أُسَيْد الحوتري - النقد الثقافي أرض خصبة لظهور مناهج نقدية عربية جديدة

شهد النقد الأدبي العربي التراثي، لاسيما في العصر العباسي وما بعده، ظهور أربعة مناهج نقدية رئيسة، يمكن إجمالها كما يلي:

أولًا: المنهج البلاغي، ويهتم بجماليات الأسلوب والصورة البلاغية، ومن أبرز من مثّله عبد القاهر الجرجاني في كتابه "أسرار البلاغة".

ثانيًا: المنهج اللغوي النحوي، ويعنى بالنحو والصرف واللغة، ومن أبرز أعلامه ابن جني في كتابه "الخصائص".

ثالثًا: المنهج الأخلاقي/الاجتماعي، ويربط الأدب بالقيم الأخلاقية وتأثيره في المجتمع، كما يتجلى في أعمال ابن المقفع، خاصة "كليلة ودمنة".

رابعًا: المنهج الديني/الفقهي، ويعتمد في تقييم الأدب على الرؤية الشرعية والدينية، كما هو واضح في كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" للقاضي عياض.

ورغم هذا الإرث النقدي الغني، تخلو الساحة النقدية العربية المعاصرة من مناهج نقدية عربية حديثة الأصل؛ إذ غالبًا ما يُكتفى بتطبيق المناهج الغربية على النصوص العربية، وفي أفضل الأحوال، يُصار إلى تطوير محدود لبعضها. إن غياب مشروع نقدي عربي حديث يحزّ في النفس ويعزز فكرة المركزية الغربية والتابعية العربية؛ فبينما يظهر الغرب بوصفه المركز المنتج للمناهج، يُكتفى في العالم العربي بدور المتلقي والمستهلك.

ومع ذلك، لا تزال هناك إمكانات حقيقية لولادة مناهج نقدية عربية متعددة. قد يبدو هذا تفاؤلًا غير مبرر أو ضربًا من الخيال، إلا أن النقد الثقافي، بمنهجيته المفتوحة والمرنة، يشكل أرضًا خصبة ومعطاءة لتطوير مثل هذه المناهج. فالنقد الثقافي لا ينصب اهتمامه على جماليات النص من حيث الشكل والمفردات والجمل والصوت والبلاغة فحسب، كما تفعل المناهج الشكلانية أو البنيوية، بل يسلّط الضوء على المضامين الثقافية العميقة، والأفكار والممارسات التي يُروّج لها النص، سواء عن قصد أو غير قصد، والتي قد تحمل في طيّاتها أذى للمجتمع أو خطرًا عليه.

فالنقد الثقافي، في جوهره، يسعى إلى كشف القبيح المُضمر خلف الجمال الظاهري، ويفتش عن القيم والممارسات المتجذرة في النص، ليُسائلها ويحلل أثرها. فإذا تأملنا في هذا النقد، وجدنا أنه قائم على تبنّي قضايا مجتمعية جوهرية، تبنّاها عدد من النقاد الملتزمين بها، وانطلقوا في قراءاتهم للنصوص من هذه القضايا.

فعلى سبيل المثال، يقوم النقد النسوي على تبنّي قضية المرأة وحقوقها المسلوبة في المجتمعات الذكورية، بينما ينطلق النقد الماركسي من قضية العمال وحقوقهم المسلوبة من قبل الطبقات الرأسمالية، ويركز النقد البيئي على الضرر البيئي الناتج عن أنشطة الإنسان، ويسعى إلى مساءلة حضور البيئة في الأدب. أما النقد التاريخاني الجديد، فيتبنى قضية الحقيقة التاريخية المَطْموسة أو المشوهة على يد السلطة، بينما يفضح النقد ما بعد الكولونيالي (التحرري) إرث المستعمر وهيمنته وخداعه. وتتسع الدائرة أيضًا إلى نظرية النقد العرقي، التي تدافع عن الأقليات المهمشة عرقيًا، ونظرية الكوير (Queer Theory) التي تركز على الدفاع عن صورة المثليين وموقعهم في الأدب والثقافة.

هذه الأمثلة توضح بما لا يدع مجالًا للشك أن النقد الثقافي قائم على تبنّي قضية مجتمعية جوهرية، والعمل على تحليل حضورها وتمثّلاتها في النصوص الأدبية.

ومن هذا المنطلق، أقترح أن يتوجه النقاد العرب نحو استكشاف القضايا الكبرى في مجتمعاتنا، وتبنيها من خلال تطوير مناهج نقدية عربية حديثة تسهم في قراءة النصوص الأدبية وتحليلها بما يخدم المجتمع.

ومن بين القضايا الملحّة في واقعنا العربي، قضية السلطة وتغوّلها، حيث تعاني بعض الدول العربية من فساد السلطة، واستبدادها، وقمعها لشعوبها. بناءً عليه، أقترح صياغة منهج نقدي يُطلق عليه "النقد السلطوي"، يُعنى ببحث العلاقة بين الراعي والرعية، ويفحص تمثيل السلطة في النصوص الأدبية، ويحلل طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فيسائل مظاهر الظلم والتسلّط والفساد، ويقترح بدائل لهذه العلاقة في ضوء قيم العدالة والحرية والمسؤولية.

ويمكن لهذا المنهج أن يستند إلى مفهوم السلطة عند الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، الذي يرى أن السلطة لا تقتصر على الحاكم فحسب، بل تتوزع في كل مكان: في الأسرة، والمؤسسات، والمجتمع، والثقافة. ووفق هذا التصور، لا ينحصر النقد السلطوي في نقد سلطة الدولة، بل يشمل جميع أشكال الهيمنة التي تُمارس في المجتمع، سواء من قبل الدولة أو القبيلة أو الأسرة أو المؤسسة.

كما يمكن توسيع نطاق هذا المنهج ليشمل المشكلات الناتجة عن استبداد السلطة أو فشلها، مثل:

سوء إدارة الحكم
الفساد
الاضطرابات السياسية
الحروب الأهلية والخارجية
تفشي الأمية والجهل
النزعات القبلية
انتشار الأمراض وسوء التغذية
ضعف البنية التحتية
الفقر
التبعية الاقتصادية والثقافية للغرب



ومن جهة أخرى، يمكن لهذا المنهج أن يقرأ تأثير سلطات الدول الكبرى، والشركات، والمؤسسات العابرة للحدود، التي تمارس هيمنة ناعمة على العالم من خلال الاستعمار الجديد، الذي يقوم على الغزو الاقتصادي والثقافي بدلًا من الاحتلال العسكري المباشر.

إن الصراع بين السلطة والشعب ليس حكرًا على العالم العربي، بل هو ظاهرة عالمية، ولهذا فإن المنهج المقترح يمكن أن يجد له صدى عالميًا بين النقاد المهتمين بقضايا التحرر والعدالة الاجتماعية.

ولأن قضية تغوّل السلطة هي قضية عربية بامتياز، ولها في الوقت ذاته بعد إنساني شامل، فإن "النقد السلطوي" يعد مثالًا حيًا على إمكان ابتكار منهج نقدي عربي حديث، يُسهم في قراءة النصوص ضمن سياق اجتماعي وسياسي وحقوقي.

إن قضايا العالم العربي كثيرة، وكل قضية منها تصلح أن تكون منطلقًا لمنهج نقدي ثقافي جديد. ولذا، أعتقد أن الوقت قد حان ليكون للنقاد العرب قضيتهم الخاصة التي يتبنونها ويسهمون من خلالها في خدمة مجتمعاتهم، فالكلمة الصادقة سلاح، و"خير الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى