العربي عبدالوهاب - تناقضات العالم وهشاشته فى قصص عتبات الظمأ للكاتب محمد الحديدي

للكاتب محمد الحديدي(1) تجربة عميقة مع فن القصة القصيرة، حيث أصدر من قبل ثلاث مجموعات ، وهاهو يغزل نصوصه على أكثر من نول هنا، يفاجئنا من نص إلى آخر بقدرات متميزة فى صياغة الحبكة القصصية، أوتنوع فى الموضوعات التى يعمل على معالجتها ببراعة ، نراه يرصد تحولات المكان وتبدل الاطار المعمارى للقرية حيث تحولت من بيوت الطين للحجر، ومن ثم تحولت سمات وعادات الشخصيات لأنماط سلبية، مفزعة، نبدأ مع قصتيه اللتين ترصدان التحول المورفولوجى لدور البلدة (كفر الحوت، وقطعة أرض صغيرة) .

فى قصة (كفر الحوت) تخترق والدة البطل/ وراوى القصة الحجب ـ بعد موتها بثلاثين عاما ـ وتفاجئ ابنها ـ فى حلم يصحو منه فى نهاية القصة مفزوعا ـ سائلة إياه عن أم السيد الخبازة، وعن دار ابن عمها، ثمة تحولات جذرية حدثت فى المكان، ولا يجد البطل ردا مناسبا للأم التى أفزعتها التحولات المرعبة للمكان، ففضلت العودة من حيث جاءت، " هى دارنا راحت فين .. وفين فرن الخبيز..؟....... فين يا ابنى الفرن.. وفين أم السيد.. ده أنا عديت عليها لا لقيتها ولا لقيت دارها.. بصيت مكان الدار لقيت عمارة كبيرة"ص28 .

أولا حيلة الاطار الذى تدور القصة فى فلكه وتصنع الحبكة عن طريقه، ساهم فى صنع مقابلة بين زمنين يتناطحان، أضحى فيه الواقع المعاصر متحكما فى تشكيل ملامح جديدة للمكان، واضح جدا أن هذه التحولات أفزعت الراوى لما تجسد بهذا الشكل عبر (الحلم/ الكابوس) باستحضار (الأم)، بعد رحيلها بزمن طويل.. وتبادل الحوار معها.. التوازى هنا فى تجسيد التحولات التى ألمت بالمكان يتضافر مع القصة التالية لها وهى (قطعة أرض صغيرة) حيث نتابع شطرا من تاريخ الراوى فى طفولته وما يحكيه عن قطعة أرض على حدود بلدته التى كانت تستخدم لتجميع نفايات البلدة بها، وكان الراوى وأقرانه يصطادون السمك من بركها الصغيرة، ويلعبون فى جنباتها ، وراء الزنابير الملونة؛ حتى عقدت الصداقة بينهم وبين عاملى النظافة، فصاروا يتبادلون الصيد والسندوتشاب وركوب الجرارات إلى جوارهم.. تجسدت حالة من الإنسجام، تكسرت بموت كلب الراوى برصاصة غادرة، هنا نلاحظ أن ثمة عاملين كانا مؤثرين فى سير أحداث القصة هما الماضى متجسدا فى زمن الطفولة والحاضر الذى إختفت فيه ملامح المكان، بعد تحويله الى تجمع سكنى.. الحنين هنا فى القصتين للماضى / زمن الطفولة مبرره، حيث يعكس رفض ضمنى للتحولات السلبية التى من شأنها تشويه الانسانية تحت دوافع كثيرة، لا تتوقف شخوص القصص عن الاعلان عنها من نص إلى آخر.

توزعت مجموعة عتبات الظمأ على ثلاثة أقسام هى:

الأول ـ يضم العشر قصص الأولى بدون عنوان موحد وإن كان دافع الفقر يتحكم فى أغلب تفاصيلها.

والقسم الثانى ـ بعنوان (شظايا الرفض والطلقات) ويضم تسعة قصص.

والثالث ـ بعنوان (من حكايات الكلاب) ويضم خمس قصص.

كأن الشخوص متشابهة، ذات ملامح متقاربة تماما، يسحلها الفقر، ويضغط عليها الواقع بثقل متطلباته اليومية، ويجرها إلى القبول بحياة صار فيها اللامعقول مقبولا .. فى قصة (مسألة عادية جدا) يخلق العنوان جدلا عميقا مع مادة النص، حيث يضطر الراوى الذى يشتغل ساعيا فى مكتب مسئول كبير، أن يقوم بتركيب (قرون) لنفسه، حتى ينتهى السيد من عهره مع عميلاته الجميلات، تلك الحالة من تفريغ المحتوى الأخلاقى والانسانى لراو القصة ـ رغما عنه ـ بحكم وظيفته، يجعل منه شبه إنسان يتقبل كل ما هو لا معقول فى تفاصيل حياته اليومية، (بعادية) محزنة للغاية؛ وكأن لسان حاله ينطق بسؤال : ما المانع إذن من التشبه بالغرب فى قبول ساكن فى حجرة من حجرات الشقة، وتقوم الزوجة بكى ملابس ذلك الساكن، وربما النوم معه فى آخر الليل، وما المانع أن يعود للبيت فيجد ابنته برفقة صديق لديها، هل عليه أن يترك لهم المكان وينزل للشارع شاعرا أن البشر مثله متقبلين تلك الحياة القائمة على القهر، والقبول بكل ما هو لا أخلاقى ولا إنسانى، يتعامل الكاتب مع مادة قصصه بتعريتها باستمرار.

