رسائل الأدباء ثلاث رسائل من غادة السمان الى كمال ناصر

الرسالة الأولى
لندن 15/ 4/ 1967
صديقي الغالي كمال
أكتب لك بلا أي مبرر تقليدي؛ ليس بيننا علاقة عمل من أي نوع، ولم أُديّنك أية نقود، ولا أريد منك أية خدمة، ولا أريد أن أثرثر لك عن أحد، أو أطلب منك موجزًا عن فضائح بيروت خلال فترة غيابي.

"الرسائل، بحسب ذائقتي، جنس أدبي مهم يكاد يقارب في مضمونه اليوميات والتذكرات والخواطر، لأن الرسائل تعرّفنا إلى جوانب غير مكشوفة من شخصية صاحبها"

لا، ولا أريد أن أروي لك أخباري، وأصنع منك أذنًا استعرض أمامها (كراماتي) الأخيرة.
أبدًا، أكتب لك بدافع حقيقي كفّ الناس عن الكتابة تحت تأثيره منذ زمن طويل. لقد خطرتَ ببالي. بالضبط فكّرتُ بك الآن وأنا جالسة وحيدة في غرفتي قرب الموقد. تذكرتك بمحبة، وكانت دقائق كثيفة غنية بالحنان تلك التي قضيتها متأملة في شريط معرفتي بك... و[في] صداقتنا الخالصة. وقررت أن أفكر بك بصوت مرتفع، بصوب (خطي) بحيث يصل إلى أذنيك المتعبتين الممزقتين في زحام نقاشات مدببة الكلمات.
ذلك الشاعر الفنان الذي يعيش في جو من الغازات السامة التي تخدر شاعريته حينًا، وتنبهها أحيانًا حتى النزف الأخرس؛ ذلك ألـ (كمال ناصر) يستحق أن يعرف مكانته في قلوب بعض أصدقائه المخلصين.
فلتكن كلماتي هذه لحظة سلام في دوامة العويل التي تعيشَها... أو لتكن مرآة صافية مجردة عن الأغراض، تحمل لعينيك صورة وجهك الحقيقي النبيل الصافي، لتسعد في لحظة نرجسية طفولية برؤيته، وعلى الصورة التي يرونها هم.
ليت رسالتي هذه تصل. ليتك تكون الآن في سجن الدولتشي فيتا (*)، لا في سجن آخر ما.
ودمت
Ghada Samman

*****

الرسالة الثانية
بيروت 30/ 1/ 1968
كمال، أيها العزيز
لا، لم أنسَ. وفور وصولي إلى بيروت اتصلتُ بميشيل وأبلغتُه رسالتك. وتابعتُه... وعلمتُ منه أن محاولات كثيرة تُبذل. والبارحة عاودت الاتصال به لأطمئن.
قال شيئًا غامضًا ومختصرًا موجزه أن الموضوع في أيدٍ أمينة، ولا داعي لمزيد من تدخلي (!)، وقلتُ له إنني سأكتب لك، فطلب مني أن أسألك فيما إذا كنتَ قد قابلت أفراد الوفد اللبناني الذي جاء إلى الأردن كما كان قد طلب إليك؟
المهم، إذا كان هناك ما أستطيع أن أفعله من أجلك، فأنا لن أتأخر، وستظل دومًا ذلك الغالي، وتبقى غادة نفسها.
أما إذا كان كل شيء سيسير على ما يرام (كما أرجو)، ولا لزوم لي، فاكتب لي أيضًا كي أطمئن.
هل اطّلعتَ على التحقيق الذي نقلتُ فيه بعضًا من عباراتك إلى الناس؟ وإن لا، هل يهمك أن أبعث بنسخة إليك؟
ما أخبارك؟
آمل أن تكون بخير وسعيدًا إلى حد أن لا تجد متسعًا من الوقت لترد فيه على رسالتي.
إلى اللقاء
غادة
عنواني: غادة السمان (شخصي)، جريدة الحوادث، كورنيش المزرعة، لبنان، بيروت.

*****

الرسالة الثالثة
بيروت 7/ 4/ 1968
عزيزي كمال
تُرى أين كنت خلال المعركة؟(**)
لا شك في أنك حزين لأنها توقفت... دومًا، ككل الفنانين النبلاء، كنت تنطوي على شخصية انتحارية فريدة... ربما لذلك كنتَ ما تزال على قيد الحياة (لا أدري لماذا أتذكر الآن سهرتنا في الكاسبا مع سميرة عزام، وأختها سهام. ليلتها رفضتُ أنا من باب الدلع أن تلتقط لنا صورة. أليس ذلك مؤسفًا؟ الزمن يمضي والأشياء تتحول إلى ذكرى يا كمال).
كمال، أرجو أن تعتني بصحتك. هذه وصيتي الوحيدة. ألا تعرف أنه لا يحق للذين يعيشون وحدهم أن يمرضوا؟
ماذا جرى بشأن ندوة إنقاذ القدس؟ بعبارة أخرى: متى أراك؟
سألتني عن صديقتي الطرابلسية. لم أرها منذ أكثر من عام، فأنا الآن أعيش قصتي ومشكلتي. إنني أتعلم من أخطائي الصغيرة فقط، أما الكبيرة فأكررها باستمرار!... ماذا كنتُ أقول؟ أجل، صديقتي الطرابلسية؟ إنها بخير، فهي لم تصبح أديبة، ولم تتزوج.
كمال، أكتب لي دومًا. آمل أن أكون نافذتك على العالم. لكنه عالم حقير، ولذا أسدلت الستائر اليوم. ولم أقل لك الكثير عنه.


هوامش:
(*) الدولتشي فيتا: أحد أشهر مقاهي المثقفين في بيروت في ستينيات القرن العشرين المنصرم.
(**) المقصود هو معركة الكرامة التي وقعت في 21/ 3/ 1968 بين الفدائيين الفلسطينيين والجيش الاسرائيلي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى