مَفْهومُ الإيقاعِ في بَعْضِ الدِّراساتِ الْغَربِيَّة الْمُعاصِرَة.. مفهوم الإيقاع عند "جان مولينو وجويل طامين و يوري لوتمان " Io Jean Molino & Joelle Tamine Iuri Lotman)
الجزء الرابع
يتصدى الباحثان "ج.مولينو" وج. طامين" لتحديد مفهوم الإيقاع ، والتمييز بينه وبين الوزن بشكل يتسم بالوضوح والدقة في كتابهما الرائد "مدخل إلى التحليل اللساني للشعر ." (Introduction à l’analyse linguistiquede la poésie) في البداية يحددان مصطلح "نظم الشعر" "Versification"، فيعتبرانه مصطلحاً شاملاً من حيث "هو دراسة كل أنماط بنائية الشعر، أي أنه علم أو طريقة دراسة الخصائص الصّوتية للوحدات العروضية من مدة ونبر وتنغيم " () ويعرفان العروض بأنه نظام الأوزان الثابتة التي تحدد النظام الداخلي للشعر، أما الإيقاع فيعرفانه بأنه كل مظهر حر ومكرر ، ثم يعمدان إلى التمييز بين مفهومي الوزن والإيقاع ، فيعتبران أن الوزن هو ذلك التنظيم الداخلي للبيت ، القائم على العلاقة بين مقاسات محددة . إنه تنظيم صارم ، فهناك تماثلات وتوازنات ونسب يتم التعبير عنها برموز محددة العدد لا يستطيع الشاعر تغييرها. بخلاف الإيقاع الذي هو كل مظهر يتكرر داخل زمن من العناصر المتغيرة الملاحظة مثل الأزمنة القوية والأزمنة الضعيفة في الرقص. فالإيقاع ـ في رأيهما ـ كالوزن ، يفترض بنية تكرارية ، كما يفترض كذلك المجاورة داخل زمن هذه البنيات المتناسبة ذلك أن نفس الحافز المتكرر في مفتتح القصيدة وفي خاتمتها أو في بداية قطعة موسيقية وفي نهايتها. لا ينشئ إيقاعاً وذلك بسبب وجودهما بعيدين أحدهما عن الآخر. لأجل ذلك ، فإن الباحثين يرفضان تحليل كيبدي فاركا ( Kibedi Varga ) الذي يعرف الإيقاع بأنه كل مجموعة من" الظواهر التي تعود بشكل متقطع ومتحرر" () وهذه الظواهر هي ظواهر صوتية نحوية ، معجمية، دلالية.
إن الإيقاع ـ في نظرهما ـ يتميز عن الصدى ( Echo ) كما يتميز في نفس الآن عن الوزن إنه مؤسس بالضرورة على عناصر متقابلة ، وتقابل هذه العناصر ينشأ في الغالب عن عنصرين:
ـ المدة ( La durée ) حيث تتم مقابلة وحدات طويلة بأخرى قصيرة.
ـ النبر : ( L’accent )، حيث يتم مقابلة وحدات قوية بأخرى ضعيفة . والاثنان مترابطان بحيث إن النبر كما أشير إليه بوساطة الصوائت الفرنسية هو عنصر مد واستطالة. ومن الجدير بالملاحظ أن نظرة الباحثين إلى الإيقاع تتسم بالشمولية والاتساع ، فهما لا يحصران الإيقاع في الوزن ـ وإن كانا يعتبرانه أحد عناصره الأساسية ـ " فالوزن الشعري ليس مستقلا عن الإيقاع ". بل يريان أن النص الشعري يمتلئ بضروب شتى من الإيقاعات مثل : تطابق عدد من المقاطع المميزة ـ الجِناسات الصوتية ـ الأسجاع ـ القوافي الداخلية ـ التوازي التركيبي ـ التأثيرات البلاغية ـ التكرارات الخطية .
إن الباحثين لا يعزلان الوزن عن الإيقاع ، بل يعتبرانه مكوناً غير مستقل عنه كما تمت الإشارة إلى ذلك آنفاً ، فهو " يشترك في تكوين إيقاع يقرب الشعر من أشكال رمزية كالموسيقى والرقص ، ويدخل في علاقة جدلية أساسية مع الإيقاع اللغوي "، ويُرجع الباحثان اللبس الذي يكتنف مفهومي الوزن والإيقاع إلى صعوبتين :
" الأولى تتعلق بتعريفهما العام ، بحيث إن كليهما يوجبان التكرار والتناسب ، والثانية تتصل بالأهمية السيكولوجية للإيقاع اللساني الطبيعي في مقابل التنظيم الإصطناعي الصارم الذي يجسده الوزن ".
بعد هذا العرض الموجز لمفهوم الإيقاع لدى "جان مولينو و" جويل طامين " ، ننتقل إلى باحث آخر عُنيَ بدراسة الإيقاع باعتباره عنصراً أساسيا في إنتاج الدِّلالة في النص الشعري، هو يوري لوتمان:
2 ـ مفهوم الإيقاع عند يوري لوتمان ( Iouri Lotman ) في كتابه :"بنية النص الفني" "structure du texte artistique La" ، نجد عند هذا الباحث نفس النظرة الشاملة إلى مفهوم الإيقاع التي رأيناها لدى مولينو وطامين ، فقد وسع هذا المفهوم " ليشمل كل حالات التعادل في النص ، ومن ضمنها حالة التعادل الفونولوجي " ().واعتبر " التكرار العنصر البنائي الأساسي في الشعر " بينما اعتبر التأليف العنصر الأساسي في النثر (). إن الإيقاع عنده يعني " التكرار الدوري لعناصر مختلفة في ذاتها ، متشابهة في مواقعها ومواضعها من العمل بغية التَّسوية بين ما ليس بمتساوٍ أو بهدف الكشف عن الوحدة من خلال التنوع، وقد يعني تكرار المتشابه بغية الكشف عن الحد الأدنى لهذا التشابه أو حتى إبراز التنوع من خلال الوحدة " (). إنه يطرح " مسألة التكرارات الإيقاعية ليس فحسب على المستوى الصنافي والإحصائي ، بل على المستوى الوظيفي كذلك ،فيبحث عن دورها البنيوي ، والوظيفة التي تحملها داخل البنية العامة للنص" () ويرى د. محمد العمري أن نظرة لوتمان إلى الإيقاع من شأنها أن تسعف في دراسة المستوى الصوتي في الشعر ، وذلك عبر طريقين :
" أحدهما: تحليل دينامية المقوم الصوتي واشتغاله القائم على تفاعل الدلالة والصوت تجنيساً وترصيعاً " ()، وقد كان ربط المستوى الصوتي بالدلالة من أهم مشاغل يوري لوتمان في كتابه " بنية النص الفني " فقد رصد هذا الكتاب الهام " لإبراز دور المعنى في فاعلية الشكل " ()، واعتبر مشروعاً لمعننة الشكل ". ولعل هذا ما يؤكده يوري لوتمان نفسه بقوله:
"إن البنية الصوتية التي تنتمي في اللغة الطبيعية لمستوى العبارة ، تصبح في الشعر بنية للمحتوى ، وذلك بخلقها لأوضاع دلالية لا يمكن الفصل بينها داخل نص معين " ().
ثانيهما: "اعتبار التكرار أهمَّ مكون شعري " (). ويرى لوتمان بخصوص تكرار الأصوات في النص الشعري أنه " من المهم أن نلحظ تكرار مواقعها ، كأن تكون في بداية الكلام أو البيت الشعري أو أن تكون في العناصر المتصرفة أو المنبورة ، أو أن تكون متمثلة في تكرار مجموعات صوتية كل منها بالنسبة إلى الأخرى وهكذا "().
الهوامش:
1 ـ Jean molino & Joelle Tamine , Introduction à l’analyse linguistiquede la poésie , Presses Universitaires de France , 1982 , p.22 .
2 ـ نفسه ، ص : 29 ، انظر : Les constantes du poéme , analyse du langage poétique Editions A. et J.Picard . Paris, 1977, p 15
3 ـ د. محمد العمري ، تحليل الخطاب الشعري ، البنية الصوتية في الشعر ، ط1 . الدار العالمية للكتاب ،الدار البيضاء ، 1990 .ص : 47 .
4 ـ نفسه ، ص : 47 .
5 ـ د .محمد فتوح أحمد ، الرمز والرمزية في الشعر المعاصر ، ط3 ، دار المعارف ، القاهرة ، 1984 .ص : 70 ـ 71 .
, La structure du texte artistique, Editions Gallimard , 1973 . P . 173. - Iouri Lotman
6 ـ تحليل الخطاب الشعري ، البنية الصوتية في الشعر ، م . س . ذ ، ص : 44 .
7 ـ د . محمد العمري ، تحليل الخطاب الشعري ، م . س . ذ ، ص : 44 .
8 ـ انظر :La structure du texte artistique, p.171 ، والنص من ترجمة الأستاذ إدريس بلمليح في كتابه : " المختارات الشعرية " م . س. ذ ، ص : 162 .
9 ـ نفسه ، ص : 46 .
10 ـ د . محمد فتوح أحمد ، الرمز والرمزية في الشعر المعاصر ، م . س . ذ ، ص : 97 .
الجزء الرابع
يتصدى الباحثان "ج.مولينو" وج. طامين" لتحديد مفهوم الإيقاع ، والتمييز بينه وبين الوزن بشكل يتسم بالوضوح والدقة في كتابهما الرائد "مدخل إلى التحليل اللساني للشعر ." (Introduction à l’analyse linguistiquede la poésie) في البداية يحددان مصطلح "نظم الشعر" "Versification"، فيعتبرانه مصطلحاً شاملاً من حيث "هو دراسة كل أنماط بنائية الشعر، أي أنه علم أو طريقة دراسة الخصائص الصّوتية للوحدات العروضية من مدة ونبر وتنغيم " () ويعرفان العروض بأنه نظام الأوزان الثابتة التي تحدد النظام الداخلي للشعر، أما الإيقاع فيعرفانه بأنه كل مظهر حر ومكرر ، ثم يعمدان إلى التمييز بين مفهومي الوزن والإيقاع ، فيعتبران أن الوزن هو ذلك التنظيم الداخلي للبيت ، القائم على العلاقة بين مقاسات محددة . إنه تنظيم صارم ، فهناك تماثلات وتوازنات ونسب يتم التعبير عنها برموز محددة العدد لا يستطيع الشاعر تغييرها. بخلاف الإيقاع الذي هو كل مظهر يتكرر داخل زمن من العناصر المتغيرة الملاحظة مثل الأزمنة القوية والأزمنة الضعيفة في الرقص. فالإيقاع ـ في رأيهما ـ كالوزن ، يفترض بنية تكرارية ، كما يفترض كذلك المجاورة داخل زمن هذه البنيات المتناسبة ذلك أن نفس الحافز المتكرر في مفتتح القصيدة وفي خاتمتها أو في بداية قطعة موسيقية وفي نهايتها. لا ينشئ إيقاعاً وذلك بسبب وجودهما بعيدين أحدهما عن الآخر. لأجل ذلك ، فإن الباحثين يرفضان تحليل كيبدي فاركا ( Kibedi Varga ) الذي يعرف الإيقاع بأنه كل مجموعة من" الظواهر التي تعود بشكل متقطع ومتحرر" () وهذه الظواهر هي ظواهر صوتية نحوية ، معجمية، دلالية.
إن الإيقاع ـ في نظرهما ـ يتميز عن الصدى ( Echo ) كما يتميز في نفس الآن عن الوزن إنه مؤسس بالضرورة على عناصر متقابلة ، وتقابل هذه العناصر ينشأ في الغالب عن عنصرين:
ـ المدة ( La durée ) حيث تتم مقابلة وحدات طويلة بأخرى قصيرة.
ـ النبر : ( L’accent )، حيث يتم مقابلة وحدات قوية بأخرى ضعيفة . والاثنان مترابطان بحيث إن النبر كما أشير إليه بوساطة الصوائت الفرنسية هو عنصر مد واستطالة. ومن الجدير بالملاحظ أن نظرة الباحثين إلى الإيقاع تتسم بالشمولية والاتساع ، فهما لا يحصران الإيقاع في الوزن ـ وإن كانا يعتبرانه أحد عناصره الأساسية ـ " فالوزن الشعري ليس مستقلا عن الإيقاع ". بل يريان أن النص الشعري يمتلئ بضروب شتى من الإيقاعات مثل : تطابق عدد من المقاطع المميزة ـ الجِناسات الصوتية ـ الأسجاع ـ القوافي الداخلية ـ التوازي التركيبي ـ التأثيرات البلاغية ـ التكرارات الخطية .
إن الباحثين لا يعزلان الوزن عن الإيقاع ، بل يعتبرانه مكوناً غير مستقل عنه كما تمت الإشارة إلى ذلك آنفاً ، فهو " يشترك في تكوين إيقاع يقرب الشعر من أشكال رمزية كالموسيقى والرقص ، ويدخل في علاقة جدلية أساسية مع الإيقاع اللغوي "، ويُرجع الباحثان اللبس الذي يكتنف مفهومي الوزن والإيقاع إلى صعوبتين :
" الأولى تتعلق بتعريفهما العام ، بحيث إن كليهما يوجبان التكرار والتناسب ، والثانية تتصل بالأهمية السيكولوجية للإيقاع اللساني الطبيعي في مقابل التنظيم الإصطناعي الصارم الذي يجسده الوزن ".
بعد هذا العرض الموجز لمفهوم الإيقاع لدى "جان مولينو و" جويل طامين " ، ننتقل إلى باحث آخر عُنيَ بدراسة الإيقاع باعتباره عنصراً أساسيا في إنتاج الدِّلالة في النص الشعري، هو يوري لوتمان:
2 ـ مفهوم الإيقاع عند يوري لوتمان ( Iouri Lotman ) في كتابه :"بنية النص الفني" "structure du texte artistique La" ، نجد عند هذا الباحث نفس النظرة الشاملة إلى مفهوم الإيقاع التي رأيناها لدى مولينو وطامين ، فقد وسع هذا المفهوم " ليشمل كل حالات التعادل في النص ، ومن ضمنها حالة التعادل الفونولوجي " ().واعتبر " التكرار العنصر البنائي الأساسي في الشعر " بينما اعتبر التأليف العنصر الأساسي في النثر (). إن الإيقاع عنده يعني " التكرار الدوري لعناصر مختلفة في ذاتها ، متشابهة في مواقعها ومواضعها من العمل بغية التَّسوية بين ما ليس بمتساوٍ أو بهدف الكشف عن الوحدة من خلال التنوع، وقد يعني تكرار المتشابه بغية الكشف عن الحد الأدنى لهذا التشابه أو حتى إبراز التنوع من خلال الوحدة " (). إنه يطرح " مسألة التكرارات الإيقاعية ليس فحسب على المستوى الصنافي والإحصائي ، بل على المستوى الوظيفي كذلك ،فيبحث عن دورها البنيوي ، والوظيفة التي تحملها داخل البنية العامة للنص" () ويرى د. محمد العمري أن نظرة لوتمان إلى الإيقاع من شأنها أن تسعف في دراسة المستوى الصوتي في الشعر ، وذلك عبر طريقين :
" أحدهما: تحليل دينامية المقوم الصوتي واشتغاله القائم على تفاعل الدلالة والصوت تجنيساً وترصيعاً " ()، وقد كان ربط المستوى الصوتي بالدلالة من أهم مشاغل يوري لوتمان في كتابه " بنية النص الفني " فقد رصد هذا الكتاب الهام " لإبراز دور المعنى في فاعلية الشكل " ()، واعتبر مشروعاً لمعننة الشكل ". ولعل هذا ما يؤكده يوري لوتمان نفسه بقوله:
"إن البنية الصوتية التي تنتمي في اللغة الطبيعية لمستوى العبارة ، تصبح في الشعر بنية للمحتوى ، وذلك بخلقها لأوضاع دلالية لا يمكن الفصل بينها داخل نص معين " ().
ثانيهما: "اعتبار التكرار أهمَّ مكون شعري " (). ويرى لوتمان بخصوص تكرار الأصوات في النص الشعري أنه " من المهم أن نلحظ تكرار مواقعها ، كأن تكون في بداية الكلام أو البيت الشعري أو أن تكون في العناصر المتصرفة أو المنبورة ، أو أن تكون متمثلة في تكرار مجموعات صوتية كل منها بالنسبة إلى الأخرى وهكذا "().
الهوامش:
1 ـ Jean molino & Joelle Tamine , Introduction à l’analyse linguistiquede la poésie , Presses Universitaires de France , 1982 , p.22 .
2 ـ نفسه ، ص : 29 ، انظر : Les constantes du poéme , analyse du langage poétique Editions A. et J.Picard . Paris, 1977, p 15
3 ـ د. محمد العمري ، تحليل الخطاب الشعري ، البنية الصوتية في الشعر ، ط1 . الدار العالمية للكتاب ،الدار البيضاء ، 1990 .ص : 47 .
4 ـ نفسه ، ص : 47 .
5 ـ د .محمد فتوح أحمد ، الرمز والرمزية في الشعر المعاصر ، ط3 ، دار المعارف ، القاهرة ، 1984 .ص : 70 ـ 71 .
, La structure du texte artistique, Editions Gallimard , 1973 . P . 173. - Iouri Lotman
6 ـ تحليل الخطاب الشعري ، البنية الصوتية في الشعر ، م . س . ذ ، ص : 44 .
7 ـ د . محمد العمري ، تحليل الخطاب الشعري ، م . س . ذ ، ص : 44 .
8 ـ انظر :La structure du texte artistique, p.171 ، والنص من ترجمة الأستاذ إدريس بلمليح في كتابه : " المختارات الشعرية " م . س. ذ ، ص : 162 .
9 ـ نفسه ، ص : 46 .
10 ـ د . محمد فتوح أحمد ، الرمز والرمزية في الشعر المعاصر ، م . س . ذ ، ص : 97 .