كتب/ معاوية محمد الحسن قيلي
-(١)-
لو أنّ ثمة لقب يجوزُ أن يُطلقَ على الراحل الطيب أحمد الطيب فهو لقب (مانغويل السوداني)، وقد عُرِفَ عن البرتو مانغويل شدة ولعهِ بالكُتب واقتنائها وقِيلَ أنه امتلكَ أكبر مكتبة منزلية حولَ العالم، وقال آخرون، بل أضخم مكتبة كانت موجودة لدى الفيلسوف والكاتب الإيطالي الكبير أمبرتو إيكو الذي اقتنى أكثر من مليون كتاب في شتى صُنوفِ المعرفة، وقرأتُ فيما قرأت أن الكاتِبَ الأرجنتيني الكبير (بورخيس) كانَ يلتهِمُ الكُتبَ التهاماً ويجعلها طعامه وشرابه هذا عِلماً بأنّ الرجُلَ كانَ كفيفَ البصر، وقد كانَ البرتو مانغويل يجلِسُ الساعات الطوال، يقرأُ الكُتبَ بصوتٍ عالٍ على صديقهِ بورخيس وذلك منذ أن بلغَ بورخيس الخمسين أو جاوزها قليلاً.
وذات مرة سمعتُ شخصاً ذا سمتٍ وقورٍ وملامحَ وضاءةٍ، كانَ يجلسُ في النادي الألماني، غارقاً في صمتهِ، حينَ أخذتُ أتفاصَحُ أمامه مع بعض نفرٍ من أصدقائي، مُدعياً معرفتي بالشاعر بورخيس، وكنتُ بالطبعِ فتى غِراً وساذِجاً، أتصورُ أنيّ قد بلغتُ شأواً بعيداً في العلمِ والمعرفة.. في ذاك اليوم، سمعت ذلك الشخص بعد أن خرجَ عن صمتهِ، يتحدثُ عن الكاتِب الأرجنتيني العظيم حديث العارفين وهو ينظرُ إلينا من تحت إطارِ نظارته، وقد ذكر لنا فيما ذكر، أنّ بورخيساً العبقري صرّحَ على رؤوس الأشهادِ قبل موتهِ أنهُ لا يشتهي شيئاً في العالم الآخر سوى مكتبة كبيرة، ينكبُ عليها طوال الوقت الذي سوفَ يقضيهِ في القبر، وقد كان بورخيس يعتقدُ فيما يعتقِدُ أن القبرَ هو أفضلُ مكانٍ لممارسةِ العُزلةِ، حيث يُصبح بإمكان المرء هناك أن يَخلُد إلى راحةٍ أبديةٍ، بعيداً عن صخبِ العالم ولغوِ البشر، وسرَدَ علينا هذا الرجلُ الذي حسبناه لشدةِ دهشتِنا نبيّ الله الخضر، قائمةً بأهم مؤلفاتِ بورخيس بعد أن أطنَب في الحديث حول سيرتهِ وسيرةِ كُتاب آخرين من أمريكا اللاتينية، ما سمعنا بهم قبلَ ذلك، فانزويتُ خجلاً وقرّعتُ نفسي تأنيباً كوني أهرِفُ بما لا أعرِف، ومنذ ذاكَ اليوم وأنا ما أزالُ أتهِم نفسي بالجهلِ وأقولُ لنفسيّ: وما غايةُ المعرفة إن لم تكُن هي أن يكتشف الإنسان جهله فيلزم حدوده؟ وهكذا قال أحدُ العارفين حينما سُئل ذات يوم:
(ما أفِدتَ يا معلم من قراءةِ كل هذه الأطنانِ من الكُتب؟)
فقالَ لهم:
(عَرِفتُ حُدودي، فلزمتُها!)
فاتني أن أقولَ أن ذلك الشخص الذي انبرى يُحدثنا بكل تواضعٍ عن بورخيس في النادي الألماني بالخرطوم عامَ كذا وتسعين، كان هو الطيب أحمد الطيب ياسين والذي شَرُفتُ بأنني قد صِرتُ أحد أصدقائهِ خلال السنواتِ الأخيرة!
-(٢)-
ولا أكادُ أجدُ فيما ورد عن الشغفِ بالكُتبِ أبلغَ من قولِ الشاعرِ الفارسي عُمر الخيام:
(وبِحسبي تحت أفنانٍ رِطابٍ
زِقُ خَمرٍ ورغيفٍ َوكِتابٍ)
أبدع أحمد رامي في نقلِ الرُباعيات ولكنه لم ينقلها عن الفارسية لغتها الأصلية بل نقلها عن لُغةٍ أخرى وسيطة هي الإنجليزية، وهذا حديثٌ آخر، المهم هنا أنّ الخيامَ قد جعلَ الكتاب متعةً أثيرةً يستغني بها المرءُ عن غيرها من المُتعِ الزائفة، وقد شاعَ عن المتنبي في هذا الشأن قولهُ (خيرُ جليسٍ في الزمانِ كِتابُ).
كُنتُ أجدُ في صُحبةِ الطيب وأصدقائهِ عبد الكريم عبد الفتاح ودكتور أحمد الصادق وخالد بابكر وآخرين مُتعتي الأثيرة حين كانوا يجتمعون في الأمسياتِ في الشارعِ الفاصل بين مدرسةِ اليونتي unity schools وكلية كمبوني، يسندون ظهورهم إلى حائط اليونتي الشاهِق، وكان الطيبُ يأتي إلى المكان وظهرهُ ينوءُ بحقيبةٍ ملأى بالكُتب. يبدو الرهقُ على محياه الجميل لكنه يتغلبُ عليهِ بالضحكِ والابتسام.
كانت بحق، جلسات ما منظور مثيلها.!
كنتُ أشعرُ وكأني أُجالِسُ مكتبةً عامِرةً بشتى صنوفِ المعرفةِ حين أجلسُ بين أولئِك النفر، ففي حين يحدثُك الطيب عن المفكر المصري سمير أمين ونظريات ما بعد الكولونيالية، ينبري عبد الكريم عبد الفتاح للحديثِ عن ماركِس وجاك دريدا، وربما دارَ مِحورُ النقاش بعد ذلك عن الأدب السوداني وتاريخ السودان الحديث، على أني لم أجلس طويلاً في ذاك المكان إلى دكتور أحمد الصادق، الرجل الموسوعة وهو صديق الطيب الأثير، فقد التقينا هناك مراتٍ قلائل، حين جاءَ إلى السودان قادِماً من مقر عمَلهِ بجامعة الإمام محمد بن سعود، وكانَ يبدو قلِقاً في ذلك الوقت لأنه يريدُ نقلَ مكتبتهِ الضخمةِ في أحد أحياء مدينة بحري إلى مكانٍ آخر، ودكتور أحمد الصادق واسعُ العلم، حلوُ المعشرِ وأخَو إخوان، بيدَ أنه ضَنينٌ بالكُتُبِ، يحدثك عنها ربما أفضلَ مِن مؤلِفيها أنفسهم، ولكنهُ لا يُعيركَ إياها!.
أطلقتُ على أولئكَ النفر من الأصدقاء تعبير (جماعة كمبوني) Comboni circle وفي تاريخ الأدب شاعَ استخدامُ كلمة circle بمعنى جماعة ذات توجهاتٍ فلسفيةٍ أو أدبيةٍ محددة، وتكفي الإشارةُ هُنا إلى جماعة بلومزبري Bloosmbury Circle وقد انضوى تحت لوائها كلاً من جيمس جويس وفريجينيا وولف وزوجها ليونارد وولف، ولستُ أزعمُ هُنا أن أصدقاء كومبوني كانوا يمثلونَ تياراً في الثقافةِ والأدب وإن كانوا مؤهلين لمثلِ هذا، وإنما أستخدم هُنا الكلمة الإنحليزية circle بمعناها المباشِر وهَي تعني فيما تعني مجموعة أو دائرة مغلقة من الأصدقاء.
ولعلني كُنتُ آخر من انضمَ إلى تلك الحلقة، هذا على الرغم من معرفتي ببعضِ أعضاءِ الجماعةِ مثل عبد الكريم عبد الفتاح، قبل أكثرَ مِن عشرين عاماً حينما كنتُ أرتادُ مقهى أبو جنزير وسط الخرطوم، ولكن صِلتي بالراحلِ العظيم الطيب أحمد الطيب لم تكد تتوطد إلا بعد نحو خمسة وعشرينَ عاماً بعد لقائي الأول بهِ في نادي جوتة حينما حدثنا عن بورخيس، وإني لأشعرُ بامتنانٍ عظيمٍ نحو الأستاذ عبد الكريم عبد الفتاح كونه قد عرّفني إلى الطيب ودكتور أحمد الصادق وخالد بابكر وأحمد فضل الله وحسن هِلال وآخرين.
الآن، أجلِسُ وحيداً في بلدةٍ منسيةٍ عندَ مُنحنى النيل بعد أن تفرّقت بنا السُبل بسببِ هذهِ الحرب اللعينة، لا أتحسرُ على فقدان شيء كفقدي الفادح لطيبِ السيرةِ والسريرةِ الطيب، ولفرط الصدمةِ والذهول أسألُ نفسي (هل كانَ الطيب شخصاً حقيقياً، أم طيفاً كطيفِ نبيّ اللهِ الخضر؟
-(٣)-
أحياناً يُخيّلُ إليّ أنّ شوارع الجمهورية والبلدية والقصر وجميع شوارع وسط الخرطوم ومنعرجاتها، قد تولدت بالأساس عن خطواتِ الرفاقِ والأصدقاء الذين كانوا يذرعونَ تلك الشوارعِ راجلينَ طوالَ النهار ورَدحاً من المساء، بيد أن جُل مشاوير الطيب كانت في طلبِ المعرفة ومن أجلِ الاطِّلاعِ على آخر العناوين التي تجودُ بها المطابع.
كانَ الطيب على استعدادٍ لأن يرافِقكَ حتى آخر الكوكب لو أن المشوار كانَ في سبيلِ اقتناءِ كتابٍ ما، والطيبُ الذي عرفتهُ كانَ يشمُ رائحةَ الكُتب ويتذوقها بكلِ جوارحه، ولم أعثر على شخصٍ بإمكانهِ أن يُحدثَ الناسَ عن تاريخِ الكُتبِ مثل الطيب، فقد كانَ بإمكانهِ أن يُشيرَ إلى تاريخِ طبعاتِ كتابٍ ما، وما هي أفضلُ الطبعات، وكان بوسعهِ كذلك أن يحدثك عن الكُتبِ المُترجمةِ حديثَ العارفين، وأن يُشير إلى الترجماتِ الجيدةِ والرديئة لذاتِ الكتاب، وكثيراً ما أبدى لي إعجابه بترجمات سامي الدروبي لدوستوفسكي، وترجمات آربري للمتنبي وللشعر العربي، وترجمات فيتزجرالد لرباعياتِ الخيام والعراقي عبد الواحد لؤلؤة لسونيتاتِ شكسبير الرائعة، وقد ذكر لي الطيب ذات مرةٍ حينما كُنا نتجاذبُ أطرافَ الحديث عن الترجمة، أن الترجمة الجيدة مثلها كمثلِ الشعرِ الجيد، فتحٌ ربانيّ لا أكثر.
لم يكن الطيب يتخذُ المعرفة سبيلاً إلى سِواها، بل كانت المعرفةُ عنده تعني الحياة نفسها، وقد كانَ ينظرُ إلى الآداب والفنونِ ليس باعتبارها نشاطاً ترفيهياً، بل بوصفها جزءاً أساسياً من الحياةِ الإنسانية.
لم أرَ الطيب يوماً إلا وهو يقرأ أو يتصفحُ كتاباً أو يناقِشُ كتاباً أو يبحثُ عن كتاب، وقد أهداني عن مكتبتهِ الضخمة كتابَ محاضرات في الألسنية العامة لفرديناند دو سوسير مؤسس البنيوية في مجال اللسانيات، وكتاباً بديعاً آخر هو (فقه اللغة) للمفكر المصري لويس عوض، وقد ظللت أبحثُ عنه كثيراً ولم أعثرْ عليهِ إلا في مكتبةِ الطيب، وأهداني الطيب كذلك نُسخاً مختلفةً من كُتبِ أخرى تركتها جميعاً ورائي في منزلي بالخرطوم، ولا أدري الآن ما الذي فعلهُ الأوغادُ بمكتبتي هناك.
غادرتُ الخرطومَ بعد أكثرِ من شهرٍ من اندلاعِ الحرب وتركتُ الطيب أحمد الطيب خلفي بالحاج يوسف، وكنتُ أتصل عليهِ حيناً بعد آخر وكان يرفضُ مغادرة منزلهِ حِرصاً على مكتبتهِ التي جمعها من كَدِّهِ وعرقهِ على مدى عُقودٍ طويلة.
لم يكن للطيب ثمة أموال ليزودَ عنها ولا عقارات ينافحُ عنها، بل كانت الكُتبُ هي ثروتهِ الوحيدة التي استُشهِد في سبيلها، وإني لأتخيلُ الآن حال مكتبتهِ بعد رحيلهِ،غ تبكي مُلتاعةً على فِراقِ صاحبها الذي أحبّها حُباً يفوقُ أي حُبٍ آخر ويُخيّل لي أيضاً في بعضِ الأحيان أن مكتبةَ الطيب قد لَحقت بهِ محلقةً خَلفه نحو السماء، هُناكَ حيثُ صعدت روحُ الطيب وسكنت إلى الأبد.
-(١)-
لو أنّ ثمة لقب يجوزُ أن يُطلقَ على الراحل الطيب أحمد الطيب فهو لقب (مانغويل السوداني)، وقد عُرِفَ عن البرتو مانغويل شدة ولعهِ بالكُتب واقتنائها وقِيلَ أنه امتلكَ أكبر مكتبة منزلية حولَ العالم، وقال آخرون، بل أضخم مكتبة كانت موجودة لدى الفيلسوف والكاتب الإيطالي الكبير أمبرتو إيكو الذي اقتنى أكثر من مليون كتاب في شتى صُنوفِ المعرفة، وقرأتُ فيما قرأت أن الكاتِبَ الأرجنتيني الكبير (بورخيس) كانَ يلتهِمُ الكُتبَ التهاماً ويجعلها طعامه وشرابه هذا عِلماً بأنّ الرجُلَ كانَ كفيفَ البصر، وقد كانَ البرتو مانغويل يجلِسُ الساعات الطوال، يقرأُ الكُتبَ بصوتٍ عالٍ على صديقهِ بورخيس وذلك منذ أن بلغَ بورخيس الخمسين أو جاوزها قليلاً.
وذات مرة سمعتُ شخصاً ذا سمتٍ وقورٍ وملامحَ وضاءةٍ، كانَ يجلسُ في النادي الألماني، غارقاً في صمتهِ، حينَ أخذتُ أتفاصَحُ أمامه مع بعض نفرٍ من أصدقائي، مُدعياً معرفتي بالشاعر بورخيس، وكنتُ بالطبعِ فتى غِراً وساذِجاً، أتصورُ أنيّ قد بلغتُ شأواً بعيداً في العلمِ والمعرفة.. في ذاك اليوم، سمعت ذلك الشخص بعد أن خرجَ عن صمتهِ، يتحدثُ عن الكاتِب الأرجنتيني العظيم حديث العارفين وهو ينظرُ إلينا من تحت إطارِ نظارته، وقد ذكر لنا فيما ذكر، أنّ بورخيساً العبقري صرّحَ على رؤوس الأشهادِ قبل موتهِ أنهُ لا يشتهي شيئاً في العالم الآخر سوى مكتبة كبيرة، ينكبُ عليها طوال الوقت الذي سوفَ يقضيهِ في القبر، وقد كان بورخيس يعتقدُ فيما يعتقِدُ أن القبرَ هو أفضلُ مكانٍ لممارسةِ العُزلةِ، حيث يُصبح بإمكان المرء هناك أن يَخلُد إلى راحةٍ أبديةٍ، بعيداً عن صخبِ العالم ولغوِ البشر، وسرَدَ علينا هذا الرجلُ الذي حسبناه لشدةِ دهشتِنا نبيّ الله الخضر، قائمةً بأهم مؤلفاتِ بورخيس بعد أن أطنَب في الحديث حول سيرتهِ وسيرةِ كُتاب آخرين من أمريكا اللاتينية، ما سمعنا بهم قبلَ ذلك، فانزويتُ خجلاً وقرّعتُ نفسي تأنيباً كوني أهرِفُ بما لا أعرِف، ومنذ ذاكَ اليوم وأنا ما أزالُ أتهِم نفسي بالجهلِ وأقولُ لنفسيّ: وما غايةُ المعرفة إن لم تكُن هي أن يكتشف الإنسان جهله فيلزم حدوده؟ وهكذا قال أحدُ العارفين حينما سُئل ذات يوم:
(ما أفِدتَ يا معلم من قراءةِ كل هذه الأطنانِ من الكُتب؟)
فقالَ لهم:
(عَرِفتُ حُدودي، فلزمتُها!)
فاتني أن أقولَ أن ذلك الشخص الذي انبرى يُحدثنا بكل تواضعٍ عن بورخيس في النادي الألماني بالخرطوم عامَ كذا وتسعين، كان هو الطيب أحمد الطيب ياسين والذي شَرُفتُ بأنني قد صِرتُ أحد أصدقائهِ خلال السنواتِ الأخيرة!
-(٢)-
ولا أكادُ أجدُ فيما ورد عن الشغفِ بالكُتبِ أبلغَ من قولِ الشاعرِ الفارسي عُمر الخيام:
(وبِحسبي تحت أفنانٍ رِطابٍ
زِقُ خَمرٍ ورغيفٍ َوكِتابٍ)
أبدع أحمد رامي في نقلِ الرُباعيات ولكنه لم ينقلها عن الفارسية لغتها الأصلية بل نقلها عن لُغةٍ أخرى وسيطة هي الإنجليزية، وهذا حديثٌ آخر، المهم هنا أنّ الخيامَ قد جعلَ الكتاب متعةً أثيرةً يستغني بها المرءُ عن غيرها من المُتعِ الزائفة، وقد شاعَ عن المتنبي في هذا الشأن قولهُ (خيرُ جليسٍ في الزمانِ كِتابُ).
كُنتُ أجدُ في صُحبةِ الطيب وأصدقائهِ عبد الكريم عبد الفتاح ودكتور أحمد الصادق وخالد بابكر وآخرين مُتعتي الأثيرة حين كانوا يجتمعون في الأمسياتِ في الشارعِ الفاصل بين مدرسةِ اليونتي unity schools وكلية كمبوني، يسندون ظهورهم إلى حائط اليونتي الشاهِق، وكان الطيبُ يأتي إلى المكان وظهرهُ ينوءُ بحقيبةٍ ملأى بالكُتب. يبدو الرهقُ على محياه الجميل لكنه يتغلبُ عليهِ بالضحكِ والابتسام.
كانت بحق، جلسات ما منظور مثيلها.!
كنتُ أشعرُ وكأني أُجالِسُ مكتبةً عامِرةً بشتى صنوفِ المعرفةِ حين أجلسُ بين أولئِك النفر، ففي حين يحدثُك الطيب عن المفكر المصري سمير أمين ونظريات ما بعد الكولونيالية، ينبري عبد الكريم عبد الفتاح للحديثِ عن ماركِس وجاك دريدا، وربما دارَ مِحورُ النقاش بعد ذلك عن الأدب السوداني وتاريخ السودان الحديث، على أني لم أجلس طويلاً في ذاك المكان إلى دكتور أحمد الصادق، الرجل الموسوعة وهو صديق الطيب الأثير، فقد التقينا هناك مراتٍ قلائل، حين جاءَ إلى السودان قادِماً من مقر عمَلهِ بجامعة الإمام محمد بن سعود، وكانَ يبدو قلِقاً في ذلك الوقت لأنه يريدُ نقلَ مكتبتهِ الضخمةِ في أحد أحياء مدينة بحري إلى مكانٍ آخر، ودكتور أحمد الصادق واسعُ العلم، حلوُ المعشرِ وأخَو إخوان، بيدَ أنه ضَنينٌ بالكُتُبِ، يحدثك عنها ربما أفضلَ مِن مؤلِفيها أنفسهم، ولكنهُ لا يُعيركَ إياها!.
أطلقتُ على أولئكَ النفر من الأصدقاء تعبير (جماعة كمبوني) Comboni circle وفي تاريخ الأدب شاعَ استخدامُ كلمة circle بمعنى جماعة ذات توجهاتٍ فلسفيةٍ أو أدبيةٍ محددة، وتكفي الإشارةُ هُنا إلى جماعة بلومزبري Bloosmbury Circle وقد انضوى تحت لوائها كلاً من جيمس جويس وفريجينيا وولف وزوجها ليونارد وولف، ولستُ أزعمُ هُنا أن أصدقاء كومبوني كانوا يمثلونَ تياراً في الثقافةِ والأدب وإن كانوا مؤهلين لمثلِ هذا، وإنما أستخدم هُنا الكلمة الإنحليزية circle بمعناها المباشِر وهَي تعني فيما تعني مجموعة أو دائرة مغلقة من الأصدقاء.
ولعلني كُنتُ آخر من انضمَ إلى تلك الحلقة، هذا على الرغم من معرفتي ببعضِ أعضاءِ الجماعةِ مثل عبد الكريم عبد الفتاح، قبل أكثرَ مِن عشرين عاماً حينما كنتُ أرتادُ مقهى أبو جنزير وسط الخرطوم، ولكن صِلتي بالراحلِ العظيم الطيب أحمد الطيب لم تكد تتوطد إلا بعد نحو خمسة وعشرينَ عاماً بعد لقائي الأول بهِ في نادي جوتة حينما حدثنا عن بورخيس، وإني لأشعرُ بامتنانٍ عظيمٍ نحو الأستاذ عبد الكريم عبد الفتاح كونه قد عرّفني إلى الطيب ودكتور أحمد الصادق وخالد بابكر وأحمد فضل الله وحسن هِلال وآخرين.
الآن، أجلِسُ وحيداً في بلدةٍ منسيةٍ عندَ مُنحنى النيل بعد أن تفرّقت بنا السُبل بسببِ هذهِ الحرب اللعينة، لا أتحسرُ على فقدان شيء كفقدي الفادح لطيبِ السيرةِ والسريرةِ الطيب، ولفرط الصدمةِ والذهول أسألُ نفسي (هل كانَ الطيب شخصاً حقيقياً، أم طيفاً كطيفِ نبيّ اللهِ الخضر؟
-(٣)-
أحياناً يُخيّلُ إليّ أنّ شوارع الجمهورية والبلدية والقصر وجميع شوارع وسط الخرطوم ومنعرجاتها، قد تولدت بالأساس عن خطواتِ الرفاقِ والأصدقاء الذين كانوا يذرعونَ تلك الشوارعِ راجلينَ طوالَ النهار ورَدحاً من المساء، بيد أن جُل مشاوير الطيب كانت في طلبِ المعرفة ومن أجلِ الاطِّلاعِ على آخر العناوين التي تجودُ بها المطابع.
كانَ الطيب على استعدادٍ لأن يرافِقكَ حتى آخر الكوكب لو أن المشوار كانَ في سبيلِ اقتناءِ كتابٍ ما، والطيبُ الذي عرفتهُ كانَ يشمُ رائحةَ الكُتب ويتذوقها بكلِ جوارحه، ولم أعثر على شخصٍ بإمكانهِ أن يُحدثَ الناسَ عن تاريخِ الكُتبِ مثل الطيب، فقد كانَ بإمكانهِ أن يُشيرَ إلى تاريخِ طبعاتِ كتابٍ ما، وما هي أفضلُ الطبعات، وكان بوسعهِ كذلك أن يحدثك عن الكُتبِ المُترجمةِ حديثَ العارفين، وأن يُشير إلى الترجماتِ الجيدةِ والرديئة لذاتِ الكتاب، وكثيراً ما أبدى لي إعجابه بترجمات سامي الدروبي لدوستوفسكي، وترجمات آربري للمتنبي وللشعر العربي، وترجمات فيتزجرالد لرباعياتِ الخيام والعراقي عبد الواحد لؤلؤة لسونيتاتِ شكسبير الرائعة، وقد ذكر لي الطيب ذات مرةٍ حينما كُنا نتجاذبُ أطرافَ الحديث عن الترجمة، أن الترجمة الجيدة مثلها كمثلِ الشعرِ الجيد، فتحٌ ربانيّ لا أكثر.
لم يكن الطيب يتخذُ المعرفة سبيلاً إلى سِواها، بل كانت المعرفةُ عنده تعني الحياة نفسها، وقد كانَ ينظرُ إلى الآداب والفنونِ ليس باعتبارها نشاطاً ترفيهياً، بل بوصفها جزءاً أساسياً من الحياةِ الإنسانية.
لم أرَ الطيب يوماً إلا وهو يقرأ أو يتصفحُ كتاباً أو يناقِشُ كتاباً أو يبحثُ عن كتاب، وقد أهداني عن مكتبتهِ الضخمة كتابَ محاضرات في الألسنية العامة لفرديناند دو سوسير مؤسس البنيوية في مجال اللسانيات، وكتاباً بديعاً آخر هو (فقه اللغة) للمفكر المصري لويس عوض، وقد ظللت أبحثُ عنه كثيراً ولم أعثرْ عليهِ إلا في مكتبةِ الطيب، وأهداني الطيب كذلك نُسخاً مختلفةً من كُتبِ أخرى تركتها جميعاً ورائي في منزلي بالخرطوم، ولا أدري الآن ما الذي فعلهُ الأوغادُ بمكتبتي هناك.
غادرتُ الخرطومَ بعد أكثرِ من شهرٍ من اندلاعِ الحرب وتركتُ الطيب أحمد الطيب خلفي بالحاج يوسف، وكنتُ أتصل عليهِ حيناً بعد آخر وكان يرفضُ مغادرة منزلهِ حِرصاً على مكتبتهِ التي جمعها من كَدِّهِ وعرقهِ على مدى عُقودٍ طويلة.
لم يكن للطيب ثمة أموال ليزودَ عنها ولا عقارات ينافحُ عنها، بل كانت الكُتبُ هي ثروتهِ الوحيدة التي استُشهِد في سبيلها، وإني لأتخيلُ الآن حال مكتبتهِ بعد رحيلهِ،غ تبكي مُلتاعةً على فِراقِ صاحبها الذي أحبّها حُباً يفوقُ أي حُبٍ آخر ويُخيّل لي أيضاً في بعضِ الأحيان أن مكتبةَ الطيب قد لَحقت بهِ محلقةً خَلفه نحو السماء، هُناكَ حيثُ صعدت روحُ الطيب وسكنت إلى الأبد.