د. أحمد الحطاب - الجهاد في سبيل الله

كلمة "جهاد" وردَت في 26 آية من القرآن الكريم، إما في صيغة فعل "جاهد" وتصريفه في الماضي والمضارع والأمر، أو في صيغة اسم الذي هو "جهاد" . وما يجب أن ينتبهَ إليه قارئُ القرآن المُتدبِّر، هو أن اللهَ، سبحانه تعالى، لم يُحدِّد في كل هذه الآيات الستة والعشرين نوعِيةَ الجهاد. بل ترك للقارئ المتدبِّر إدراكَ معنى هذه الكلمة حسب السياق الذي جاءت فيه وحسب موقعها في الآية.

لكن علماءَ وفقهاءَ الدين، وخصوصا المُتطرِّفون منهم، ربطوا كلمةَ "الجهاد" الوارِدة في القرآن الكريم ب"الحرب"، أي، أولاً، باستعمال العُنف ضد كل مَن هو غير مسلم، وثانيا، بشنِّ الحروب على البلدان غير المسلِمة.

واللهُ، سبحانه وتعالى، يقول :

1."وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (البقرة، 190).

2."يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (المائدة، 87).

3."ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (الأعراف، 55).

بعد تحليل الآيات الثلاثة، واضحٌ أن اللهَ، سبحانه وتعالى، لا يُحب المعتدين. بل الاعتداء، حسب هذه الآيات، ليس محصورا، فقط، في الدفاع عن النقس، كما تُشرُ إلى ذلك الآية الأولى. بل تجاوز الحدود التي رسمها الله لعباده وأمرهم أن يحترمونها، يُعتَبَرُ اعتداء، كما أشارت إلى ذلك الآيتان الثانية والثالثة. وما يُستنتَج من الآيات الثلاثة، هو أنه، سبحانه وتعالى، لا يحب الاعتداءَ كيفما كان مصدرُه، أي سواءً كان ناتِجا عن شنِّ الحروب بالسلاح أو عن تصرُّف الإنسان.

وفيما يلي، هذه بعض آيات القرآن الكريم، التي لا يمكن للقارئِ المُتدبِّرِ أن يربط، بعد تحليلِها، فعلَ "جاهد" لا بالعنف ولا بالحروب.

1."وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" (العنكبوت، 6).

2."أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ" (آل عمران، 142).

3."وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (العنكبوت، 8).

بعد تحليلٍ مُتدبَّرٍ فيه لهذه الآيات الثلاثة، لا يمكن، على الإطلاق، ربطُ فعل "جاهد"، كما سبق الذكرُ، لا بالعنف ولا بالحروب (بالعّدوان على الغير). بل فعل "جاهد" يمكن تلخيصُه في الأفكار والأفعال التي يسعى من ورائها الأفرادُ والجماعاتُ إلى نشرِ الخيرِ ومحاربة الشر.

هذا، كذلك، جهادٌ أوصى به، سبحانه وتعالى، حين قال في الآية رقم 104 من سورة آل عمران : "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ". في هذه الآية الكريمة، كلامُ الله، عزَّ وجلَّ، مُوجَّهٌ للمؤمنين، أفراداً وجماعات، الذين، بعد إيمانِهم، مُطالبون ياتِّباع ما أراده الله، سبحانه وتعالى، من خيرٍ لعِباده.

وما يُزكِّي هذا الاتِّجاهَ الإلهي، هو أن ما يقوم به الأفرادُ والجماعات من "جهادٍ"، حسب الآية الأولى، هو لصالح هؤلاء الأفراد والجماعات، وليس لصالح الله، سبحانه وتعالى ("…إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ"). لماذا؟

لأن اللهَ، عزَّ وجلَُ، بكل بساطةٍ، ليس في حاجةٍٍ لجهاد النفس البشرية ليُثبتَ وجودَه و وحدانيتََه وصفاتِه ما دام هذا الوجود وهذه آلوحدانية وهذه الصفات مستقلةٌ عن الزمان والمكان. أن يسودَ الخيرُ والأمرُ بالمعروف وانَّهيُ عن المُنكر، هذا هو كل ما يريده اللهُ، سبحانه وتعالى، لعِبأده.

أما المقصود من الآية الثانية، المُشار إليها أعلاه، هو أن ال"جهادَ" جاء مقترِنا بالصَّبر. بمعنى أن كل الأفراد والجماعات الذين يسعون لنشرِ الخيرِ، عليهم أن يتحلَّوا بالصبر. لماذا؟

لأن كلَّ مَن أراد أن ينشرَ الخير، بمعناه الواسع والذي أراده اللهُ، سبحانه وتعالى، لعباده، لا بدَّ أن يجدَ في طريقه العراقِل les obstacles والمُعارضات les contrariétés والمضايقات les agacements. فعليه أن يتحمَّلَ هذه المعارضات وهذه المضايقات. والتَّحمُّل يتطلَّب كثيرا من الصبر، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى :"يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" (لقمان، 17).

في هذه الآية الكريمة، النبي لقمان يوجِّه كلامَه لابنه، ناصحاً إياه بالصبر على ما يُعانيه من مضايقاتٍ حينما كان سعيُه نشرَ الخير كما أراده الله لعباده.

أما المقصود من الآية الثالثة، المشار إليها أعلاه، هو أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يأمر بعِصيان الوالدَين (وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي…) إن مارسوا عليك الضغطَ لتُشرِك بالله ما ليس لك به علمٌ. "وَإِن جَاهَدَاكَ…" تعني إن أجبروك، بطريقة أو أخرى، على الشِّرك بالله، مسموحٌ لك عدم طاعتِهما.

ولهذا، فالجِهاد في سبيل الله، ليس محصورا في شنِّ الحروب على غير المُسلمين، كما أراد ذلك علماءُ وفقهاءُ الدين المُتطرِّفون. بل الجِهادُ في سبيل الله، هو السَّعيُ إلى فعل الخير بجميع أشكالِه، طِبقاً لما نصَّ عليه، سبحانه وتعالى، في القرآن الكريم، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (الحج، 77).

وحتى إن كانت هناك في القرآن الكريم آياتٌ أدرك بعض علماء وفقهاء الدين أن فعلَ "جاهد" واسم "جهاد"، الوارِدين فيها، معناهُما شنُّ الحروب على غير المسلمين، فإن هذه الحروب محصورة في الفترة التي كان فيها الرسول (ص) مُكلَّفاً بنشر رسالة الإسلام. وبعد وفاته، انتهى نشرُ رسالتُه، حينها، أصبح لفعل "جاهد" واسم "جهاد" معنى واسع يتلاءم والعصر الذي نعيش فيه.

فهل سيشنُّ علماءُ وفقهاءُ الدين المتطرفون حروبا على الولايات المتَّحدة وعلى الاتحاد الأوروبي وعلى الصين وعلى اليابان…، وهي بلدانٌ يعتبرها هؤلاء العلماءُ والفقهاءُ بلداناً كافرةً، لإجبارها على اعتناق الإسلام؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى