محمد بشكار - نحملُ همَّ الثقافة و لا تحمِلنا.. !

نحمل هم الثقافة و لا تحمل همنا، نطعمها من لحمنا ورقا نسطره بعروق تقطر بدل الحبر دما، نهبها من وقتنا ما يجعلها في التاريخ سرمدا و لو كان الثمن أن تُقصِّر من عمرنا، و نسهر على ثقافة الوطن بكل ما أوتينا من يقظة لا تضاهيها إلا سعة أعين حراس الحدود، و لكنها لا تورثنا إلا الأرق؛ تُرى متى ستضع السياسة الثقافية ببلادنا نُصْب تفكيرها المثقف المغربي الذي أثقلت جيوبه البطائق دون جدوى..؟

لن تُجدي الكتابة المثقف المغربي فلْساً في آخر الشهر حين يجد تحت الباب صفا من الفواتير المدججة بالأثمنة الباهظة لمواد تدخل في قطاع الحياة؛ الماء و الكهرباء و الإتصالات، لن تجديه حرفا و هو يدس يده التي احدودبت من فرط حمل القلم، في جيب مثقوب لو اقتفيت فجه السحيق لخرَجْتَ للهاوية.. !
لا تُعوزنا في بلدنا الثقافة فالجميع قرأ رُزما من الكتب حتى صرنا برؤوسنا أثقل من مرساة السفينة في بركة آسنة، و لكن نحتاج إلى كرامة المثقف المغربي الذي ما زال يحصد الجوائز الأدبية و العلمية من خارج بلده بينما لا ينال في الداخل إلا الفتات بطريقة مهينة تُذكِّرنا بالمقولة الأثيرة؛( جَوِّعْ كلبكَ يتبعك)؛ لا أحد يستثمر في الثقافة التي لا يعلم ذووا الأموال المنشغلين ببناء الشقق، أن الربح الوفير هو أن نبني عقلا يعود على وطننا بالتفكير السليم، و ليس سجنا من الإسمنت المسلح الذي يحجب شمس المعرفة.. !
أعلم أن النداء لا يصل لآذان بها صمم من فرط ما راكمت من شحوم؛ و لكن مع ذلك أنادي بصوتي الواهن ذوي الأرصدة اللهم لا حسد، أن يطلقوا الجوائز الأدبية التي تُخلد أسماء خدمت البلد بأفكار ما زالت سارية الروح في المدارس و الجامعات و المكتبات؛ أن يفتحوا دورا لنشر الترجمات من كل اللغات؛ أن يؤسسوا من ماليتهم صندوقا يُخصص لدعم المثقفين المغاربة الذين أدركهم المعاش دون أن يتوفروا على معاش، و الذين يريدون التفرغ لإنجاز أعمال أدبية و فكرية فلا يجدون بديلا عن الوظيفة التي تأكل من أعمارهم الوقت الكثير؛ أعلم أنني أحلم و أن الوسادة صارت تحت رأسي أنعم من رياش النعام؛ و لكن أليس من حقي أن أحلم بوطن ينعم فيه المثقف المغربي بكل حقوقه المادية و المعنوية دون أن يحتاج يوما لصدقات المحسنين..؟
أليس من حقي أن أستبق الزمن في الركب الحضاري الذي أنجزت في مضماره الأمم المتقدمة شأوا عظيما حتى صار المثقف عندهم من فرط ما يتمتع بالحقوق التي تكفل له الكرامة يمشي على هواء ترفاً بدل أن يجتر أرجل أفكاره في الوحل..؟
أليس من حقي أن أنصرف إلى القصيدة أو الرواية أو المسرحية أو اللوحة و أنا لا أفكر في ثمن السجائر و كؤوس القهوة التي سأفرغها سوداء في جوفي..؟
لا مراء أن أول لبنة في معمار الديمقراطية هو البدء بالعناية برِؤوسنا ليس تزيينا أو ترييشا عند الحلاق، و لكن بالتعليم و التثقيف و رصد كل الدعم المادي و اللوجيستيكي، لنشر المعرفة في كل أصقاع البلد، هكذا نتخلص من كل الخرافات التي توهمنا أننا شعب متقدم و حضاري فقط لأننا نلبس الجينز و نضع وشما في الذراع أو الرقبة الأحوج لمن يفكها من ربقة الجهل في يوم مسغبة.. !


(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 10 نونبر 2016)


1746341511341.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى