د. أحمد الحطاب - الاستفزاز الفكري ضروري لتقدُّم وتطوُّر ونهضة المجتمعات

بالنسبة لي وحسب رأيي الشخصي، الاستفزاز la provocation، كمفهوم، نوعان. النوع الأول وهو ما أُسمِّيه "الاستفزاز المجاني" la provocation gratuite. والنوع الثاني هو ما أُسمِّيه "الاستفزاز الفكري" la provocation intellectuelle. فما هو الاستفزاز؟

الاستفزاز هو كل قولٍ أو فعلٍ يقوم بهما شخصٌ ما لإزعاج الآخرين أو دفعهم أو إجبارهم على الدخول في لحظة غضب أو هيجان.

وما أقصده ب"الاستفزاز المجاني" هو كل قول أو فعل يقوم بهما شخص ما، عن سابق معرفة، فقط وحصريا، لإزعاج الغير، أي أن هذا الشخص، هدفُه الأول والأخير، هو إلحاق الضرر بالغير عن قصد. وهذا يعني أن هذا الشخصَ يعرف، حقَّ المعرفة، أن أقوالَه وأفعالَه مُزعجة للغير، لكنه يتمادى في القيام بها. قد يكون هذا الشخصُ شرِّيرا أو عديم الأخلاق أو مريضا نفسيا أو ساديا sadique، أي يحب أن يرى الناسَ في حالة ألمٍ…

أما ما أقصده ب"الاستفزاز الفكري" هو كل قول أو فعل يقوم بهما شخصٌ ما لإجبار الناس الآخرين على تشغيل عقولهم لإدراك ما يريد المٌستفِزُّ الفكري إيصالَه لهم. وتشغيل العقول أمرٌ مرغوبٌ فيه في الحياة الاجتماعية بجميع تجلِّياتها.

غير أن هناك فرقا شاسعاً بين "الاستفزاز المجاني" و"الاستفزاز الفكري". المُستفِزُّ الفكري le provocateur intellectuel هدفُه نبيل بينما المستفزُّ المجاني le provocateur gratuit هدفُه قبيح، أي غير مقبول أجتماعياً وأخلاقياً. المستفزون المجانيون كُثُرٌ. وقد وجدوا في وسائل التواصل الاجتماعي ضالَّتَهم وأصبحوا يستغلون هذه الوسائل استغلالا يوميا لبثِّ سمومهم في المجتمع.

أما المستفزون الفكريون، فهم قلائل. لماذا؟ لأنهم، أولاً وقبل كل شيء، متعفِّفون، أي متجنِّبون لكل سلوك يُسيء للغير. فمَن هم الناسُ الذين، من واجبهم، أن يكونوا مستفزِّين فكريين؟

حسب تقديري الشخصي، الناس الذين، من واجبهم، أن يكونوا مستفزِّين فكريين، هم المُثقفون الأقحاح les intellectuels purs، السياسيون الجرِّئون les politiques audacieux والباحثون العِلميون les chercheurs scientifiques. وهذه الفئات الثلاثة من المستفزِّين الفكريين، من واجبهم، أن يدفعوا عامة الناس أو يُجبِرونهم على تشغيل عقولِهم ليروا ما يحدث في واقعهم اليومي.

المثقَّف القح هو الذي يستغل فكرَه وتفكيرَه لتوعية الآخرين favoriser une prise de conscience حول ما لهم من حقوق وما تليهم من واجبات. وهذه التَّوعية يجب أن تحاربَ الظلمَ l'injustice، الاستبدادَ l'oppression والطغيانَ la tyrannie وكل ما يُلحق الضرر بالآخرين.

أما السياسيُ الجريء، فهو الشخص الذي يطرح للنقاش، العمومي علي الخصوص، القضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يتفادى السياسيون المنافقون الخوضَ فيها. من بين هذه القضايا، أخصُّ بالذكر، مثلاً، التوزيع المُنصف للثورة التي تنتِجها البلاد، محاربة الفوارق الاجتماعية، محاربة الفساد، الاحتكار الاقتصادي، محاربة الريع…

أما الباحث العلمي، وهو ما سأركِّز عليه، فهو الشخص الذي يستفز عقولَ خصومه بأفكاره ses idées وبتجاربه ses expérimentations وبحُجَجِه ses preuves واستنتاجاتِه ses conclusions، الخ.

وما يميِّز الباحثين العلميين، هو إنتاجُهم للأفكار الجديدة، سواءً تعلَّق الأمرُ بالعلوم الدقيقة والطبيعية أو بالعلوم الإنسانية أو غيرها من الاختصاصات العلمية. والأفكار التي يُنتِحها هؤلاء الباحثون قد تقلب رأسا على عقبٍ ما تعوَّدت عليه الأوساطُ العلمية من منهجيات وسياقات. بل قد تقلب رأسا على عقبٍ المسار المنهجي لبعض التَّخصُّصات. هذا إن لم تقلب رأسا على عقبٍ النظريات التي سار عليها البحثُ والتنقيبُ. والأمثلة في هذا الصدد كثيرة.

من بين هذه الأمثلة، سأركِّز على مثال له علاقة بأبحاث عالم الكيمياء والفيزياء، لويس باستور Louis Pasteur الذي هو أول مَن وضع أسُسَ علم الجراثيم la microbiologie .

كان باستور يجد صعوبةً في إقناع نّظرائه العلماء بنتائج أبحاثه. ولعل أشهر قضيةٍ واجه فيها رفْضَ هؤلاء النظراء، هي نظريةُ "الخَلقِ التِّلقائي" génération spontanée التي لها علاقة بالجراثيم. كان نظراء باستور يعتقدون أن الجراثيمَ تنشأ تلقائيا في الأماكن الوسِخة، أي تُخلَقُ من الأوساخ. بينما باستور بيَّن بالدليل أن الجراثيمَ تنشأ من جراثيم كانت موجودة سابقا في الأوساخ. وهو الشيء الذي جعله يرفض رفضا قاطعا أطروحةَ أو نظريةَ "الخَلق التلقائي".

بالنسبة لباستور، الحياة تنشأ من الحياة خلافا لنظرائه الذين كانوا يعتقدون اعتقادا راسخا أن الحياة يمكن أن تنشأَ من عدم، كما هو الشأن للفئران التي تتكاثر في الأزبال. فأين تمثَّل الاستفزاز الفكريُ لباستور؟

في الحقيقة، الصراع قائمٌ بين فئتين من العلماء البيولوجيين علما أن موضوعَ هذا الصراع هو نقاشٌ يدور حول أصل الحياة. فئةٌ رافضة لما جاء به باستور وعلى رأسها عالِمُ بيولوجيا مرموق Félix Pouchet. وفئةٌ مصطفةٌ مع باستور ومقتنِعةٌ بنتائج أبحاثه.

وما جعل الفئةَ الأولى ترفض نظريةَ باستور هو أنها كانت متأثِّرةً بأفكارٍ دينية معتقِدةً أن الحياةَ، إذا توفَّرت لها الظروف الملائمة، يمكن أن تنشأَ من لا شيء، أي من عدم.

غير أن باستور، متسلَّحا باستفزازِه الفكري ومستندا إلى أدِلَّةٍ قطعية، استطاع أن يُزَعزعَ ما تعوَّد عليه نظرائه و واجهَهم واستمر في مساره العلمي. وقد بيَّن الباحثون بعدَه أنه على حق. والدليل على أنه على صواب، هو استمرارُه في القيام بالأبحاث في مجال الجراثيم إذ من نتائج هذه الأبحاث أنه توصَّل إلى إيجادِ لِقاحٍ vaccin ضد مرض السُّعار la rage.

لويس باستور وكثيرٌ من الباحثين العلميين، كان لاستفزازِهم الفكري وقع إيجابي على تقدُّم وتطوُّر ونهضة مجتمعاتهم، بل على البشرية جمعاء. والبلدان المتقدِّمة والمُتطوِّرة هي التي يوجد بها باحثون يشغِّلون عقولَهم ويجبرون، باستفزازهم الفكري، اشتغالَ عقولَ الآخرين.

كم نحن في حاجة ماسة، في أيامنا هذه، إلى مثقفين أقحاح وسياسيين جرِّئين وباحثين علميين لاستفزاز الأغلبية الساحقة من العقول التي، على ما يبدو، تجمَّدت ودخلت في سُبات عميق، لا أحدَ يعرف متى ستستفيق منه.

عقول أصابها الجمود الفكري وتعيش وتحيا لحظةً بلحظةٍ ولا يهمها سوى أنانيتُها ومصالحُها الشخصية التي تبرع فكرياً ولاأخلاقياً في تحقيقها، ضاربةً عرضَ الحائط كل القيم والأعراف الإنسانية.

ومن أسباب جمود العقول، تمسُّك كثيرٍ من الناس بالتَّديُّن المُفرط la religiosité excessive التي أصبحت لها الأولوية على الأنسان. أقول التَّدين وليس الدين. لماذا؟

لأن الدينَ شيءٌ ومُمارستُة هذا الدين شيءٌ آخر، علماً أن الدين لا يوصي بتجميد العقول، بل يخثُّها على الاشتغال الدائم لإدراك ماهيةَ الكون وسَبرِ أسراره. الكل يريد أن يُتوَّجَ تديُّنُه بالجنة، وهذا ما أريده للجميع، لكن بدون تشغيل العقل. فهل فكَّر الناسُ جميعا في نعمة العقل التي خصَّ بها، سبحانه وتعالى، آدمَ وذرِّيتَه؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى