يرى الناقد الفلسطيني د. عادل الأسطة أن بعض النقاد العرب يبالغون أحيانا ويزعمون أن النظريات الغربية لها بذور في النقد العربي القديم. ود. الاسطة يدرس في جامع النجاح الوطنية بنابلس ، وله العديد من الكتب النقدية مثل: دراسات نقدية ، الأدب الفلسطيني والأدب الصهيوني ، ظواهر سلبية في مسيرة محمود درويش الشعرية ، أدب المقاومة.. من تفاؤل البدايات الى خيبة النهايات ، الصوت والصدى.. مظفر النواب وحضوره في الأرض المحتلة ، في مرآة الآخر: استقبال الأدب الفلسطيني في ألمانيا ، وأرض القصيدة: جدارية محمود درويش وصلتها بأشعاره.
- لك العديد من الدراسات النقدية ، كيف تقرأ الخطاب النقدي العربي في اللحظة الراهنة؟
- لا أزعم أنني اطلعت على الدراسات النقدية العربية كلها حتى أصدر حكما اطمئن إليه. هناك نقاد عرب كثر في المشرق والمغرب ، ولهم اجتهاداتهم ، وغالبا ما تجد الرأي والرأي المغاير ، فليس ثمة اتفاق في قضايا نقدية عديدة أو حول منهج نقدي معين ، وهذا أمر طبيعي ، فالمشارب التي شرب منها هؤلاء النقاد متعددة ومختلفة ، بل ومتناقضة أحيانا كثيرة. هناك نقاد عرب درسوا في فرنسا ، وآخرون في ألمانيا ، وهناك نقاد عرب درسوا في أمريكا وبريطانيا ، هذا عدا النقاد العرب الذين انطلقوا من منطلق تراثي ، إذ قرأوا تراثنا النقدي واعتمدوا عليه. إن المشهد النقدي العربي المعاصر هو فسيفساء من مدارس نقدية عديدة ، معاصرة وقديمة. ثم إنه ليس مشهدا راكدا ، فهو متحرك يتأثر بكل ما يستجد على الساحة النقدية العالمية.
هل أبالغ حين أذهب إلى أن الناقد فينا ، بخاصة الجيل الجديد ، جيل التسعينيات ، هو ثمرة المناهج النقدية المعاصرة كلها. ربما أتحدث عن أدواتي النقدية. أنا قرأت المناهج القديمة والجديدة ، قرأت المنهج الاجتماعي والمنهج النفسي ، وقرأت البنيوية والتفكيكية ونظرية التلقي ، وأفيد في كتاباتي النقدية منها كلها. إنني لا ألتزم بمنهج واحد أطبقه دائما.
وأنا أتابع المشهد النقدي العربي في المغرب وفي المشرق ، ألاحظ مدى إفادة الجيل الجديد من الحركة النقدية العالمية المعاصرة ، ترجمة وتأليفا ، لدرجة أن هناك كتبا نقدية كثيرة غدت تتحدث عن الشيء نفسه ، ما أوقع أصحابها في التكرار. وما ألاحظه أيضا أن هناك غير وجهة نظر حول المنهج النقدي نفسه ، ففلان يزعم أنه بنيوي ، ويطبق هذا المنهج في دراساته ، ولكن ناقدا آخر يأتي وينقض فهم الناقد السابق.
- النقد العربي معظمه ينطلق أو يعتمد على النظريات الغربية في النقد ، هل ثمة مفهوم نقدي عربي يمكن البناء عليه؟
- أوافقك الرأي ، ولكن هناك نقادا عربا يبالغون أحيانا ويزعمون أن النظريات الغربية لها بذور في النقد العربي القديم ، وهكذا تجد من يتحدث عن بنيوية عربية ، بل وتقرأ كتبا عن أصول التلقي في النقد العربي القديم. الطريف واللافت أن هؤلاء الذين يتحدثون عن هذا ما اكتشفوا هذا من قبل ، وهذا هو مقتلهم. لماذا فعلا لم يتحدثوا عن بنيوية عربية قبل أن يتحدث (بارت) عنها؟ ولماذا لم يخوضوا في تلقي النصوص قبل (هانز روبرت ياوس) و(فولفجانج ايزر)؟ ولماذا لم يكتبوا نظريا عن الراوي والمروي عليه وينظروا له قبل قراءة (جيرالد برنس)؟ الآن تجد دراسات عديدة عن المروي والمروي عليه في المقامات وفي الإمتاع والمؤانسة ، ولكنها كلها أنجزت بعد قراءة (برنس). على أية حال ، واعتمادا على مقولات نظرية التناص ، ومقولات (ميخائيل باختين) ، فليس هناك كلام بريء ، كلام أنشأه صاحبه دون أن يتأثر بسابق. وبتواضع يمكن القول: أن النقد العربي المعاصر هو فسيفساء من النقد القديم والمعاصر ، العربي وغير العربي. هناك نقاد ينطلقون من التراث ، وهناك نقاد يعتمدون على النظريات الغربية ، وثمة نقاد يزاوجون. هناك نقد عربي قديم ، ولكنه وحده لا يكفي ، إذ هو أصلا ، في جانب منه ، يعتمد على النقد اليوناني القديم. لقد تأثر النقاد العرب القدامى بما ترجم إلى العربية في العصر العباسي. وما أنجزه ابن سلام في طبقات الشعراء ، قبل حركة الترجمة ، يعد نقدا بسيطا.
- قرأت الأدب الفلسطيني والأدب الصهيوني ، ما الذي خلصت إليه من نتائج في هذه القراءة؟
- لم أقرأ الأدب الصهيوني بلغاته. الأدب الصهيوني كتب بالعبرية وبالإنجليزية وبالألمانية ، وقرأت بعض ما كتب بالأخيرة ، وبعض ما ترجم إليها ، من العبرية والإنجليزية ، وليست قراءاتي منهجية على أية حال. كان غسان كنفاني قرأ الأدب الصهيوني المكتوب بالإنجليزية والمترجم إليها ، ومثله معين بسيسو ، وقد كتبا رادين عليه ، محاولين نقضه. وكانا سباقين في هذا.
وأنا أقرأ الأدب الفلسطيني ، وتحديدا وأنا أقرأ نصوصا لدرويش وطوقان (إبراهيم) وبسيسو وكنفاني ، لاحظت أن نصوصهم لا تخلو من الرد على الأدب الصهيوني الذي قرأوه. وهكذا عدت إلى النصوص التي قرأوها والتي أنجزوها وقارنت بينها ، لأكتشف أن النصوص الصهيونية مُكَوّنّ من مكونات الأدب الفلسطيني. ما ساعدني أيضا قراءاتي بالألمانية لبعض الكتب مثل كتاب (ثيودور هرتسل): أرض قديمة - جديدة ، وقراءاتي للترجمات إلى الألمانية والعربية.
لقد خلصت إلى أن الأدب الفلسطيني ، في جانب منه ، بخاصة لدى أدباء مشهورين ما كان ليكون لولا قراءة أصحابه للفكر الصهيوني ولنصوصه الأدبية وغير الأدبية. لقد كان الأدباء الفلسطينيون يخوضون حربا على الجبهة الثقافية ، في الوقت الذي كان فيه الفدائيون والمقاومون يخوضون الحرب على أرض الواقع. وأعتقد أنني التفت إلى هذا الجانب التفاتا بارزا ، ولو كنت أجيد العبرية لأنجزت الكثير.
غسان كنفاني ومعين بسيسو ومحمود درويش لهم إسهاماتهم في هذا الجانب ، داخل نصوصهم النثرية والشعرية ، وفي بعض كتبهم أيضا. كلنا يذكر كتاب كنفاني: في الأدب الصهيوني ، وكتاب بسيسو: في الرواية الإسرائيلية المعاصرة ، ومحمود درويش في كتابه: يوميات الحزن العادي. صحيح أن الأخير كتاب نثري ، لكن بعض مقالاته ما كانت لتنجز لولا قراءة درويش للأدب العبري. وعلى فكرة هناك مقالات نشرها درويش في مجلة الجديد ، حين كان محررا لها ، كان يرد فيها على الأدباء الصهيونيين ، فقد أجاد العبرية ، وهو بذلك يختلف عن كنفاني وبسيسو ، في أنه قرأ نصوصا عبرية باللغة الأم.
- درست الظواهر السلبية في مسيرة محمود درويش الشعرية: أين تكمن برأيك هذه الظواهر؟
- نعم ، ولكني درست جوانب أخرى كثيرة في أشعار درويش غير الظواهر السلبية. درست جداريته وأنجزت عنها كتابا كاملا عنوانه: "أرض القصيدة: جدارية محمود درويش وصلتها بأشعاره". وأعدت قراءة قصيدته: رحلة المتنبي إلى مصر ، وتابعت أعماله كلها الصادرة بعد العام 2000 ، ما جعل محمود يبلغني ، كما قال لي بعض الشعراء ، أن كفى كتابة ، ربما مثلا يظن القراء والشعراء أنني من أنصاره. ولا أدري إن كان ما نقله لي هؤلاء صحيحا. عموما أنا تعمقت في أشعار محمود درويش ، ولو قرأته وقرأت غيره في الوقت نفسه ، بالمقدار نفسه ، لكانت قراءاتي عابرة وسطحية ، وتعلمت مما جرى أن هناك ضرورة للناقد أن يتابع شاعرا أو بضعة شعراء ، ويكتب عن نتاجهم حتى يتعمق فيهم ، وحتى لا يغدو عارض كتب ، حين يكتب.وأنا أتتبع أشعار درويش ومواقفه لاحظت أنه كان يتخلى عن قصائد أو مقاطع من قصائد ، ليس لأسباب جمالية فقط ، كما كان يقول ، وإنما لأسباب سياسية أيديولوجية. طبعا كان درويش يقول إن من حقه أن يفعل ذلك ، وأنا قلت أن من حق القراء أن يعرفوا ما هو المحذوف وما هي أسبابه.
- يقال بأن قصيدة المقاومة بدأت متفائلة وكان لها دورها التحريضي. هل ما زالت هذه القصيدة متوهجة أم أنها تراجعت وخفت توهجها؟
- نعم ، بدأت القصيدة متفائلة وكان لها دورها التحريضي ، وكل من يتابع المقاطع الشعرية التي كتبها درويش وزياد والقاسم وآخرون من شعراء المقاومة يلحظ هذا ، وقد توقف أمام هذه الظاهرة غسان كنفاني في كتابه "أدب المقاومة في فلسطين المحتلة" ودرس أبعاد شعر المقاومة ومواقفه ، ولاحظ أن الشعراء كانوا يؤمنون بأهمية الكلمة ودورها في الكفاح. وكان ذلك يوم كانت الحركة القومية العربية في صعود ، ويوم كان الاتحاد السوفييتي يناصر حركات التحرر ، ويوم انبثقت المقاومة الفلسطينية قوية. لكن إلامَ آل الأمر؟ انهار الاتحاد السوفييتي ، وخسرت الحركة القومية قلاعها ، وضعفت المقاومة ، وامتد العمر بالشعراء. لقد غدوا شيوخا. وأرى أن هذه العوامل تركت أثرها على القصيدة فخفتت وفقدت بريقها وتوهجها ، هذا عدا أن بعض الشعراء غيروا موقفهم من مفهوم أدب المقاومة ، فلم يعودوا ينظرون إليه على أنه ذلك الأدب الذي يحفل بالفعل قاوم وكافح وناضل وبمفردات: فدائي ودبابة ورصاصة ، وقتل. درويش مثلا أخذ يرى في كتابة قصيدة جيدة فعل مقاومة.
عموما لقد تتبعت أشعار درويش والقاسم ودحبور ومريد البرغوثي وعلي الخليلي وآخرين ، وقارنت أولاها بما كتب بعد مدريد وأوسلو ، ولاحظت هذا. لقد كانت البدايات متفائلة ، فيما غدت النهايات تعبر عن خيبة.
وإذا ما نظر المرء في قصائد يكتبها الجيل الجديد من الشعراء ، الجيل الذي نشأ في مرحلة السلام ، فإنه يلحظ قصائد يعبر فيها كاتبوها عن هموم وقضايا ذاتية. حتى قصائد انتفاضة الأقصى المقاومة لم تشكل تيارا شعريا مقاوما ، فسرعان ما خفت توهج الحدث.
- ما هي المؤثرات على المشهد النقدي والإبداعي الفلسطيني في ظل الاحتلال؟
- ربما يكون كسلنا أهم مؤثر. الاحتلال هو الاحتلال منذ أربعين عاما وعام ، وربما زالت الأسباب القديمة التي كانت بالفعل تؤثر سلبيا. كان الاحتلال يترك أثراً سلبيا قبل العام 1994 ، لكنه ما عاد كذلك منذ مجيء السلطة وتحقق ثورة المعلومات ، فالمنع والرقابة وعدم وصول الكتب ، وهي مؤثرات تركت أثرها على المشهد النقدي والإبداعي حتى العام 1994 ما عادت موجودة. الآن نحن نكتب ما نريد ، هنا وهناك ، وما عاد الاحتلال يعتقل ناقدا أو أديبا ، وما عاد يمنع توزيع صحيفة أو طباعة كتاب ، كما كان يفعل من قبل. وأنت في منزلك تتواصل مع العالم كله ، وتكتب ما تريد ، وتنشره في عشرات المواقع.
إن الحديث عن مؤثرات سببها الاحتلال ما عاد ذا طائل. ربما تركت الأوضاع البائسة التي نحياها أثرها على المشهدين النقدي والإبداعي. وهذه الأوضاع تعود إلى عوامل الاحتلال عامل فيها. قد يكون الأساس. تخيل أن بعض الكتاب ، مثل الشاعر باسم النبريص ، قرر ألا يكتب لا لأن الاحتلال هدده ، وإنما لأن منزله قصف بصاروخ بعد 15 ـ 6 ـ 2007 - أي بعد سيطرة حماس على القطاع.
ربما تكون ثقتنا بأنفسنا ما عادت كما كانت. محمود درويش قال بعد 15 ـ 6 ـ 2007 "أنت ، منذ الآن ، غيرك" وقال: من قال إننا استثناء. ثمة نقد ذاتي نمارسه أحيانا ، لأننا مقتنعون أننا نحن مسؤولون عما ألنا إليه أيضا. لا نبرئ أنفسنا. وربما آثر بعض الكتاب والنقاد الصمت والانزواء. على العموم الحركة الثقافية لدينا الآن هادئة لدرجة الضعف ، وقليلة هي الأعمال اللافتة ، وقليلة هي الأسماء التي تواصل الكتابة وتثبت حضورا بشكل مستمر.
لا يعني ما سبق أننا منقطعون في مشهدنا النقدي عن المشهد النقدي العربي المعاصر. هناك تواصل وإطلاع ، لكنه ليس كما يجب.
- العام القادم 2009 عام القدس عاصمة للثقافة العربية ، ماذا بخصوص هذه الاحتفالية ، وما هي تصوراتك لها وخاصة أن القدس تعيش تحت الاحتلال؟
- قبل العام 1987 كانت القدس عاصمة للثقافة الفلسطينية. كانت الجرائد تصدر فيها ، وكانت أهم دور النشر ، مثل دار نشر صلاح الدين ، فيها. وما عاد الأمر كذلك منذ ,1991 غدت القدس محاصرة ، وما عدنا نصل إليها ، ومع مجيء السلطة بدأت الصحف تصدر في رام الله ، وكذلك فقد برزت دور نشر جديدة ، غدا موقعها في رام الله ، وآلت دور النشر القديمة إلى موات. أنا مثلا لم أتجول في شوارع القدس التي كنت أزورها أسبوعيا ، لم أتجول فيها منذ العام ,1992 والآن نتساءل: إذا ما جرت فعاليات القدس عاصمة للثقافة العربية في العام 2009 ، فكيف يمكن أن نصل إليها ، وكيف يمكن أن يصل إليها المثقفون العرب الذين يرفضون التطبيع مع إسرائيل. لا أدري إن كنا فكرنا جيدا في الأمر ، وإن كان الإعداد له كافيا. إذا كانت الفعاليات ستجري في مدن الضفة ومدن الدول العربية تحت يافطة: القدس عاصمة للثقافة العربية ، فهذا شأن آخر ، وربما تنجح الفعاليات ، أما إذا كانت ستجري في القدس نفسها ، فلا أظن أن النجاح سيكتب لها.
- لك العديد من الدراسات النقدية ، كيف تقرأ الخطاب النقدي العربي في اللحظة الراهنة؟
- لا أزعم أنني اطلعت على الدراسات النقدية العربية كلها حتى أصدر حكما اطمئن إليه. هناك نقاد عرب كثر في المشرق والمغرب ، ولهم اجتهاداتهم ، وغالبا ما تجد الرأي والرأي المغاير ، فليس ثمة اتفاق في قضايا نقدية عديدة أو حول منهج نقدي معين ، وهذا أمر طبيعي ، فالمشارب التي شرب منها هؤلاء النقاد متعددة ومختلفة ، بل ومتناقضة أحيانا كثيرة. هناك نقاد عرب درسوا في فرنسا ، وآخرون في ألمانيا ، وهناك نقاد عرب درسوا في أمريكا وبريطانيا ، هذا عدا النقاد العرب الذين انطلقوا من منطلق تراثي ، إذ قرأوا تراثنا النقدي واعتمدوا عليه. إن المشهد النقدي العربي المعاصر هو فسيفساء من مدارس نقدية عديدة ، معاصرة وقديمة. ثم إنه ليس مشهدا راكدا ، فهو متحرك يتأثر بكل ما يستجد على الساحة النقدية العالمية.
هل أبالغ حين أذهب إلى أن الناقد فينا ، بخاصة الجيل الجديد ، جيل التسعينيات ، هو ثمرة المناهج النقدية المعاصرة كلها. ربما أتحدث عن أدواتي النقدية. أنا قرأت المناهج القديمة والجديدة ، قرأت المنهج الاجتماعي والمنهج النفسي ، وقرأت البنيوية والتفكيكية ونظرية التلقي ، وأفيد في كتاباتي النقدية منها كلها. إنني لا ألتزم بمنهج واحد أطبقه دائما.
وأنا أتابع المشهد النقدي العربي في المغرب وفي المشرق ، ألاحظ مدى إفادة الجيل الجديد من الحركة النقدية العالمية المعاصرة ، ترجمة وتأليفا ، لدرجة أن هناك كتبا نقدية كثيرة غدت تتحدث عن الشيء نفسه ، ما أوقع أصحابها في التكرار. وما ألاحظه أيضا أن هناك غير وجهة نظر حول المنهج النقدي نفسه ، ففلان يزعم أنه بنيوي ، ويطبق هذا المنهج في دراساته ، ولكن ناقدا آخر يأتي وينقض فهم الناقد السابق.
- النقد العربي معظمه ينطلق أو يعتمد على النظريات الغربية في النقد ، هل ثمة مفهوم نقدي عربي يمكن البناء عليه؟
- أوافقك الرأي ، ولكن هناك نقادا عربا يبالغون أحيانا ويزعمون أن النظريات الغربية لها بذور في النقد العربي القديم ، وهكذا تجد من يتحدث عن بنيوية عربية ، بل وتقرأ كتبا عن أصول التلقي في النقد العربي القديم. الطريف واللافت أن هؤلاء الذين يتحدثون عن هذا ما اكتشفوا هذا من قبل ، وهذا هو مقتلهم. لماذا فعلا لم يتحدثوا عن بنيوية عربية قبل أن يتحدث (بارت) عنها؟ ولماذا لم يخوضوا في تلقي النصوص قبل (هانز روبرت ياوس) و(فولفجانج ايزر)؟ ولماذا لم يكتبوا نظريا عن الراوي والمروي عليه وينظروا له قبل قراءة (جيرالد برنس)؟ الآن تجد دراسات عديدة عن المروي والمروي عليه في المقامات وفي الإمتاع والمؤانسة ، ولكنها كلها أنجزت بعد قراءة (برنس). على أية حال ، واعتمادا على مقولات نظرية التناص ، ومقولات (ميخائيل باختين) ، فليس هناك كلام بريء ، كلام أنشأه صاحبه دون أن يتأثر بسابق. وبتواضع يمكن القول: أن النقد العربي المعاصر هو فسيفساء من النقد القديم والمعاصر ، العربي وغير العربي. هناك نقاد ينطلقون من التراث ، وهناك نقاد يعتمدون على النظريات الغربية ، وثمة نقاد يزاوجون. هناك نقد عربي قديم ، ولكنه وحده لا يكفي ، إذ هو أصلا ، في جانب منه ، يعتمد على النقد اليوناني القديم. لقد تأثر النقاد العرب القدامى بما ترجم إلى العربية في العصر العباسي. وما أنجزه ابن سلام في طبقات الشعراء ، قبل حركة الترجمة ، يعد نقدا بسيطا.
- قرأت الأدب الفلسطيني والأدب الصهيوني ، ما الذي خلصت إليه من نتائج في هذه القراءة؟
- لم أقرأ الأدب الصهيوني بلغاته. الأدب الصهيوني كتب بالعبرية وبالإنجليزية وبالألمانية ، وقرأت بعض ما كتب بالأخيرة ، وبعض ما ترجم إليها ، من العبرية والإنجليزية ، وليست قراءاتي منهجية على أية حال. كان غسان كنفاني قرأ الأدب الصهيوني المكتوب بالإنجليزية والمترجم إليها ، ومثله معين بسيسو ، وقد كتبا رادين عليه ، محاولين نقضه. وكانا سباقين في هذا.
وأنا أقرأ الأدب الفلسطيني ، وتحديدا وأنا أقرأ نصوصا لدرويش وطوقان (إبراهيم) وبسيسو وكنفاني ، لاحظت أن نصوصهم لا تخلو من الرد على الأدب الصهيوني الذي قرأوه. وهكذا عدت إلى النصوص التي قرأوها والتي أنجزوها وقارنت بينها ، لأكتشف أن النصوص الصهيونية مُكَوّنّ من مكونات الأدب الفلسطيني. ما ساعدني أيضا قراءاتي بالألمانية لبعض الكتب مثل كتاب (ثيودور هرتسل): أرض قديمة - جديدة ، وقراءاتي للترجمات إلى الألمانية والعربية.
لقد خلصت إلى أن الأدب الفلسطيني ، في جانب منه ، بخاصة لدى أدباء مشهورين ما كان ليكون لولا قراءة أصحابه للفكر الصهيوني ولنصوصه الأدبية وغير الأدبية. لقد كان الأدباء الفلسطينيون يخوضون حربا على الجبهة الثقافية ، في الوقت الذي كان فيه الفدائيون والمقاومون يخوضون الحرب على أرض الواقع. وأعتقد أنني التفت إلى هذا الجانب التفاتا بارزا ، ولو كنت أجيد العبرية لأنجزت الكثير.
غسان كنفاني ومعين بسيسو ومحمود درويش لهم إسهاماتهم في هذا الجانب ، داخل نصوصهم النثرية والشعرية ، وفي بعض كتبهم أيضا. كلنا يذكر كتاب كنفاني: في الأدب الصهيوني ، وكتاب بسيسو: في الرواية الإسرائيلية المعاصرة ، ومحمود درويش في كتابه: يوميات الحزن العادي. صحيح أن الأخير كتاب نثري ، لكن بعض مقالاته ما كانت لتنجز لولا قراءة درويش للأدب العبري. وعلى فكرة هناك مقالات نشرها درويش في مجلة الجديد ، حين كان محررا لها ، كان يرد فيها على الأدباء الصهيونيين ، فقد أجاد العبرية ، وهو بذلك يختلف عن كنفاني وبسيسو ، في أنه قرأ نصوصا عبرية باللغة الأم.
