي للمنطق والعقل والسببية، لأنها دون مستوى الحقيقة المتجاوزة للعقل التي يكشف عنها. وكما قال أحد منظري الدوغمائية الكندي وليام أوسلو: "كلما زاد الجهل زادت الدوغمائية."

هناك فئة ثالثة تستحق لقب "النّگافات"، ممّن يشعرون أن في جماجمهم بعض الجير الأبيض ينفع لتهذيب صورة التطبيع ونشر ثقافة أنه أصبح مسألة "وجودية" بفعل أن إلغاء الرباط التطبيع يعني سحب ترمب الاعتراف. وهذه معادلة توريطية ذاتية أكثر مما كان يخطط له نتنياهو أو كوشنير صيف 2020، عندما سعيا لجر رجل الرباط إلى توقيع الاتفاق الثلاثي خلال حماسة الاحتفال ببشرى اعتراف ترمب.

لم أكن أتوقع أن الأمور ستسوء إلى هذا المنحدر عندما أنشأت الصفحة أول مرة عام 2007. مرت عدة لحظات متنورة عندما يضع أولو الألباب تعليقات تستحق القراءة وتحفّز على الرد، وتعزز الأمل في إمكانية أن نختلف، وأن يظل النقاش خير وسيلة لإدارة الاختلاف وتجيير الهوة بين المفاهيم والمواقف والمعتقدات.

آسف على زمن الانحدار إلى القاع السحيق بشطحات "المجندين" و"الانكشاريين" و"النگّافات". وحتى لا أكون مطبّعا مع تفاهة هؤلاء البؤساء، أبدأ حملة غربلة لمن يضع تعليقات جادة حتى بفكر الاختلاف (وهم موضع ترحيب) ومن يرمي بعبارات شاردة عديمة الجدوى (وهؤلاء حان وقت انقراضهم وإيقاف تلويثهم لنقاء هذه الصفحة).

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى