العقل هو الذي يفكر ويُحلِّل ويبحث ويصف ويفسِّر ويتدبَّر ويقارن ويستنتِج ويُخطِّط ويستشرف ويفحص ويتأمَّل ويتحقَّق… وباختصار، العقل هو الذي يقوم بكل العمليات الفكرية les opérations intellectuelles. وهو الذي يحوِّلها إلى أعمال ملموسة على أرض الواقع. ثم يربط بين كل هذه العمليات للخروج بنظرةٍ أو رؤيةٍ حول ما هو بصدد التفكير فيه. فما هو المقصود ب"القوة" في عنوان هذه المقالة؟
المقصود ب"القوة" la puissance في عنوان هذه المقالة ليس القوة التي فيها عُنفٌ violence أو ناتِجة عن استعمال السلاح l'utilisation des armes والجبروت la tyrannie والطُّغيان l'oppression والاستبداد l'autocratie. ما أقصده ب"القوة" هو سيادة العقل la raison والفكر la pensée والمعرفة la connaissance والعلم la science والتفتُّح الفكري épanouissement intellectuel والتحرر الاجتماعي émancipation sociale، التي (السيادة) تجعل من الأشخاص أو الجماعات أو الدول مُميَّزين عن غيرهم.
ولا داعيَ للقول أن العقلَ والنُّطقَ، هما معا، أمانةٌ أودعهما اللهُ، سبحانه وتعالى، في جسم بني آدم وفي أجسام ذرِّيتِه. وهذا الإيداعُ ليس عشوائيا أو جاء بمحض الصُّدفة. بل إن هذا الإيداعَ وراءه إرادةٌ إلهيةٌ، الهدف منها، أولا، إعمار الأرض طبقاً لهذه الإرادة، وثانياً، إسعاد الناس في الدنيا قبل الآخِرة.
وللاطِّلاع على هذه الإرادة الكريمة، يكفي أن نقرأ القرآن الكريم بتدبُّرٍ، من أول سورة إلى آخِرِ سورة منه، لنستنتِجَ أن الإسعادَ الذي أراده اللهُ، عزَّ وجلَّ، لعباده يتمثَّل في كونه يريد لهم الخيرَ جميعا.
وحتى لا يظلمَ (وحاشا، سبحانه وتعالى، أن يكونَ ظالماً) أحدا من عباده، أرسل لهم الرسلَ والأنبياء ليُبيِّنوا لهم طريقَ الخير وطريقَ الشر. وكان آخِرُهم النبي والرسول محمد (ص).
إذن، ما على الإنسان إلا أن يكونَ في مستوى الأمانة التي أودعها الله، سبحانه وتعالى، فيه، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا" (الأحزاب، 72).
والأمانةُ، كما سبق الذكرُ، تتمثَُل في نَعمتَي العقل والنُّطق. العقل ليكونَ الإنسانُ واعياً بوجوده وبأفكاره وأفعاله وبوجود الأشياء المحيطة به. أما النطق، فيتمثَّل في القدرة على التَّعبير عن الأفكار التي هي، في الحقيقة، نتاج التَّفاعل القائم بين الإنسان وأنداده وبينه وبين الأشياء المحيطة به.
لكن كثيرا من الناس، سواءً كانوا مثقفين أو جهلة، يحمل الأمانةَ لكن بدون تقديرها. كيف ذلك؟ لأن المخلوق البشري، عندما يُولَد، يزداد عاقلا ويتعلَّم النطقَ بالتَّدريج، أولا، من جراء تفاعله مع أفراد عائلتِه، وثانياً، مع بقية أعضاء المجتمع.
وتقدير الأمانة يقتضي، أولا وقبل كل شيء، أن يكونَ الإنسانُ مسئولاً عن أفكاره وآرائه وأفعاله وأن يحترمَ شروطَ التَّساكن والتَّعايش داخلَ المجتمعات. بمعنى أن المسئوليةَ تفرض على الإنسان، أن لا يُلحقَ الضَّررَ بالآخرين بأفكاره وآرائه وأفعاله، وأن يسعى جاهدا بإقناعِهم بها. والهدف الأساسي من الإقناع، هو تفادي وقوع البلبلة والفتنة داخل المجتمعات.
والحقيقة، كل الحقيقة، هي أنه لا توجد، على الإطلاق، مجتمعات بدون بلبلة وبدون فتنة. لأن الاختلاف في الأفكار والآراء والأفعال، هو سر استمرار المجتمعات في الوجود، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ…وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ" (البقرة، 251). بمعنى لولا الصراع القائم بين الخير والشر اللذان هما من خلق الله، أو بعبارة أخرى، لو طغى الشر على الخير، لعمَّ الفساد في الأرض، لكن فضلَ الله، أي رحمته تشمل كل العالمين.
والصراع القائم بين الخير والشر ناتِجٌ، في الحقيقة، عن اختلاف نظرة الناس لأمور الدنيا. كل فئة من هؤلاء الناس ترى هذه الأمورَ انطلاقا من ما تمتلكُه من خلفيات فكرية، اجتماعية وثقافية.
فمَن هم الناس الذين، بغض النظر عن معتقداتِهم الدينية استطاعوا، بأفكارهم وآرائهم وأفعالِهم، أن يصونوا الأمانةَ التي أودعها الله، سبحانه وتعالى، فيهم، وأجادوا استعمالَها؟
قبل الإجابة على هذا السؤال، أذكِّر بأن الأمانةَ التي أودعها الله، سبحانه وتعالي، في كيان الإنسان تتمثَّل في أمرين اثنين هما العقل والنُّطق. وكما سبق الذكرُ، العقلُ يُساوي الوعيَ la conscience، والُّطقُ يساوي التَّعبير عن الأفكار بالكلام.
وجوابا على السؤال أعلاه، أي "فمَن هم الناس الذين، ذكوراً وإناثاً وبغض النظر عن معتقداتِهم الدينية، استطاعوا، بأفكارهم وآرائهم وأفعالِهم، أن يصونوا الأمانةَ التي أودعها الله، سبحانه وتعالى، فيهم، وأجادوا استعمالَها"؟ وفي هذا الصدد، سأستشهِد بما أنتجوه من أفكارٍ الكُتَّابُ والفلاسِفةُ والأدباءُ والعلماء الفرنسيون الذين كان إنتاجُهم الفكري سبباً في قِيام الثورة الفرنسية.
فمنهم مَن تحدَّث عن حرية التَّعبير، ومنهم مَن تحدَّث عن حقوق المرأة، ومنهم مَن تحدَّث عن إعادة النظر في المنظومة التَّربوية، ومنهم مَن تحدث عن إلغاء الحكم بالإعدام والرِّق ،l'esclavage وعن الحق في التصويت للجميع، وعن المساواة بين الرجل والمرأة، وعن الفكر النقدي، وعن فصل السُّلَط، وعن التنظيمات الاجتماعية والسياسة، وعن سيادة الشعب، وعن الديمقراطية، وعن التَّعصُّب والتَّطرُّف الدينيين fanatisme et extrémisme religieux، وعن دور الفن في النهضة الاجتماعية… وكل ما من شأنه أن يُساعدَ المجتمعَ الفرنسي على التَّخلُّص من سيطرة الكنيسة (الكهنوت الديني) على شؤونه الخاصة والعامة، التي صالت وجالت، طيلة فترة القرون الوسطى le moyen âge.
كل هؤلاء الكُتَّاب والفلاسِفة والأدباء والعلماء الفرنسيون شغَّلوا عقولَهم في الاتجاه الصحيح، وبالتالي، ساهموا بأفكارهم آرائهم وأفعالهم، وبصفة عامة، ساهموا، بإنتاجهم الفكري، في قيام الثورة الفرنسية، أو بعبارة أخرى، كان لهم الفضلُ في تنوير عامة الناس وجعلوهم يتوقون إلى الحق في الحياة الكريمة le droit à une vie digne وكل ما يستحقه من حقوق وما يترتَّب عن هذه الحقوق من واجبات اجتماعية واقتصادية.
إذن، الثورة الفرنسية لم تستمد قوَّتَها من العنف والاستبداد والطُّغيان. بل المُفكِّرون، باستعمالهم الصحيح للأمانة المودَعَة فيهم، أي العقل والنُّطق، هم مَن مهَّد الطريق لقيام هذه الثورة ونجاحِها في بلوغ أهدافها.
وفي المقابل، أي في عالمنا العربي والإسلامي، لا نزال نفكِّر في الرِّجلِ التي يجب أن تطأَ عتبةَ المرحاض عند دخولنا له، هل اليُمنى أم اليُسرى، بينما العالمُ، بخيره وشره، يسير من مستوى تطوُّرٍ إلى مستوى أحسن منه. وما يُؤسَف له هو أن هذا التَّطوُّر يسير بخُطى سريعة، وأثناءَ مسيرتِه، لن ينتظرَ أحدا للحاق به. فمَن هم الناس الذين، في عالمنا العربي والإسلامي، لم يصونوا أمانة العقل والنُّطق بإساءة استعمالها؟
حسب رأيي الشخصي، وهذا أمرٌ يخصُّني وأنا مسئولٌ على تبنِّيه، تأتي على رأس القائمة فئة السياسيين الانتهازيين متبوعين بفئة علماء وفقهاء الدين المُتطرفين. الفئة الأولى تمارس السياسة بعيدا عن معناها النبيل وعن القيم الإنسانية التي يشترطُها تساكن وتعايش الناس داخلَ المجتمعات. والفئة الثانية تظن أن فَهمَها للدين هو الصحيح، وبالتالي، فإن همَّها الوحيد، هو فرضُ رؤيتها لهذا الدين على الآخرين.
عوض أن يُسخِّرَ ناسُ هاتين الفئتين الأمانةَ فيما يُرضي اللهَ، فإنهما، عوض العقل، اتبعوا الأهواء les caprices والغرور l'arrogance، أي أعطوا الأهمِّية لل"أنا" l'ego وليس للمصلحة العامة.
وعوض أن يتصرَّف علماء وفقهاء الدين طبقا لما أراده الله، سبحانه وتعالى، لعبادِه من خير، أخترعوا ديناً موازيا لذلك الذي أراده الله لعباده. دينٌ فيه خيرٌ واختيارٌ ويُسرٌ ورحمةٌ ورأفةٌ ولطفٌ ومحبَّةٌ ومغفرةٌ… بينما الدين الموازي فيه عنفٌ وعُسرٌ وتضييقٌ وترهيبٌ وترعيبٌ وتخويفٌ…
وعوض أن يُسخِّرَ ناسُ الفئتين النُّطقَ لقول الحق، فإنهم سخَّروه لنشر الكذب والفتنة والتَّفرِقة والفساد. إنهم نسوا أو تناسوا أنه من واجبهم صيانةُ الأمانة وإجادةُ استعمالها.
كل دول العالم التي قطعت أشواطاً مهمَّةً في التَّطوُّر الاجتماعي، الاقتصادي، الثقافي، الصناعي، التِّكنولوجي، صانَت الأمانةَ وأجادت استعمالَها، بينما الكهنوت الديني، في عالمنا العربي والإسلامي، بسط سيطرتَه على عقول الناس، وساهم، إلى جدٍّ كبير، في تجميدها وإخضاعِها لهبمنة التَّضييق والتَّرهيب والترعيب والتَّخويف.
المقصود ب"القوة" la puissance في عنوان هذه المقالة ليس القوة التي فيها عُنفٌ violence أو ناتِجة عن استعمال السلاح l'utilisation des armes والجبروت la tyrannie والطُّغيان l'oppression والاستبداد l'autocratie. ما أقصده ب"القوة" هو سيادة العقل la raison والفكر la pensée والمعرفة la connaissance والعلم la science والتفتُّح الفكري épanouissement intellectuel والتحرر الاجتماعي émancipation sociale، التي (السيادة) تجعل من الأشخاص أو الجماعات أو الدول مُميَّزين عن غيرهم.
ولا داعيَ للقول أن العقلَ والنُّطقَ، هما معا، أمانةٌ أودعهما اللهُ، سبحانه وتعالى، في جسم بني آدم وفي أجسام ذرِّيتِه. وهذا الإيداعُ ليس عشوائيا أو جاء بمحض الصُّدفة. بل إن هذا الإيداعَ وراءه إرادةٌ إلهيةٌ، الهدف منها، أولا، إعمار الأرض طبقاً لهذه الإرادة، وثانياً، إسعاد الناس في الدنيا قبل الآخِرة.
وللاطِّلاع على هذه الإرادة الكريمة، يكفي أن نقرأ القرآن الكريم بتدبُّرٍ، من أول سورة إلى آخِرِ سورة منه، لنستنتِجَ أن الإسعادَ الذي أراده اللهُ، عزَّ وجلَّ، لعباده يتمثَّل في كونه يريد لهم الخيرَ جميعا.
وحتى لا يظلمَ (وحاشا، سبحانه وتعالى، أن يكونَ ظالماً) أحدا من عباده، أرسل لهم الرسلَ والأنبياء ليُبيِّنوا لهم طريقَ الخير وطريقَ الشر. وكان آخِرُهم النبي والرسول محمد (ص).
إذن، ما على الإنسان إلا أن يكونَ في مستوى الأمانة التي أودعها الله، سبحانه وتعالى، فيه، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا" (الأحزاب، 72).
والأمانةُ، كما سبق الذكرُ، تتمثَُل في نَعمتَي العقل والنُّطق. العقل ليكونَ الإنسانُ واعياً بوجوده وبأفكاره وأفعاله وبوجود الأشياء المحيطة به. أما النطق، فيتمثَّل في القدرة على التَّعبير عن الأفكار التي هي، في الحقيقة، نتاج التَّفاعل القائم بين الإنسان وأنداده وبينه وبين الأشياء المحيطة به.
لكن كثيرا من الناس، سواءً كانوا مثقفين أو جهلة، يحمل الأمانةَ لكن بدون تقديرها. كيف ذلك؟ لأن المخلوق البشري، عندما يُولَد، يزداد عاقلا ويتعلَّم النطقَ بالتَّدريج، أولا، من جراء تفاعله مع أفراد عائلتِه، وثانياً، مع بقية أعضاء المجتمع.
وتقدير الأمانة يقتضي، أولا وقبل كل شيء، أن يكونَ الإنسانُ مسئولاً عن أفكاره وآرائه وأفعاله وأن يحترمَ شروطَ التَّساكن والتَّعايش داخلَ المجتمعات. بمعنى أن المسئوليةَ تفرض على الإنسان، أن لا يُلحقَ الضَّررَ بالآخرين بأفكاره وآرائه وأفعاله، وأن يسعى جاهدا بإقناعِهم بها. والهدف الأساسي من الإقناع، هو تفادي وقوع البلبلة والفتنة داخل المجتمعات.
والحقيقة، كل الحقيقة، هي أنه لا توجد، على الإطلاق، مجتمعات بدون بلبلة وبدون فتنة. لأن الاختلاف في الأفكار والآراء والأفعال، هو سر استمرار المجتمعات في الوجود، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ…وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ" (البقرة، 251). بمعنى لولا الصراع القائم بين الخير والشر اللذان هما من خلق الله، أو بعبارة أخرى، لو طغى الشر على الخير، لعمَّ الفساد في الأرض، لكن فضلَ الله، أي رحمته تشمل كل العالمين.
والصراع القائم بين الخير والشر ناتِجٌ، في الحقيقة، عن اختلاف نظرة الناس لأمور الدنيا. كل فئة من هؤلاء الناس ترى هذه الأمورَ انطلاقا من ما تمتلكُه من خلفيات فكرية، اجتماعية وثقافية.
فمَن هم الناس الذين، بغض النظر عن معتقداتِهم الدينية استطاعوا، بأفكارهم وآرائهم وأفعالِهم، أن يصونوا الأمانةَ التي أودعها الله، سبحانه وتعالى، فيهم، وأجادوا استعمالَها؟
قبل الإجابة على هذا السؤال، أذكِّر بأن الأمانةَ التي أودعها الله، سبحانه وتعالي، في كيان الإنسان تتمثَّل في أمرين اثنين هما العقل والنُّطق. وكما سبق الذكرُ، العقلُ يُساوي الوعيَ la conscience، والُّطقُ يساوي التَّعبير عن الأفكار بالكلام.
وجوابا على السؤال أعلاه، أي "فمَن هم الناس الذين، ذكوراً وإناثاً وبغض النظر عن معتقداتِهم الدينية، استطاعوا، بأفكارهم وآرائهم وأفعالِهم، أن يصونوا الأمانةَ التي أودعها الله، سبحانه وتعالى، فيهم، وأجادوا استعمالَها"؟ وفي هذا الصدد، سأستشهِد بما أنتجوه من أفكارٍ الكُتَّابُ والفلاسِفةُ والأدباءُ والعلماء الفرنسيون الذين كان إنتاجُهم الفكري سبباً في قِيام الثورة الفرنسية.
فمنهم مَن تحدَّث عن حرية التَّعبير، ومنهم مَن تحدَّث عن حقوق المرأة، ومنهم مَن تحدَّث عن إعادة النظر في المنظومة التَّربوية، ومنهم مَن تحدث عن إلغاء الحكم بالإعدام والرِّق ،l'esclavage وعن الحق في التصويت للجميع، وعن المساواة بين الرجل والمرأة، وعن الفكر النقدي، وعن فصل السُّلَط، وعن التنظيمات الاجتماعية والسياسة، وعن سيادة الشعب، وعن الديمقراطية، وعن التَّعصُّب والتَّطرُّف الدينيين fanatisme et extrémisme religieux، وعن دور الفن في النهضة الاجتماعية… وكل ما من شأنه أن يُساعدَ المجتمعَ الفرنسي على التَّخلُّص من سيطرة الكنيسة (الكهنوت الديني) على شؤونه الخاصة والعامة، التي صالت وجالت، طيلة فترة القرون الوسطى le moyen âge.
كل هؤلاء الكُتَّاب والفلاسِفة والأدباء والعلماء الفرنسيون شغَّلوا عقولَهم في الاتجاه الصحيح، وبالتالي، ساهموا بأفكارهم آرائهم وأفعالهم، وبصفة عامة، ساهموا، بإنتاجهم الفكري، في قيام الثورة الفرنسية، أو بعبارة أخرى، كان لهم الفضلُ في تنوير عامة الناس وجعلوهم يتوقون إلى الحق في الحياة الكريمة le droit à une vie digne وكل ما يستحقه من حقوق وما يترتَّب عن هذه الحقوق من واجبات اجتماعية واقتصادية.
إذن، الثورة الفرنسية لم تستمد قوَّتَها من العنف والاستبداد والطُّغيان. بل المُفكِّرون، باستعمالهم الصحيح للأمانة المودَعَة فيهم، أي العقل والنُّطق، هم مَن مهَّد الطريق لقيام هذه الثورة ونجاحِها في بلوغ أهدافها.
وفي المقابل، أي في عالمنا العربي والإسلامي، لا نزال نفكِّر في الرِّجلِ التي يجب أن تطأَ عتبةَ المرحاض عند دخولنا له، هل اليُمنى أم اليُسرى، بينما العالمُ، بخيره وشره، يسير من مستوى تطوُّرٍ إلى مستوى أحسن منه. وما يُؤسَف له هو أن هذا التَّطوُّر يسير بخُطى سريعة، وأثناءَ مسيرتِه، لن ينتظرَ أحدا للحاق به. فمَن هم الناس الذين، في عالمنا العربي والإسلامي، لم يصونوا أمانة العقل والنُّطق بإساءة استعمالها؟
حسب رأيي الشخصي، وهذا أمرٌ يخصُّني وأنا مسئولٌ على تبنِّيه، تأتي على رأس القائمة فئة السياسيين الانتهازيين متبوعين بفئة علماء وفقهاء الدين المُتطرفين. الفئة الأولى تمارس السياسة بعيدا عن معناها النبيل وعن القيم الإنسانية التي يشترطُها تساكن وتعايش الناس داخلَ المجتمعات. والفئة الثانية تظن أن فَهمَها للدين هو الصحيح، وبالتالي، فإن همَّها الوحيد، هو فرضُ رؤيتها لهذا الدين على الآخرين.
عوض أن يُسخِّرَ ناسُ هاتين الفئتين الأمانةَ فيما يُرضي اللهَ، فإنهما، عوض العقل، اتبعوا الأهواء les caprices والغرور l'arrogance، أي أعطوا الأهمِّية لل"أنا" l'ego وليس للمصلحة العامة.
وعوض أن يتصرَّف علماء وفقهاء الدين طبقا لما أراده الله، سبحانه وتعالى، لعبادِه من خير، أخترعوا ديناً موازيا لذلك الذي أراده الله لعباده. دينٌ فيه خيرٌ واختيارٌ ويُسرٌ ورحمةٌ ورأفةٌ ولطفٌ ومحبَّةٌ ومغفرةٌ… بينما الدين الموازي فيه عنفٌ وعُسرٌ وتضييقٌ وترهيبٌ وترعيبٌ وتخويفٌ…
وعوض أن يُسخِّرَ ناسُ الفئتين النُّطقَ لقول الحق، فإنهم سخَّروه لنشر الكذب والفتنة والتَّفرِقة والفساد. إنهم نسوا أو تناسوا أنه من واجبهم صيانةُ الأمانة وإجادةُ استعمالها.
كل دول العالم التي قطعت أشواطاً مهمَّةً في التَّطوُّر الاجتماعي، الاقتصادي، الثقافي، الصناعي، التِّكنولوجي، صانَت الأمانةَ وأجادت استعمالَها، بينما الكهنوت الديني، في عالمنا العربي والإسلامي، بسط سيطرتَه على عقول الناس، وساهم، إلى جدٍّ كبير، في تجميدها وإخضاعِها لهبمنة التَّضييق والتَّرهيب والترعيب والتَّخويف.