إذا كان الماضى وزمن الطفولة لن يعود كما أسلفنا، والعمل الوظيفى لا يكفى احتياجات الزوجة والأولاد، فما المانع من قبول الهبات التى هطلت عليه فى قصة (عمل إضافى) لما أخذته الغفوة فى الطريق، فأفاق ليجد أن تلك الحيلة (الشحاذة) توفر له عملا إضافيا،وما المانع فى اللجوء للحلول غير المنطقية فى التعامل مع معطيات ضاغطة لواقع معنى بالتحولات المفزعة.

الحزن قاس وعميق، يتشكل فى حركة الشخصية وايماءاتها، وعدم اكتراثها أحيانا، ربما لأن هذه المعطيات صارت من القسوة بمكان، بحيث أنها لم تعد تضيف إلى تلك التفاصيل سوى المزيد من مرارات الفقد، فى قصة (صورة جانبية لميت) تسعى الأم العجوز بشكل طقسى لزيارة المقابر وتقوم بتوزيع (قرص الرحمة) على العيال، أملا فى مناجاة طيف ابنها المتوفى.

ويتبادل أبو المكارم الرسائل مع نفسه متوهما أن له حبيبة، ويتجاذب معها كلمات العتاب، والحنين والشوق، فى قصة (حبيبته) ..هل كان محمد الحديدي يستعيد ملامح الكولونيل فى رواية جارثيا ماركيز (ليس لدى الكولونيل من يكاتبه) .. ربما، وربما مرارة الفقد ورفض ضياع مشاعر نبيلة فى رتابة واقع يتميز بالقسوة، كان دافعه العميق.

فى قصة (سفر) يسافر الأب بحثا عن سعة الرزق فى مدينة واسعة كالقاهرة، فيموت، موت الأب هنا يمثل موتا رمزيا لمعطيات تم تدشينها عبر أكثر من نص، حتى يجد القارئ يواجه صنوفا متعددة من الفقد، والموت والتلاشي وتشرذم الواقع وانحناء شخصياته.

بوصولنا إلى القسم الثانى المعنون بـ (شظايا الرفض والطلقات) كأن الكاتب بعدما قدم تفاصيل لوحة تحمل قدرا كبيرا من السوداوية والقسوة، كان من اللازم رفض كل ما سبق والثورة عليه.. وهذا ما حدث وقام الكاتب فى التعريج عليه حيث خاص فى تفاصيل الثورة، ورفض الشخصيات حياة المهانة واللامعقول، حياة الفقد، والموت والتلاشي.

رغم إستمرار نغمة الفقد والموت كما نرى فى قصة (رائحة الميدان) فنعرف بموت (مينا) قتيلا فى أحداث الثورة، تماما كما فقدت العجوز ابنها الشاب .. فى القسم الأول واستمرت فى ملاحقة طيفه، بزيارة المقابر ومناجاته رغم الغياب .. يستمر هنا (أبومينا) قائما بين المتظاهرين، مساهما فى إنجاح الثورة حتى يعود بثأر ولده الفقيد.. التضحية، والعزيمة على النهوض من أجل خلق عالم مختلف، وجديد، عالم ثورى تتناقل أحداثه، وحكاياته شخصيات القصص .. وتستكمل الثورة بعرض فصولها فى قصة ( صباح جديد للحرية) حيث يقوم عم حامد بطل القصة يغلق محل الحلاقة ويذهب للميدان قاطعا مسافات طويلة، نقرأ لافتات المتظاهرين ونستنشق عبير بطولاتهم، ومشاعرهم الدافئة، وإصرارهم على تغيير واقعهم الرمادي الفاتر، بعالم ثورى جديد، حياة أخرى ذات أحلام وطموحات جادة.

فى هذا القسم يستمر الكاتب فى إضافة تفاصيل جديدة، ورؤى موازية لأحداث الثورة، فيقيم دلالات رمزية بين سقوط صورة الرئيس وخشية الخال/ الضابط من المرحلة القادمة فى قصة (لعبة صابرين)، يقول " كانت صابرين قد قفزت بالكرة تجاهى حاولت إمساكها إلا أنها أفلتت من قبضة يدي لتوقع بتلك الصورة الكبيرة التى تتوسط حائط الصالة، فقام خالي منفزعا وحمل الصورة وراح يعيدها إلى مكانها وسط الحائط بينما إرتعاشة كبيرة سرت بكل جسده وبدت الصرامة والجدية على ملامح وجهه حين كان يؤدى التحية العسكرية"ص53 .. لعل موقف الخال هنا سببه القلق على أحوال البلاد، حال سقوط نظام، ونهوض آخر، شئ جديد، لم يعهده، وإرتعاشاته تمثل توكيدا، ودلالة عميقة على ما يعانيه أمثاله من الامتثال لتفيذ الأوامر، والرغبة الحقيقية فى التغيير.

يؤكد تلك المشاعر، ويعضد هذه الروح الثورية تخصيص قصة لـ (بوعزيزي) شهيد تونس وسر إشتعال ثورتها، فى قصة (النار المقدسة) .. كما يتم أيضا إضافة قصة (وشم على جدار الذكرى) لقصص الثورة، بالرغم من أنها تتعرض لزمنين بعيدين، هما النكسة، ثم حرب الاستنزاف، وصولا لنصر أكتوبر المجيد، فهل لاحظ الكاتب أنه ثمة دلالات تضيفها هذه القصة لروح القصص المعنية بالثورة، أعتقد أن زمن الحكاية والظلام فى قصصه الأولى أقرب إلى زمن النكسة، ونصر أكتوبر متوازيا مع أحداث الثورة.

وتشيع اللغة الخطابية، والشعارات، والفداء، والنصر، كأنها كتابة تستنهض روحا محزونة، وتؤسس لطرح جديد على الطريق.

قصص هذا القسم تحفل بتسجيل التفاصيل التى تابعها الجميع فى الميدان، ولجوء الكاتب إلى الوصف الخارجى للأحداث ولمظاهر الثورة، بسبب إنتشائه وسعادته بالحطوات القادمة على الطريق.

أما القسم الثالث فى المجموعة والمعنون (من حكايات الكلاب)

فالكاتب يتوقف أمام خمسة نماذج من الكلاب، ويستخدمها كرموز ودلالات نصية .. تارة نراها علاقة خوف وذعر ومحاولة للخلاص كما فى قصة (الكلب الشرس) الذى نتابع العلاقة المتوترة بينه وبين الراوى، وكلاهما لا يأمن مكر وغدر الآخر، لتفضى بنا القصة على أعتاب علاقة الزوج بزوجته، وهو يحاول خنقها، وهى تقول له: (هذه ليست المرة الأولى التى تحاول فيها قتلى) ..تحطمت أعصابي .. خارت قواى .. هويت على الأرض .. إحتوتنى رغبة جارفة فى أن أفعل شيئا...

وإذا كان الراوى لم يتمكن من فعل شئ سوى فى كوابيسه، ومن خلال وعيه الباطن، فالمعلم فى قصة (مشروع الألف كلب) حاول الاستفادة من تلك الثروة، واستهدف تربية الكلاب وقام بانشاء مزرعة، لتقوم الكلاب فى نهاية القصة بالاعتداء عليه وتمزيق لحمه، لأنه لم يتمكن من توفير الطعام لها، ربما تبدو القصة على قدر عال من السخرية من الواقع، وأيضا تحمل فى أعماقها أبعادا ودلالات رمزية يمكن للقارئ تأويلها حسب وعيه وعمق قراءته.

أما قصص (الكلب فيدو، والكلب البائس، والكلب أيضا يموء) فقدم الكاتب نماذج لطيفة عن وفاء الكلاب، ووفاء الانسان، وإخلاصهم للإنسان ولصورة الابن الغائب فى الكلب فيدو، أما عندما يصير الكلب عجوزا، وتسقط أسنانه، فيصير محط سخرية للقطط.. وكما كانت الحيوانات فى كليلة ودمنة تمثل معادلا موضوعيا للواقع، فالكلاب فى هذه القصص، تعنى أيضا دلالات عميقة عن المحبة والوفاء والاخلاص، تلك المعانى التى تلاشت، والكاتب لا يغفل ذكرها، حتى يشير بالتعبير عن إنسانية الكلاب فى مقابل حيوانية البشر المتجسدة، فى حملة البلدية للخلاص من كلاب الشوارع.

ثمة كتابة فى قصص عتبات الظمأ معنية بالغوص فى معاناة الانسان، ورفض انسحاقه، وأيضا رفض قسوته وعنفه تجاه الحيوان، وذلك من خلال التفاصيل اليومية البسيطة، وبأحداث قصيرة، وشخصيات مرئية فى محيط حياتنا اليومية، ومن فرط عاديتها، يستخرج الكاتب دلالالته، ويقوم بتوظيفها بخفة ومرونة فى التعبير عن رؤيته الفنية دون مواربة، وببساطة تؤكد مهاراته وحرفيته، وإمتلاكه لناصية هذا الفن المراوغ.

ـــــــــــ

هوامش

1 ـ محمد الحديدي ـ عتبات الظمأ ـ قصص ـ مطبوعات إتحاد كتاب مصر ـ دار ميتا بوك للطباعة والنشر ـ 2020

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى