مَفْهومُ الإيقاعِ في بَعْضِ الدِّراساتِ الْغَربِيَّة الْمُعاصِرَة (ج5) مفهومُ الإيقاعِ عِنْدَ كِبيدي فاركَا (Kibédi Varga) من خلال كتابه: "ثوابت القصيد" (Les constantes du poéme)
يتصدى كبيدي فاركَا للتمييز بين الوزن والإيقاع كما ينبغي أن يفهما ويطبقا في مجال الشعر ، في كتابه " ثوابت القصيد" (Les constantes du poéme) فيقول : إِن أغلبية الشعراء والجماليين والنفسانيين ، اتفقوا على تأكيد العلاقة المتينة بين الاثنين (الوزن والإيقاع ) ورأوا أن في الوزن شيئاً أكثر آلية من الإيقاع ، وأن في الإيقاع شيئاً أكثر حيوية من الوزن " ( ) إن الوزن عنده هو كل عنصر للثبات يخلق حركة وإِعادة ، أما الإيقاع فهو كل عنصر مشوِّش على هذا الثبات يهدف إلى قطع وتوقيف الحركة بشكل مؤقت ، بيد أن فاركَا ، يؤكد أن الإيقاع لا يكون له وجود بدون وزن .
الوزن والإيقاع إذن هما مصطلحان لعلاقة تتمثل في أن كليهما فارغان في ذاتهما من المعنى ، وهكذا فإن العلاقة : وزن ـ إيقاع التي تبدو عادة منحصرة في الظواهر النبرية فقط ، نجدها في كل مستويات الآثار الشعرية ، إنها توجد في كل موضع تدرك فيه بالحواس ( ).
أما القافية ، فيعتبرها كبدي فاركَا إحدى المؤثرات الصوتية الهامة وهي وحدها تنشئُ فعلا إيقاعاً ..وكل نوع من أنواع القوافي المنزاحة وغير المتوقعة هو ضرب من ضروب إغناءِ النص ، وفعل إيقاعي من الدرجة الثانية ( ).
والملاحظ أن آراء الدارسين التي وردت في الدراسات الغربية حول مفهوم «الإيقاع» التي نشرنا أهمها في أعداد سابقة مجزأة في هذا الحيز من الجريدة خلال الأسابيع السابقة، يكتنفها الكثير من التضارب والاختلاف. فثمة من يعتبر أن الوزن هو الإيقاع ، فـ«الوزن عند أرسطو ضرب من الإيقاع»، ( ) وثمة من يعتقد أن لآ إيقاع بدون وزن ، فالوزن أو البحر يحتوي بدوره على نوع من الإيقاع ، وثمة من يرى أن الإيقاع قد يوجد في الخطاب النثري وإن خلا من الوزن ، وثمة من يجعل الإيقاع يتجاوز الوزن إلى عناصر أخرى توجد في الشعر إن على مستوى الأصوات المفردة ، أو على مستوى المعجم ، أوعلى مستوى التركيب. وثمَّةَ من يربطه بالنبر فيرى أنه العودة المنتظمة لارتفاع الأصوات أو انخفاضها داخل البيت الشعري تبعاً لحضور النبر أو غيابه. وثمة من يميز بين الوزن والإيقاع على أساس أن الأول ترسيمة مثالية ، وأن الثاني تنوعاً واقعياً للنبرات . وثمة من يرى أنه ليس حلية إضافية يمكن الاستغناء عنه ، وإنما هو مكون أساسي في بناء القصيدة فضلاً عن مكوناتها الأخرى . وثمة كذلك من يربط الإيقاع بالإنشاد والإلقاء ..
ويرجع الدكتور محمد علي الرَّبّاوي هذا التضاربَ الذي يلاحظُ في هذه الآراء، إلى أن أصحابها لا ينحدرون من لغة واحدة، فالوزن والإيقاع كما يرى هذا الباحث ينبعان من اللغة التي نتحدث بها ونقول الشِّعر من بوساطتها. وهكذا نجد أن الباحثَ الإنجليزي قد يخالفُ المفهوم الذي يقدمه الباحثُ الفرنسيُّ مثلاً، فلغة الأول تُعطي شعراً نبرياً يتولد الإيقاع من تفاعيله. أما لغةُ الثاني فَتُعطي شعراً مقطعياً ، لا إيقاع في تفاعيله ، وإنما يستخدمُ فيه الشاعر وسائل أخرى خارجية من أجل خلق الإيقاع ( ).
والحقيقة أننا إذا ما تتبعنا مفهوم الإيقاع في الدراسات الغربية التي اهتمت بدراسته ، لطال بنا الحديث ، و"لملأنا صفحات عديدة "،( )كما يؤكد ذلك الأستاذ الرَّبَّاوي لدى مناقشته مفهومَ الإيقاع عند بعض الدارسين الغربيين والعرب .
ولكن الأمر الذي ينبغي أن نؤكده في ختام هذا البَحْث ، هو أن مفهوم الإيقاع عند الغربيين لم يبق منحصراً في الوزن، بل تجاوزه إلى الإيقاع بمفهومه الشامل حيث تم الاهتمام ابتداءً من الشكلانيين الروس مروراً بالشعرية اللسانية والشعرية اللسانية البلاغية وانتهاءً بالشعرية السيميائية البلاغية، بالجوانب الموسيقية الأخرى التي يوفرها الكلام الشعري . والمتعلقة بالمستوى الصوتي والمستوى البلاغي البديعي. هذا فضلا عن حِرصهم على الربط بين الإيقاع والدلالة .
وإلى هذا المنحى سيتجه بحثنا( ) في دراستنا للبنية الإيقاعية في الشعر العربي الحديث وضمنه الشعر المغربي، حيثُ سينصرف الاهتمام في البداية إلى دراسة البنية العروضية أو الوزن على أساس أن هذا الأخير ينطوي بدوره على نوع من الإيقاع وليس مستقلاً عنه ( ).ولكننا سوف لا نحصر دراستنا في مجال البنية العروضية والبنية القافوية، بل سنُولي مكونات البنية الإيقاعية الأخرى ما هي جديرة به من عناية واهتمام. وذلك انطلاقا من اقتناعنا بأن الدراسة العروضية المحض للشعر ، تبقى قاصرة ، ولا تتعدى نوعاً من التمارين العروضية. ونحن نتفق مع رأي الأستاذ محمد علي الرباوي حيث يقول :
" إن دراسة عروض قصيدة ما تظل ناقصةً، لأننا نفصل علم العروض عن علوم أخرى تهتم بالشعر كذلك، وهي علوم اللغة وعلوم القرآن وعلوم البلاغة خصوصاً"( ).
والجدير بالإشارة هنا، أن الأستاذ الرَّبَّاوي يورد رأياً طريفاً يتعلق بأسبقية البديع على العروض. فالباحث يميل إلى أن البديع قديم وهو أصل الأوزان، ذلك أن النصوص القديمة المنسوبة إلى الكهان قائمة على تقسيمات وزنية( ).
وما يدخل في صميم اهتمامنا من هذا الرأي ، تأكيده على مسألة الربط بين الدراسة العروضية ودراسة عناصر الشعر الأخرى التي تكوِّن مع الوزن والقافية البنية الإيقاعية للشعر والتي نجدها في تراثنا في مباحث علم البديع . يقول الأستاذ محمد علي الرَّبَّاوي :« إن البديع يقوم على مبدإ التقابل والتماثل والتنافر والانسجام وهي كلها عناصر لها حضور في علم الإيقاع وعلم العروض مما يؤكد ارتباط البديع بهذين العِلْمين» ( ).
الهوامش:
LES CONSTANTES DU POEME, analyse du langage poétique Editions A. et J.Picard, PARIS - ـ .1977,- p.241
ـ نفسه ، ص : 241 ـ 242 .
ـ نفسه ، ص : 242 .
Critique du rythme , Henri meschonnic, p. 184 . -
ـ العروض ، دراسة في الانجاز ، مرقون ، ص : 96 .
ـ نفسه ، ص : 97 .
ـ يتعلقُ الأمر بدراسة موسومة بـ" الإيقاع في الشعر العربي الحديث / البحث عن أشكال جديدة : دراسة في ديوان "براعم " لعبد المجيد بن جلون ، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية ـ بيروت، 2020 . ومن الجدير بالإشارة أن هذا الجزء النظري المنشور هنا لم يتم نشره وطبعه فيها.
ـ Les constantes du poème p .30
ـ العروض، دراسة في الإنجاز ، ص : 101 .
ـ انظر المرجع السابق الذكر، ص:102.
ـ نفسه ، ص: 102 .
يتصدى كبيدي فاركَا للتمييز بين الوزن والإيقاع كما ينبغي أن يفهما ويطبقا في مجال الشعر ، في كتابه " ثوابت القصيد" (Les constantes du poéme) فيقول : إِن أغلبية الشعراء والجماليين والنفسانيين ، اتفقوا على تأكيد العلاقة المتينة بين الاثنين (الوزن والإيقاع ) ورأوا أن في الوزن شيئاً أكثر آلية من الإيقاع ، وأن في الإيقاع شيئاً أكثر حيوية من الوزن " ( ) إن الوزن عنده هو كل عنصر للثبات يخلق حركة وإِعادة ، أما الإيقاع فهو كل عنصر مشوِّش على هذا الثبات يهدف إلى قطع وتوقيف الحركة بشكل مؤقت ، بيد أن فاركَا ، يؤكد أن الإيقاع لا يكون له وجود بدون وزن .
الوزن والإيقاع إذن هما مصطلحان لعلاقة تتمثل في أن كليهما فارغان في ذاتهما من المعنى ، وهكذا فإن العلاقة : وزن ـ إيقاع التي تبدو عادة منحصرة في الظواهر النبرية فقط ، نجدها في كل مستويات الآثار الشعرية ، إنها توجد في كل موضع تدرك فيه بالحواس ( ).
أما القافية ، فيعتبرها كبدي فاركَا إحدى المؤثرات الصوتية الهامة وهي وحدها تنشئُ فعلا إيقاعاً ..وكل نوع من أنواع القوافي المنزاحة وغير المتوقعة هو ضرب من ضروب إغناءِ النص ، وفعل إيقاعي من الدرجة الثانية ( ).
والملاحظ أن آراء الدارسين التي وردت في الدراسات الغربية حول مفهوم «الإيقاع» التي نشرنا أهمها في أعداد سابقة مجزأة في هذا الحيز من الجريدة خلال الأسابيع السابقة، يكتنفها الكثير من التضارب والاختلاف. فثمة من يعتبر أن الوزن هو الإيقاع ، فـ«الوزن عند أرسطو ضرب من الإيقاع»، ( ) وثمة من يعتقد أن لآ إيقاع بدون وزن ، فالوزن أو البحر يحتوي بدوره على نوع من الإيقاع ، وثمة من يرى أن الإيقاع قد يوجد في الخطاب النثري وإن خلا من الوزن ، وثمة من يجعل الإيقاع يتجاوز الوزن إلى عناصر أخرى توجد في الشعر إن على مستوى الأصوات المفردة ، أو على مستوى المعجم ، أوعلى مستوى التركيب. وثمَّةَ من يربطه بالنبر فيرى أنه العودة المنتظمة لارتفاع الأصوات أو انخفاضها داخل البيت الشعري تبعاً لحضور النبر أو غيابه. وثمة من يميز بين الوزن والإيقاع على أساس أن الأول ترسيمة مثالية ، وأن الثاني تنوعاً واقعياً للنبرات . وثمة من يرى أنه ليس حلية إضافية يمكن الاستغناء عنه ، وإنما هو مكون أساسي في بناء القصيدة فضلاً عن مكوناتها الأخرى . وثمة كذلك من يربط الإيقاع بالإنشاد والإلقاء ..
ويرجع الدكتور محمد علي الرَّبّاوي هذا التضاربَ الذي يلاحظُ في هذه الآراء، إلى أن أصحابها لا ينحدرون من لغة واحدة، فالوزن والإيقاع كما يرى هذا الباحث ينبعان من اللغة التي نتحدث بها ونقول الشِّعر من بوساطتها. وهكذا نجد أن الباحثَ الإنجليزي قد يخالفُ المفهوم الذي يقدمه الباحثُ الفرنسيُّ مثلاً، فلغة الأول تُعطي شعراً نبرياً يتولد الإيقاع من تفاعيله. أما لغةُ الثاني فَتُعطي شعراً مقطعياً ، لا إيقاع في تفاعيله ، وإنما يستخدمُ فيه الشاعر وسائل أخرى خارجية من أجل خلق الإيقاع ( ).
والحقيقة أننا إذا ما تتبعنا مفهوم الإيقاع في الدراسات الغربية التي اهتمت بدراسته ، لطال بنا الحديث ، و"لملأنا صفحات عديدة "،( )كما يؤكد ذلك الأستاذ الرَّبَّاوي لدى مناقشته مفهومَ الإيقاع عند بعض الدارسين الغربيين والعرب .
ولكن الأمر الذي ينبغي أن نؤكده في ختام هذا البَحْث ، هو أن مفهوم الإيقاع عند الغربيين لم يبق منحصراً في الوزن، بل تجاوزه إلى الإيقاع بمفهومه الشامل حيث تم الاهتمام ابتداءً من الشكلانيين الروس مروراً بالشعرية اللسانية والشعرية اللسانية البلاغية وانتهاءً بالشعرية السيميائية البلاغية، بالجوانب الموسيقية الأخرى التي يوفرها الكلام الشعري . والمتعلقة بالمستوى الصوتي والمستوى البلاغي البديعي. هذا فضلا عن حِرصهم على الربط بين الإيقاع والدلالة .
وإلى هذا المنحى سيتجه بحثنا( ) في دراستنا للبنية الإيقاعية في الشعر العربي الحديث وضمنه الشعر المغربي، حيثُ سينصرف الاهتمام في البداية إلى دراسة البنية العروضية أو الوزن على أساس أن هذا الأخير ينطوي بدوره على نوع من الإيقاع وليس مستقلاً عنه ( ).ولكننا سوف لا نحصر دراستنا في مجال البنية العروضية والبنية القافوية، بل سنُولي مكونات البنية الإيقاعية الأخرى ما هي جديرة به من عناية واهتمام. وذلك انطلاقا من اقتناعنا بأن الدراسة العروضية المحض للشعر ، تبقى قاصرة ، ولا تتعدى نوعاً من التمارين العروضية. ونحن نتفق مع رأي الأستاذ محمد علي الرباوي حيث يقول :
" إن دراسة عروض قصيدة ما تظل ناقصةً، لأننا نفصل علم العروض عن علوم أخرى تهتم بالشعر كذلك، وهي علوم اللغة وعلوم القرآن وعلوم البلاغة خصوصاً"( ).
والجدير بالإشارة هنا، أن الأستاذ الرَّبَّاوي يورد رأياً طريفاً يتعلق بأسبقية البديع على العروض. فالباحث يميل إلى أن البديع قديم وهو أصل الأوزان، ذلك أن النصوص القديمة المنسوبة إلى الكهان قائمة على تقسيمات وزنية( ).
وما يدخل في صميم اهتمامنا من هذا الرأي ، تأكيده على مسألة الربط بين الدراسة العروضية ودراسة عناصر الشعر الأخرى التي تكوِّن مع الوزن والقافية البنية الإيقاعية للشعر والتي نجدها في تراثنا في مباحث علم البديع . يقول الأستاذ محمد علي الرَّبَّاوي :« إن البديع يقوم على مبدإ التقابل والتماثل والتنافر والانسجام وهي كلها عناصر لها حضور في علم الإيقاع وعلم العروض مما يؤكد ارتباط البديع بهذين العِلْمين» ( ).
الهوامش:
LES CONSTANTES DU POEME, analyse du langage poétique Editions A. et J.Picard, PARIS - ـ .1977,- p.241
ـ نفسه ، ص : 241 ـ 242 .
ـ نفسه ، ص : 242 .
Critique du rythme , Henri meschonnic, p. 184 . -
ـ العروض ، دراسة في الانجاز ، مرقون ، ص : 96 .
ـ نفسه ، ص : 97 .
ـ يتعلقُ الأمر بدراسة موسومة بـ" الإيقاع في الشعر العربي الحديث / البحث عن أشكال جديدة : دراسة في ديوان "براعم " لعبد المجيد بن جلون ، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية ـ بيروت، 2020 . ومن الجدير بالإشارة أن هذا الجزء النظري المنشور هنا لم يتم نشره وطبعه فيها.
ـ Les constantes du poème p .30
ـ العروض، دراسة في الإنجاز ، ص : 101 .
ـ انظر المرجع السابق الذكر، ص:102.
ـ نفسه ، ص: 102 .