- درست الظواهر السلبية في مسيرة محمود درويش الشعرية: أين تكمن برأيك هذه الظواهر؟
- نعم ، ولكني درست جوانب أخرى كثيرة في أشعار درويش غير الظواهر السلبية. درست جداريته وأنجزت عنها كتابا كاملا عنوانه: "أرض القصيدة: جدارية محمود درويش وصلتها بأشعاره". وأعدت قراءة قصيدته: رحلة المتنبي إلى مصر ، وتابعت أعماله كلها الصادرة بعد العام 2000 ، ما جعل محمود يبلغني ، كما قال لي بعض الشعراء ، أن كفى كتابة ، ربما مثلا يظن القراء والشعراء أنني من أنصاره. ولا أدري إن كان ما نقله لي هؤلاء صحيحا. عموما أنا تعمقت في أشعار محمود درويش ، ولو قرأته وقرأت غيره في الوقت نفسه ، بالمقدار نفسه ، لكانت قراءاتي عابرة وسطحية ، وتعلمت مما جرى أن هناك ضرورة للناقد أن يتابع شاعرا أو بضعة شعراء ، ويكتب عن نتاجهم حتى يتعمق فيهم ، وحتى لا يغدو عارض كتب ، حين يكتب.وأنا أتتبع أشعار درويش ومواقفه لاحظت أنه كان يتخلى عن قصائد أو مقاطع من قصائد ، ليس لأسباب جمالية فقط ، كما كان يقول ، وإنما لأسباب سياسية أيديولوجية. طبعا كان درويش يقول إن من حقه أن يفعل ذلك ، وأنا قلت أن من حق القراء أن يعرفوا ما هو المحذوف وما هي أسبابه.
- يقال بأن قصيدة المقاومة بدأت متفائلة وكان لها دورها التحريضي. هل ما زالت هذه القصيدة متوهجة أم أنها تراجعت وخفت توهجها؟
- نعم ، بدأت القصيدة متفائلة وكان لها دورها التحريضي ، وكل من يتابع المقاطع الشعرية التي كتبها درويش وزياد والقاسم وآخرون من شعراء المقاومة يلحظ هذا ، وقد توقف أمام هذه الظاهرة غسان كنفاني في كتابه "أدب المقاومة في فلسطين المحتلة" ودرس أبعاد شعر المقاومة ومواقفه ، ولاحظ أن الشعراء كانوا يؤمنون بأهمية الكلمة ودورها في الكفاح. وكان ذلك يوم كانت الحركة القومية العربية في صعود ، ويوم كان الاتحاد السوفييتي يناصر حركات التحرر ، ويوم انبثقت المقاومة الفلسطينية قوية. لكن إلامَ آل الأمر؟ انهار الاتحاد السوفييتي ، وخسرت الحركة القومية قلاعها ، وضعفت المقاومة ، وامتد العمر بالشعراء. لقد غدوا شيوخا. وأرى أن هذه العوامل تركت أثرها على القصيدة فخفتت وفقدت بريقها وتوهجها ، هذا عدا أن بعض الشعراء غيروا موقفهم من مفهوم أدب المقاومة ، فلم يعودوا ينظرون إليه على أنه ذلك الأدب الذي يحفل بالفعل قاوم وكافح وناضل وبمفردات: فدائي ودبابة ورصاصة ، وقتل. درويش مثلا أخذ يرى في كتابة قصيدة جيدة فعل مقاومة.
عموما لقد تتبعت أشعار درويش والقاسم ودحبور ومريد البرغوثي وعلي الخليلي وآخرين ، وقارنت أولاها بما كتب بعد مدريد وأوسلو ، ولاحظت هذا. لقد كانت البدايات متفائلة ، فيما غدت النهايات تعبر عن خيبة.
وإذا ما نظر المرء في قصائد يكتبها الجيل الجديد من الشعراء ، الجيل الذي نشأ في مرحلة السلام ، فإنه يلحظ قصائد يعبر فيها كاتبوها عن هموم وقضايا ذاتية. حتى قصائد انتفاضة الأقصى المقاومة لم تشكل تيارا شعريا مقاوما ، فسرعان ما خفت توهج الحدث.
- ما هي المؤثرات على المشهد النقدي والإبداعي الفلسطيني في ظل الاحتلال؟
- ربما يكون كسلنا أهم مؤثر. الاحتلال هو الاحتلال منذ أربعين عاما وعام ، وربما زالت الأسباب القديمة التي كانت بالفعل تؤثر سلبيا. كان الاحتلال يترك أثراً سلبيا قبل العام 1994 ، لكنه ما عاد كذلك منذ مجيء السلطة وتحقق ثورة المعلومات ، فالمنع والرقابة وعدم وصول الكتب ، وهي مؤثرات تركت أثرها على المشهد النقدي والإبداعي حتى العام 1994 ما عادت موجودة. الآن نحن نكتب ما نريد ، هنا وهناك ، وما عاد الاحتلال يعتقل ناقدا أو أديبا ، وما عاد يمنع توزيع صحيفة أو طباعة كتاب ، كما كان يفعل من قبل. وأنت في منزلك تتواصل مع العالم كله ، وتكتب ما تريد ، وتنشره في عشرات المواقع.
إن الحديث عن مؤثرات سببها الاحتلال ما عاد ذا طائل. ربما تركت الأوضاع البائسة التي نحياها أثرها على المشهدين النقدي والإبداعي. وهذه الأوضاع تعود إلى عوامل الاحتلال عامل فيها. قد يكون الأساس. تخيل أن بعض الكتاب ، مثل الشاعر باسم النبريص ، قرر ألا يكتب لا لأن الاحتلال هدده ، وإنما لأن منزله قصف بصاروخ بعد 15 ـ 6 ـ 2007 - أي بعد سيطرة حماس على القطاع.
ربما تكون ثقتنا بأنفسنا ما عادت كما كانت. محمود درويش قال بعد 15 ـ 6 ـ 2007 "أنت ، منذ الآن ، غيرك" وقال: من قال إننا استثناء. ثمة نقد ذاتي نمارسه أحيانا ، لأننا مقتنعون أننا نحن مسؤولون عما ألنا إليه أيضا. لا نبرئ أنفسنا. وربما آثر بعض الكتاب والنقاد الصمت والانزواء. على العموم الحركة الثقافية لدينا الآن هادئة لدرجة الضعف ، وقليلة هي الأعمال اللافتة ، وقليلة هي الأسماء التي تواصل الكتابة وتثبت حضورا بشكل مستمر.
لا يعني ما سبق أننا منقطعون في مشهدنا النقدي عن المشهد النقدي العربي المعاصر. هناك تواصل وإطلاع ، لكنه ليس كما يجب.
- العام القادم 2009 عام القدس عاصمة للثقافة العربية ، ماذا بخصوص هذه الاحتفالية ، وما هي تصوراتك لها وخاصة أن القدس تعيش تحت الاحتلال؟
- قبل العام 1987 كانت القدس عاصمة للثقافة الفلسطينية. كانت الجرائد تصدر فيها ، وكانت أهم دور النشر ، مثل دار نشر صلاح الدين ، فيها. وما عاد الأمر كذلك منذ ,1991 غدت القدس محاصرة ، وما عدنا نصل إليها ، ومع مجيء السلطة بدأت الصحف تصدر في رام الله ، وكذلك فقد برزت دور نشر جديدة ، غدا موقعها في رام الله ، وآلت دور النشر القديمة إلى موات. أنا مثلا لم أتجول في شوارع القدس التي كنت أزورها أسبوعيا ، لم أتجول فيها منذ العام ,1992 والآن نتساءل: إذا ما جرت فعاليات القدس عاصمة للثقافة العربية في العام 2009 ، فكيف يمكن أن نصل إليها ، وكيف يمكن أن يصل إليها المثقفون العرب الذين يرفضون التطبيع مع إسرائيل. لا أدري إن كنا فكرنا جيدا في الأمر ، وإن كان الإعداد له كافيا. إذا كانت الفعاليات ستجري في مدن الضفة ومدن الدول العربية تحت يافطة: القدس عاصمة للثقافة العربية ، فهذا شأن آخر ، وربما تنجح الفعاليات ، أما إذا كانت ستجري في القدس نفسها ، فلا أظن أن النجاح سيكتب لها.