علجية عيش - مركز الشّهاب للبحوث و الدّراسات في الجزائر يضع الفكر الأركوني تحت المجهر ( أركون الرّجل و المشروع)

برعاية من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مكتب عاصمة الهضاب العليا

مركز الشّهاب للبحوث و الدّراسات في الجزائر يضع الفكر الأركوني تحت المجهر ( أركون الرّجل و المشروع)

( باحثة لبنانية تنتصر للفكر الأركوني: أركون زحزح التراث في مواقعه التاريخية ليخرجه من عزلته )


انتصرت باحثة لبنانية و هي الدكتورة نايلة أبي نادر من لبنان للفكر الأركوني حيث قالت و بجرأة الباحث الحُرْ أن محمد أركون أسيئ فهمه و تم التهجم عليه و نعتوه بأنه يتجنّى على الإسلام ، و قالت أنه وجب أن يُدْرَسَ فكر محمد أركون و يقرأ من زاوية محايدة بعيدا عن التعصب الفكري و الديني ، كما ينبغي أن تكون قراءة الكتابات المقدسة بشكل متماسك، في ردّها على من اتهموا محمد أركون بالإلحاد، و بالتالي على الخطاب الإسلامي أن يحترم فكر الأخر و أن يضعه في مخبر التحليل، و يمكن القول أن ملتقى مركز الشهاب انتصر للفكر (كفكر) و ليس للأشخاص إلا أنه ما لم يشر إليه المحاضرون هو أن محمد أركون و هو يتناول الظاهرة القرآنية طرح أسئلة عديدة لمعرفة كيف تشكل النص القرآني، و كيف انتقل الشفهي
إلى المكتوب و تحول الكتاب إلى مصحف ينبغي على المسلمين الرجوع إليه و العمل به و هو ما دفع بأتباع المدرسة العقلانية إلى تفكيك التراث الإسلامي المرتبط بالصياغة المكتوبة للمصحف معتمدا في ذلك على تجربة المدينة

491004342_540570635759275_7982414548969738970_n.png


هي سلسلة من الأيام الفكرية دأب مركز الشهاب للبحوث و الدراسات أن ينظمها في اليوم الد راسي حول الفكر الأركوني و لأول مرة تبادر هيئة علمية إلى تكسير "طابو" لتسلط الضوء على شخصية فكرية جزائرية لقيت انتقادات كثيرة وعلى كل المستويات، حيث شنّ عليها البعض حربًا و وجهت إليها أصابع الاتهام بالإلحاد، إنه المفكر الجزائري محمد أركون، المقبور في بلده و بين قومه، لا شيئ إلا لأنه ناقش إشكالية التراث و الحداثة برؤية عقلانية ، منذ بداية النهضة، فمنهم كما يقول الدكتور خير الدين درويش رئيس الملتقي من كفر بالتراث و انتصر للحداثة و منهم من انتصر للتراث و كفر بالحداثة ، فكان صراع بين التراثيين و التحديثيين حول تفكيك التراث وبخاصة النص الديني، خاصة في مرحلة اتسمت بزحزحة الحدود بين الساحة الدينية و الساحة الفكرية و الساحة السياسية في أوروبا و الحقيقة كانت هناك انتقادات لهذه المبادرة و تساءل بعضهم كيف لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين أو مركز الشهاب أن يتناول فكر محمد أركون اعتقادا منهم أنهما خرجا عن الخط، و ربما خصوم الفكر الأركوني لهم حساسية من التيار الأمازيغي، بحكم أن محمد أركون ينتمي إلى منطقة القبائل، رغم أن كثير من المفكرين كالجابري و حسن حنفي و مفكرين أخرين عملوا في مرحلة معينة على تفكيك التراث باستعمال الأفكار الغربية كمشروع، فما كان على مركز الشهاب للبحوث و الدراسات أن لا يترك هذه الأفكار تنام تحت أجنحة الظلام، بل كان من الضروري أن يُخرِجها إلى النور و يضعها تحت المجهر و محاورة خصومها.

و قد اعتاد المركز حسب رئيس الملتقى أن يناقش هكذا اطروحات متبنيا لغة الحياد و الموضوعية من أجل زرع ثقافة الحوار و النقد البنّاء، حيث لقي الملتقى الذي احتضنه مركز الشهاب للبحوث و الدراسات بعاصمة الهضاب العليا ( سطيف) تحت إشراف صاحبه الدكتور علي حليتيم وهو طبيب مختص في الأمراض العقلية و كاتب و روائي، عرف مشاركة قوية لباحثين أكاديميين، قدموا من مختلف الجامعات، تناولوا أفكار محمد أركون، بين الرّوح الاستشراقية و الإبستمولوجيا الحديثة ورقة قدمها الدكتور الطيب بودربالة ، سمات و مقاربات القراءة الأركونية للنص القرآني ( الد/ سرحان بن خميس) ، الأنسنة في مشروع محمد أركون النقدي و هي ورقة قدمتها الدكتورة نايلة ابي نادر من لبنان، اللا مفكر فيه عند محمد أركون للدكتورة زبيدة الطيب، محمد أركون مفردا و متعددا: التفكير مع أركون ضد أركون للدكتور مصطفى كيحل، ثم ورقة الدكتور علي حليتيم بعنوان تفكيكية المصطلح الأركوني بألية التحليل النفسي.

فمحمد أركون معروف على مستوى عالمي، فهو مفكر و مؤرخ و عالم دراسات إسلامية و فيلسوف و باحث أكاديمي ، و بالتالي يستحق أن تخضع أطروحاته الفكرية للنقاش و التحليل بدون تعصب فكري أو ديني ، طالما إشكالية التراث و الحداثة تدخل في إطار حوار الثقافات و الحضارات، حيث شكلت صراعا بين الدارسين و الباحثين منذ النهضة إلى الوقت الحالي ، فظهرت كتب كثيرة تُنَظِّرُ في محاولة اصحابها تطبيقها على أرض الواقع، خاصة بعد هزيمة 1967م، ظهرت اتجاهات جديدة درست التراث بمنطلقات و مناهج حداثية غربية، فظهرت عدة مشاريع بأسماء أصحابها ( مشروع محمد عابد الجابري، و مشروع حسن حنفي ، مشروع محمد أركون و غيرهما و عُرِّفَتْ هذه المشاريع في الأوساط الفكرية بـ: "القراءات الحداثية للتراث".

كيف نقرأ محمد أركون؟ و كيف نقف على شخصيته كإنسان لا كمفكر؟

ورقة قدمها الدكتور علي حليتيم مدير مركز الشهاب للبحوث و الدراسات قدم فيها تحليلا نفسيا لشخصية أركون ، اعتمد فيها على النظرية الفرويدية في اكتشاف اللاشعور و الحياة الأولى للإنسان ، من خلال الألم و اللذة و النبي المتمرد، أراد من خلالها ان يكرس البيئة الفكرية التي نشأ فيها أركون ( الطفل) قبل ان ينتقل إلى باريس، و هو يصعد نحو الهوية و البعد القبائلي في شخصية والده و محاولة إعادة بناء نظام رمزي مفقود، و شعوره بالا أمن الوطني و الإنديجان في المدرسة، و هيمنة الآباء البيض عليهم محالة فرض عليهم اللغة الأجنبية، سفره مع ابيه إلى جعله يعيش اللاأمن الرمزي ، لأنه في منطقة لا يوجد فيها أمازيغ، كلها عولم اثرت في فكر محمد أركون ، خاصة علاقته بالأب لورانس الذي كانت له شبكة ادعائية للمسيحية و كانا يتبادلان الرسائل، و كيف تغيرت رؤيته للعالم بعد انتقاله إلي باريس، يقول الدكتور علي حليتيم " كل مغترب ينظر إلى نفسه في المرأة من اجل ان يكتشف ذاته، فكان اركون كلما ينظر في المرأة يرى أن ذاته مشوهة، و في مرحلة الخيال يرى ذاتا مكتملة ذات قوة و ذات مركز اجتماعي، و هي في الحقيقة الذات الغربية في صورة أركون و هنا يسعى أركون إلى التدمير الذاتي، أي تدمير القيم القديمة البالية التي همشته و عملية التطهير.

أركون و جدلية اللحظة و الخلود و الحضور و الغياب

فمن وجهة نظر الدكتور الطيب بودربالة فمحمد أركون شخصية علمية بارزة و أفكاره تدخل حول حوار الثقافات و الحضارات، و أطروحاته تحيل الباحث و القارئ إلى فكرة الوسطية، لأنه ليس من السهولة تناول فكر عمّر نصف قرن و أثار إشكاليات كثيرة ، خاصة و أن لكل واحد من محبيه أو معارضيه له حجته دلالته، خاصة في مرحلة سيطرت فيها اللسانيات على الساحة الفكرية و الثقافية في فرنسا، كانت هناك منعطفات تفكيكية، بصرية ( في مجال البصريات) و كانت مرحلة القرن العشرين حاسمة عاشها محمد أركون، و هي حسب المحاضر تمثل العصر الذهبي للفكر المتحرر و حركات التحرر في العالم، تحقق فيه ما يسمى بالنظرية الفرنسية يمثلها كبار أعلام الأدب الفرنسي كميشال فوكو ( الحفريات)، ومحمد أركون كان ناقدا أيضا، بحيث يقف في نقطة معينة ، يلتق فيها بتداخل التشابك المستمر بين الخيالي و العقلاني، فما يسمى بـ: "كلام الله" هو في الواقع عبارة عن نصوص دينية (من توراة و إنجيل و قرأن) و هذه النصوص أراد رجال الدين أن يحتكروها لأنفسهم ليحددوا معناها و دلالاتها، و بذلك يمنعون أتباع العلوم العقلية ( أي الفلاسفة و المتكلمين) فوقعت تداخلات في الساحة الدينية و الفكرية و السياسية، و كنقاد يلمس الباحثين ذلك من خلال رسالته حول الأديب طه حسين المتشبع بالفكر الإستشراقي، و كان لزاما على أركون أن يتجذر في الفكر العربي بكتابه النزعة الإنسانية المتجذرة في الفكر اليوناني و الذي مكنه من الوصول إلى كرسي الأستاذية في باريس، حيث ارتكزت أطروحاته على الدراسات الاثنوغرافية، و الإسلاميات و الأنتروبولوجية و السوسيولوجية، و من خلالها فكّك محمد أركون ظاهرة الإستشراق التي كانت تهدف إلى السيطرة على الشرق ممثلة في المستشرق الفرنسي جاك بيرك، و غيره من المستشرقين الذين حرصوا على دراسة الظاهرة الإسلامية، يلاحظ و حسب المحاضر ان محمد أركون في أطروحاته اعتمد على جدلية اللحظة و الخلود و جدلية الحضور و الغياب و إشكاليات أخرى حول الإعجاز القرآني، أراد المحاضر القول أن العقل البشري عجز عن تفكيك النص القرآني، و بالتالي من الصعوبة بمكان الوصول إلى حقائق علمية بسبب طغيان الذاتية و الإيديولوجية و خاصة ما تعلق بقضية " التأويل".

أركون و الظاهرة القرآنية

فمن خلال المنجز الفكري لمحمد أركون و إعادة أشكلة مفهوم "الوحي" و إن كان الوحي في المسيحية مثلا هو شيئ أخر غير الوحي في الإسلام، و كيف يمكن وضعه في الإطار المعرفي للحداثة و ليس عن طريق اللغات و المصطلحات اللاهوتية التقليدية التي تحال الهيمنة علي كل طافة من الطوائف، و هي كما يقول الدكتور سرحان بن خميس من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية مسائل مرتبطة بـ: اللاهوتيات مشيرا إلى بعض المفاهيم التي كان لها دور بارز في أشكلة الوحي، مثل الزحزحة و التفكيك و خلخلة النص و تجاوز المصطلحات إلى أكثر موضوعية كالظاهرة القرآنية، و أركون و هو يفكك هذه الظاهرة دعا إلى الانفتاح على المفاهيم اكثر حداثة، لأن القراءة التقليدية تؤدي إلى التأويل و لذا كانت قراءة أركون قراءة حداثية، باعتبار ان "الوحي" ظاهرة متكررة و هذا هو الفارق بين محمد أركون و مالك بن نبي، و من هنا ينتهي أركون إلى موقف توفيقي و هو عقل ما بعد الحداثة و هي قراءة وصفت بالمتسكعة بين شخصية النبي و الوحي، أراد المحاضر أن يرد على خصوم محمد أركون بأن أركون يقرأ الوحي دون تدخل النبي، أما مسالة الجمع بين الشفهي و الكتابي يلاحظ أحيانا أن أركون تغلب عليه النزعة التشكيكية ، فكانت قراءته للظاهرة القرآنية قراءة ابتكارية، نقدية، تفكيكية ، تزامنية، تجاوزية، أسس لها كثير من المفكرين و منهم المفكر محمد شحرور الذي تعامل مع القرآن كنص معزول و كانت دراسته الظاهرة القرآنية كرد على نكسة 67 ، و هي كما يقول صاحب الورقة قراءات متفتحة على كل المقاربات و هي مشروع فكري موضوعي هو العقل الإسلامي منهجها ضبط و نقل الخطاب الحداثي.

الأنسنة في مشروع أركون التنويري

أما موقف محمد أركون تجاه الأنسنة التي هي أساس الفكر التنويري باعتبارها مفهوما فلسفيا يركز على الإنسان كانت الورقة التي قدمتها الدكتورة نايلة أنطوان أبي نادر من لبنان عن طريق التخاطب الرقمي ( عن بعد) بعنوان: الأنسنة في مشروع محمد أركون النقدي ( التنويري)، تناولت فيها عمليات الأنسنة عند أركون و ما هي العوائق اتي تحول اركون دون الدخول ي التأويل، و هو أمر شغله منذ بداياته في البحث و في التراث تحديدا ، خاصة و الرؤى حولها ( أي الأنسنة) كانت مختلفة و متناقضة تماما، فمنهم من يراها كنزعة علمانية متطرّفة ترى أنّ الإنسان هو مركز الكون، و أخرون كانت لهم رؤي مغايرة تمامًا ، إذ ترى أنّ الله هو مركز الكون وخالقه ومدبّره، أمّا الإنسان فخليفته في الأرض، يخلفه في عمارتها، وتحقيق العدالة فيها، ومن ثمّ فالإنسان ليس هامشًا، بل هو مركز، ولكن بحدود ما استُخلِف فيه، و لذا لم يدع أركون إلي تمجيد هذا المشروع و لا إلى تهميشه و هو يتوجه إلى المجتمع المادي ، فقد ذهب أركون في " الظاهرة القرآنية" إلى دراسة فكرة التوحيد عن ابن رشد و المعتزلة و فتحت مناظراته على الصراع بين العلوم العقلية و العلوم التقليدية أي العقل الفلسفي و العقل اللاهوتي أو ما يسمي بالحداثة البدائية، من وجهة نظرها هي ، لا يمكن الدخول إلى الحداثة دون نقد عقلي، ومحمد أركون كان طيلة أربعين (40) عاما يعمل على تفكيك التراث، و أن يزحزحه في مواقعه التاريخية ليخرجه من عزلته ، و درس المنهج العقلاني عند المعتزلة و اعتبرها مجالا واسعا، أراد أن يعيد من جديد الظاهرة الدينية و أن يسقط المصطلح الحديث على التراث.

ما يمكن استنتاجه من خلال ما قدم من مداخلات أن محمد أركون و هو يعالج إشكالية العلمنة و الدين (و على لسانه هو ) ،يوضح كيف تشكل الفضاء الإسلامي ( أو المجال الإسلامي) و ما يقابله في التراث اليهودي و التراث المسيحي فيما يخص حالة القرآن ، إذ يلاحظ أن الخطاب الشفهي الذي نطق به محمد قد تحو{ّل فيما بعد إلى "مدونة" نصية رسمية مغلقة ( أي مصحف) و قد اصبح بذلك عرضة للتأويل المنفتح باستمرار من أجل قيادة التاريخ و توجيهه، و يدعو محمد أركون إلى الفصل بين مفهوم "كلام الله" عن "مفهوم القرآن" ، فكلام الله حسبه لا ينفد و لا يمكن استنفاده، و نحن لا نعرفه بكليته، يضيف ان أنواع الوحي التي أوحيت بالتتالي إلى موسى و أنبياء التوراة ثم إلى عيسى و أخيرا إلى محمد ليست إلا أجزاء متقطعة من كلامه الكلّي و بهذا نجد القرآن يتحدث عن اللوح المحفوظ، و هنا ينبغي ان يتدخل علم اللسانيات، لأن الخطاب القرآني مدعو ( خطابا) لأنه لم يكن مكتوبا في البداية و إنما كان كلاما شفهيا.

تقرير علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى