فهد العتيق - مدحت صفوت : رواية الحداثة الفيروسية قاطع طريق مفقود

استحضار «الحداثة الفيروسية» في الخطاب الروائي السعودي.
مع ظهور جائحة كوفيد-19 مطلع العام 2020، وبدء الحديث عن تأثيرات انتشار الفيروس على الفنون والآداب، الأمر الذي تناوله الناقد المصري الراحل شاكر عبد الحميد في دراسة قصيرة عن «Post-coronalism»، ودعا من خلالها إلى التوقف أمام ما أصبح عليه حال البشر بعد انطلاق الجائحة، ومع الكتابات الأدبية عن كورونا، التي لا تبدو غزيرة لكنها دالة، تأتي رواية الروائي السعودي فهد العتيق «قاطع طريق مفقود»، لتضعنا -عمليًا- بواجهة كتابة نتاج الجائحة وعنها في الوقت نفسه، ونصبح إزاء خطاب يمكن أن نقول عليه «رواية الحداثة الفيروسية»، بتعبير الناقدة إليزابيث أوتكا.

قُبيل جائحة كورونا، أصدرت أوتكا الناقدة الأستاذة بجامعة ريتشموند كتابها «الحداثة الفيروسية، جائحة الأنفلونزا وأدب ما بين الحربين»، وبغض النظر عن توقيته فإنه يطرح سؤالًا موضوعيًا، ما تأثيرات الأمراض الوبائية على الأدب؟ إذ تدرس المؤلفة آثار جائحة الأنفلونزا الإسبانية 1918-1919 على الحداثة، ورصد النظرة النقدية التي تميل إلى اعتبار عواقب الحرب أكثر أهمية وتأثيرًا في تشكيل الأدب الحداثي، ودحضها «لقد تدربنا على الحداثة لرؤية صدمة الحرب لكن ليس صدمة الوباء».

ومثلما طرحت ما بعد الحداثة Post Modernism جملة من المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية أدت إلى كشف النقطة المركزية المعيبة في الفكر الغربي، وهي التأكيد على الميتافيزيقا «كقوة اشتراطية»، أعتقد أن «ما بعد كورونا» سيصبح مع الوقت مفهومًا يلخص حساسية جديدة في التعبير الفني ونمطًا من التفكير في العالم وقضاياه، وقد يحقق انتشارًا واسعًا في السنوات المقبلة، ويمتد ليشمل حقول الدراسات الإنسانية من أدب وفلسفة وسياسة وأنثروبولوجيا وغيرها.

تحكي رواية «قاطع طريق مفقود» عن رياض الملقب بقاطع الطريق، كونه عمل فترة في بيع التمور على الطرق. يبدأ السرد من مطلع العام 2020، مع ظهور فيروس كورونا، ومن بعدها يكرُّ الخيطَ ويجرُّ الساردُ حكاياتِ بيت العثمان وأهله، دون تتبع خيط زمني محدد، فالزمن متداخل، والمشاهد لا يمكن ترتيبها على نحو سيمتري، لكن لها منطقها الخاص، الذي به يكون السارد صورة بانورامية للعاصمة السعودية، لاحظ التقاطع بين رياض قاطع الطريق والرياض المدينة، وكأنّ كلاهما في مخيلة السارد «حُرين» لا يستوعبهما مكانٌ، حضورهما طيفي خفيف.

بالحضور المكثف في الرياض وجغرافيتها، يواصل العتيق مساره الأدبي بالكتابة عن مدينته الحاضرة حضورًا مركزيًا في كتاباته بـ«حاراتها القديمة والحديثة والتغيرات التي عاشتها خلال مئة عام»، وهو ما سبق أن تناوله في مؤلفاته «إذعان صغير» و«أظافر صغيرة» و«كائن مؤجل» و«الملك الجاهلي يتقاعد» و«ليل ضال»، وتمثل العاصمة في كتابات العتيق فضاءً مفتوحًا مكانيًا، يجسد رمزية الانفتاح والخلاص من ضيق الجدران والبيوت.

وانطلاقًا من طرح أوتكا، نقرأ رواية العتيق بوصفها خطابًا من خطابات «الحداثة الفيروسية»، ونتوقف أمام حضور الهذيان بوصفه فيضًا سرديًا وسبق أن أشارت إليه إليزابيث، كذلك الحوار المبتور وإرجاء الإجابات، وهو عنصر نضيفه من جانبنا لتقنيات الحداثة الفيروسية.

الهذيان.. عالم باطني

في عالم ما بعد الحداثة والأعمال التجريبية خاصة، يعمل المبدعون على تحطيم الزمن المنطقي، فالتسلسل الزمني مشوش والعلاقات السببية مقلوبة، ومن ثم يتركون الشخصيات تتداعى بحرية، وهو ما يستفيد منه السارد في «الرواية»، فالزمن كما أشرنا ليس خطيًا ولا دائريًا، إنما متشابك ومتداخل، كأنه الزمن في الأحلام، بإمكان السرد فيه أن يتقدم في اللحظة الراهنة أو أن يعود للحظة تاريخية قديمة، دون ترتيب، وهو يدفع السرد إلى «عالم باطني» تلعب فيه الذكرى دورًا مهمًا.

من هذا الانسياب الزمني، ينتج السارد لغته وطرائق حكيه، التي أيضًا لا تعتمد على حكيًا مرتبًا ترتيبًا خطيًا، حتى ليمكن القول إنها رواية سيرة ذاتية، لأنها-كمثل روايات تيار الوعي- مشربة بشيء من لغة الشعر، لغة الأعماق الدفينة والدفيئة، وتبدو عرضًا لحياة ساردها الباطنية على الملأ، لكننا لسنا مهمومين إن كانت سيرة ذاتية أو غيرية، ففي النهاية نحن إزاء خطاب خيال Fiction Discourse، مهمته الأولى التخييل، وإن لم يخل الخطاب تعليقًا على سرده وهويته اللغوية:

«كل شيء قابل للتحول والتجدد والتغير والمراجعة، حتى في اللحظة الواحدة، لحظة تتأثر بما حولها فلا تثبت على حال في الغالب، وأحيانًا يمكن تشبيهها بإيقاعات الموسيقى التي ترتفع أحيانًا وتهبط أحيانًا أخرى، تضج في لحظة وتهدأ في لحظة تالية، ليس في المزاج فقط، لكن حتى في رؤيتنا للأشياء وللتناقضات المحيطة بنا، والوقائع والأحداث اليومية المتباينة والمتعارضة التي تجعلنا نراجع كل شيء. لا شيء ثابت، كل شيء متحرك، ويحتاج إلى يقظة فنية دائمة، تحاول كشف جوهر التحولات ومزاجها، وإلى أين تتجه».

وانطلاقًا من الوباء، تبدأ الحكايات تنهمر من «ثقب واسع»، أو «فتحة نور في جدار الزمن»، لكنها حكايات غير مكتملة، ما يعني سير السرد في اتجاه «محاولة حكايات لم نعرف نهايتها»، وهي محاولة محتومة باللانتيجة، فالجميع داخل الخطاب حكاياته غير مكتملة، من ثمّ يأتي التعليق على السرد كحيلةٍ لملء الفجوات الناتجة عن القلق، ومحاولة لتوضيح منطق اللغة والفحص الدقيق لكيفية عملها، إذ أن العجز عن فهم طريق عمل لغتنا يفضي بنا إلى نوع من «القلق اللغوي» Linguistic anxiety الذي يكشف عن ذاته في محاولة لطرح الأسئلة والإجابة عنها.

ولا سبيل للتخلص من تبعات الأسئلة التي لا طائل من ورائها، سوى الهذيان الكتابي، كأنه تحرر للعقل مما يقيده، ونلمس الهذيان في الرواية من خلال القدرة على استخدام اللغة لكشف الحقيقة بطريقة غير مباشرة، وعلى نحو يتسم بالرفق، بدلًا من التعبير عن الحقيقة مباشرة وبخشونة، أي المفارقة التي تجعلنا ندرك الفجوة بين المثالي والواقعي. وتدفعنا بالتالي إلى العمل على تقريبهما، أو تجعلنا ندرك أنه بغض النظر عن مدى صعوبة عملنا، فإن الواقع سيظل دائمًا دون المستوى المثالي.

الحوار والإرجاء

في عالم التشتت والأشياء العابرة، تصبح الجمل الحوارية مبتورة، قصيرة، منغلقة على نفسها، ربما من انغلاق الذوات على أنفسهم، المساحة الأكبر في هذه الحالة يحتلها التأمل، لا نقول الحكي، وهو ما يبدو بارزًا في صوت السارد الذي يتوقف لصفحات أحيانًا ليتأمل المشهد، وليس لحكيه، أين كنّا وإلى مصير وصل بنا الحال! بالتالي تمثل الجمل الحوارية في الرواية خاصة في الفصلين الأول والثاني، وقت ظهور وانتشار الوباء، محاولة لإثبات الوجود فحسب، حتى وإن بدت الأطراف المتحاورة منفصلة عن بعضها البعض، غير متواصلة، وإن ظهرت حواراتهم أسئلة بلا أجوبة، حسبما يرد في مطلع الفصل الأول، حين يزور السارد رياض في المستشفى «أفاقَ بعد لحظات، نظر في وجهي بابتسامة صغيرة وهادئة ثم سألني باستغراب: كيف عرفت أني هنا؟ لم أجد إجابة».

في عالم القلق، يبدو الحديث معلقًا، خاضعًا لآليات الإرجاء Differance، بتعبير الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، المشتق من الفعل اللاتيني Differe، الذي ينطوي معنيين الأول To deferأي التأخير والإرجاء، ويشير ضمنًا إلى أفق زماني، ويوم الدينونة الكبرى. أو على الأقل إرجاء إلى زمن غير معلوم، وقد يكون إلى مالانهاية، وفي المعنى الآخر To differ أي يختلف/يغاير، يحضر الأفق المكاني. وفي المعجم أرجأ الأمر: أخره، والإرجاء التأخير، والتأخير مثل Difference الإرجاء كلاهما «تشكل داخل نسق لغة أو فكر يحكمه الحضور ويتحرك نحو الحضور. وبهذه الكيفية توضع سلطة الحضور المرجعية موضعَ السؤال، كذلك نقيضه البسيط المتماثل معه، أعنى الغياب أو النقص». وهو ما نلحظه في الدلالة المعجمية، أرجأ الصائدُ أي لم يصب شيئًا. كما أن الاختلاف والتأخير دائمًا ما يقع للمعنى ويعطل الحضور الكلي.

في الحداثة الفيروسية، لا يمكن تلمس حضور تام للمعنى، إنّما يسيطر التأجيل الدائم للمعنى في النص، ويصبح دور الأفراد هنا طرح الأسئلة فحسب، دون البحث عن إجابات وهو ما يعني بقاء الإشكالية أو المشكلة التي تجري مناقشتها، ولا يجنى المتلقي سوى الدخول في لعبة التفكيك ومتاهاتها؛ وهي لعبة حتمية جراء جوهر الإرجاء ذاته، الذي يكمن في إحداث شقاق بين الدال والمدلول.

وبعد أن يهدأ القلق بعض الشيء، لا أن ينتهي كليةً، يصبح الحوار كاشفًا، والأسئلة التي طرحت ربما لها بعض الإجابات، وإن كانت في الأخير إجابات مؤقتة وعابرة، ففي الفصل الأخير من الرواية، يصرح السارد «بعد سنوات من الهدوء، زارني رياض في البيت»، وأثناء الزيارة يطول الحوار ويسيطر على الفصل المعنون بـ«الحياة تجدد ذاتها»، وتتوالى الإجابات؛ «سألته: وما أخبار بيت العثمان وأهله.؟ قال: تفرق الجمع». ومع الإجابة القاتمة تتفتح أبواب جديدة، وذاكرة أخرى، غير التي كانت، كأنها رسالة إلى أن العالم لم يعد بعد كورونا كما كان، والرياض، الفضاء الروائي هنا، جزء من هذا العالم، غير منفصل عنه، ولا بأس أن نشعر ببعض الحنين إلى بيت العثمان والحياة الأولى، لكنه حنين نوستالجي في طبيعته، أي غير قابل لعودة الأمور كما كانت.

«قاطع طريق مفقود» خطاب روائي يجسد أدبيًا ما قدمته أوتكا عن «الحداثة الفيروسية»، التي وإن كانت تناولت آثار جائحة الأنفلونزا 1918، فإننا وعلى نحو ما يمكن أن نمد الخط على استقامته لنصل إلى آثار جائحة كوفيد-19 روائيًا، لا أقول إننا أمام رواية معنية بكورونا على وجه الخصوص، بل نطالع خطابًا يُقدم نفسه تجليًا لهذه الجائحة، بالتالي لا داعي للحكاية التقليدية، فكم من خطاب روائي يعتمدها، ما يدفع بالسارد إلى تقنيات بديلة، أساسها وقوامها الجريان والحكي السائب، المعبر عن القلق من اللحظة الراهنة. وفي الوقت الذي سبب فيه فيروس كورونا ثقلًا في خطاب رواية العتيق، فقد أوضح القيمة الجوهرية للكتابة كتعبير عن الإنسانية التي يمكن أن تكون مفتاحًا للنهوض بالإنسانية، وأن رحلة البحث عن «رياض المفقود» تستلزم سردًا حنينًا يمنحنا لحظة طمأنينة.




01/08/2024

مدحت صفوت / مجلة اليمامة ملحق شرفات

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى