د. علي زين العابدين الحسيني - (12) إرث النبلاء عبد العزيز معروف: أنيس الأزهر

(12) إرث النبلاء


حين تتابع الأسماء التي تتكرر أمامك في الساحة العلمية، فإن بعضها يمرّ مرّ الكرام، وبعضها يترك فيك أثرًا خفيًّا، لا تدري أهو من صدى الكلمة، أم من نبرة الحضور. وهكذا الأستاذ المحقق عبد العزيز معروف الأزهريّ فهو من هذا النمط الأخير. لم أسمعه يخطب، ولا رأيته يتصدّر المجالس -وهو أحق بذلك- لكنني رأيت اسمه يتسلل في هوامش التحقيقات، وفي طيّات المجلات التي تهتم بالتصوف، وفي أحاديث القوم الذين يهتمون بالتراث والمخطوطات، وهذه دلالة لا تخطئها العين: أن يكون لصاحب الاسم أثرٌ دون أن يسعى له، فذلك مقام لا يناله إلا الصادقون.

كان أول تعرّفي عليه عبر مجلة "الطريقة الصديقية" التي تصدر تحت إشراف أستاذنا المفتي السابق أ.د علي جمعة، وهي مجلة رقمية شهرية، تعتني بالمقالات التي تتحدث عن الجوانب الروحية والسلوكية، وكنت أحرص على تتبع أعدادها، وفي كلّ عدد كان اسم "عبد العزيز معروف" يظهر بهدوء ضمن أسرة التحرير، لكنه لا يمرّ دون أن يترك انطباعًا. وبعدها بدأت أراه موقّعًا على تحقيقات لبعض كتب التصوف، وكنت دائمًا أربط بين اسمه وبين هذا النوع من الانشغال العلمي الهادئ، غير المعلَن القائم على المحبة والمعرفة معًا.

ثمّ شاء الله أن نلتقي أخيرًا في مجلس من مجالس دراسة المذهب الشافعي بالقاهرة، حين قدم أستاذنا العلامة المحقق محمد عبد الرشيد مسليار المليباري إليها؛ ليشرح متن "قرة العين بمهمات الدين" للشيخ زين الدين المخدوم المعبري الفناني، وكان ذلك في "مؤسسة البيت المحمدي للتصوف" بالمقطم. هناك، رأيت الأستاذ عبد العزيز لأول مرة، ولم يحصل بيننا حديث مباشر في البدء، لكنّ صورته الذهنية كانت قد ارتسمت في ذهني: شاب أزهري، فيه مسحة صوفية، وعفوية آسرة، وطيبة متأصلة.
وحين تحدّثت إليه بعد ذلك وجدت في حديثه شيئًا مختلفًا، فالرجل لا يكلّف نفسه ما لا تطيق، ولا يحمل في كلامه استعراضًا أو رغبة في التصدّر، تشعر أنك تتحدث إلى أخٍ لك، لا يفصل بينكما حجاب الهيبة، ولا جدار التصنّع، وهذا النوع من الشخصيات نادر في الأوساط العلمية، حيث يغلب فيها –للأسف– التكلّف، والمنافسة، والحرص على الظهور.

وقد لفتني فيه أمران لا يفترقان: حسن الخلق، وسعة الاطلاع، أما الخلق فحدّث ولا حرج، فهو لطيف في تعامله، سريع الأُلفة، لا يُشعرك لحظة أنك غريب عنه. وأما الاطلاع فله باع واسع في كتب التصوف، واهتمام خاص بتحقيق التراث، ومعرفة دقيقة بدور النشر، وبالطبعات المحقّقة. وقد رافقته أكثر من مرة في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2025م، وكنت أرى فيه عينًا تلتقط، وذوقًا يميّز، وذاكرة تحفظ أسماء المحققين وأحوال الكتب وأخبار الناشرين.

ومن الأمور التي عمّقت تقديري له أنه يقرأ العلوم العقلية على عالم شاب من علماء الأكراد، رغم أن هذا الشيخ أصغر منه سنًّا كما حدثني. وهذه وحدها تكشف عن روح علمية خالصة، لا تعتد بالسن، ولا تتكئ على المظاهر، وإنما تبحث عن النبع، وتشرب منه حيثما وجد، وهذا الخلق ليس شائعًا في بيئة يغلب فيها التصنيف العمري والمكاني، ويكاد يختفي فيها التواضع العلمي.

وله مع الأدب العربي وأربابه صلةٌ عتيقة، فإذا قرأت بعض ما يكتبه وجدت أسلوبًا ناضجًا، ونَفَسًا يشبه أهل البيان، وله ورد يومي من كتب الجاحظ والرافعي وغيرهما من أرباب البيان العربي، وهذا وحده كافٍ لتفهم من أين تأتي سلاسته، ومن أي مدرسة يتغذى قلمه، وقد جلسنا مرة في أحد المقاهي المجاورة لمسجد سيدنا الحسين، وتحدّثنا عن الأدب وأهله، فشعرت أني أمام شخص لا يقرأ الأدب لمجرد الاستمتاع، ولكن ليُكمّل به روحه، ويُهذّب به عبارته.
وله في تفضيل الأدباء مقياسٌ أدبي يميل فيه إلى من يجمع بين عمق الفكرة وجمال الأسلوب، ويقدّم الصدق في التعبير على الزخرف اللفظي، ولا تغرّه الشهرة أو كثرة الإنتاج، وإنما يفتش عن حرارة الشعور ونقاء البيان، ويؤثر الكاتب الذي يكتب بقلبه على من يكتب بعينه وقلمه فقط.

وكان مما زادني تقديرًا له أنه قرأ عليّ نصوصًا أدبية كتبها ولم ينشرها بعد، فوجدت فيها أسلوبًا رائقًا، ونَفَسًا خاصًّا يشبهه، فكنت أحثه مرارًا على أن ينشرها في المجلات والصحف بانتظام لأسباب كثيرة، منها: أن الجماعة الأزهرية بعد رحيل كبار كتّابها، كشيخنا العلّامة محمد رجب البيومي، قد خفَت صوتها الأدبي، وقلّ عطر البيان فيها، ونحن أحوج ما نكون إلى أقلام شابة صاعدة، تُعيد إلى الكلمة الأزهرية ألقها، وتكون امتدادًا لتلك السلسلة المضيئة من أهل القلم.

وكنت أُصارحه بما لا أحب أن يخفى: إن كثيرًا من الكُتّاب اليوم قد اختلطت عليهم الأساليب، فلا يفرّقون بين المقال الأدبي والخطبة الوعظية، فصرت أقرأ لبعض أساتذة الأزهر مقالاتٍ أشبه بالخُطب، تتكرر فيها النبرات وتغيب فيها الصناعة، فأترحم على أولئك الكبار الذين تركوا لنا تراثًا كتابيًا راقيًا، يجمع بين الفكرة المضيئة والعبارة الأنيقة، وكنت أرى فيه، في هذه النصوص التي يقرأها عليّ قبسًا من ذلك الطريق.

وأمرٌ آخر أفسر به تلك الروح الشاعرية التي تلوح في بعض نصوصه، أنه كثيرًا ما يُصغي إلى القصائد الصوفية التي تُنشَد في حلقات الذكر، وهي قصائد إذا داوم المرء على سماعها، أحدثت في قلبه رنينًا شجيًّا، لا يلبث أن يدعوه إلى حفظها، فتتشكل لديه نفسٌ مرهفة، تطرب للفظ الجميل، وتتذوق المعنى الرفيع، وتأنس بلغة الروح قبل لغة العقل.

ومن هنا ينمو لديه الحسّ الأدبي، ويتفتح ذوقه، فينشأ عنده ميلٌ فطريٌّ إلى الأسلوب العذب، والعبارة المنتقاة، ولا يكاد يجد ما يُشبع هذا الميل إلا في رياض كتب الأدب، حيث الكلمة تصقل الذوق، والمعنى يهذب الروح.

يحمل الرجل في عينيه رِقة العارفين، وفي صدره حرارة المحبين، فإذا دخلت عليه وجدته كما هو، لا يتصنّع هيبة، ولا يُكثر من الصمت المصنوع، عفويّ في ضحكته، لكنه يعرف متى يسكت، ومتى ينظر إليك تلك النظرة التي تقول: هنا سرّ العلم، فلا تُضيّعه. وإذا أنجز تحقيق كتاب أنجزه بقلبه قبل قلمه، وإن أهداه لأحد أهدى معه شيئًا من ذاته، من محبته، من صبره.

وما أجمل مجالسه حين تطيب بالعلم، وتتخللها نُكاتٌ من تراث الأزهر، فأشهد أنه من أولئك الذين يوسّع الله بهم صدرَ العلم، ويُذكّر بك حضورُهم أن للعلم أُنسًا، وللطريق إليه رُفقاء، وأن في كل زاوية من زوايا الأزهر، ثمّة أنيس، إن فتّشت بعين المحبة.

ومن الطرائف الدالة على حسن خلقه أني كنت قد نشرت منشورًا علميًّا أعبّر فيه عن رأيي في من هم أحق بتدريس كتب الشافعية في هذا العصر، وكان رأيي لا يوافق ما عليه بعض السادة من آل الجفري. فلما حصل لقاء غير متوقّع بيني وبين السيد محمد بن علي الجفري، تملّكني شيء من التردد، لا عن نفور، وإنما حرصًا على ألا أُحرجه، فأنا أحب ألّا أوقع غيري في موقف ملتبس، خاصة إذا لم أدر يقينًا ما في صدره. والحق أن الحرج في مثل هذه المواقف ليس أمرًا عارضًا، لكنه شعور يتسرب خفية إلى الروح، ويجعل الكلمات تُوزن بميزان الذهب، والابتسامة تُحسب لها ألف حساب، إذ لا تدري أهي كافية لتذيب جليد موقف سابق، أم تزيده صقيعًا؟

وكنت لا أعلم ما تكون عليه ردة فعله، هل طوى الصفحة، أم بقي في قلبه شيء من ضيق؟ لكن عبد العزيز، بطبعه الطيب، ونفسه البريئة من الحرج والتكلف، لم يتركني أرتبك أو أطيل الوقوف على عتبة التردد، بل أخذ بيدي، وقدّمني إليه بوجه كله طلاقة، فكان اللقاء مفعمًا بالود، وقال لي السيد محمد: "كنت أود اللقاء بك". ولولا عبد العزيز، ولطفه الفطري، لما تم هذا اللقاء بهذه السلاسة، ولا انقلب الحرج المتوقع إلى لحظة ودّ صافية، ومصافحة طيبة، وحديث خفيف الروح.

وقد سعدت بلقاء السادة، وجلست معهم جلسة طيّبة، تذاكرنا فيها سير الصالحين، وتذكّرت معهم بعض مشايخي من السادة آل باعلوي، وشيئًا من سيرهم العطرة التي طالما نزلت على القلب بردًا وسلامًا، فمجالستهم تحيي في القلب المودّات القديمة، وتبعث فيه سكينة لا توصف.

ومن جميل برّه بأصحابه أنه أهداني يومًا بجوار مسجد "الشيخ صالح الجعفري" بالدراسة كتابًا للأستاذ الطلعة ياسر العريني Alaorainy Yasser، كتابًا لم تكن قيمته في مادته وحدها، وإنما في دلالته أيضًا، إذ دلّ على تقديرٍ عميق لصاحبه، ورغبة صادقة في أن يُعرَف الفضل لأهله.

قرأت الكتاب وأعجبني، فذكرت له أنه عمل يَستوقف القارئ، ويستحق أن يُكتب عنه، فما زال منذ ذلك اليوم يحثّني ويذكّرني، لا على جهة الإلزام، ولكن كما يُذكّر المحبُّ محبَّه بما يعود بالنفع على الجميع. ثم قال لي كلمةً لا تزال ترنّ في أذني: "الأستاذ ياسر عالم كبير، وأحب أن يأخذ وضعه".

وهي كلمةٌ كشفت عن معدن نفسٍ أصيلة، لا تنافس على موضع، ولا تضيق بذكر الآخرين، وإنما يطيب لها أن ترى النور ينساح من غيرها كما يسري منها. فكتبتُ يومها، لا وفاءً للأستاذ ياسر وحده، وإنما امتنان لتلك الروح التي أيقظت في القلب قيمة الوفاء:
"كثير من الكتب تُطبع، لكنها تمر دون أن يُلتفت إليها أو يُنوه بها، وكأنها لم تكن، فتغيب عن الأذهان وتُهمل على الرفوف. وما يزيد الأمر ألمًا أن بعض هذه الكتب قد يحمل فكرًا عميقًا، أو طرحًا جديدًا يستحق أن يُقرأ ويُناقش، لكنه يُدفن تحت وطأة الإصدارات المتلاحقة، أو يسقط في دائرة النسيان بسبب غياب التسويق أو عدم وصوله إلى جمهور القراء المستهدف.
ولا يعني تجاهل بعض الكتب ضعفها بالضرورة، لكنه يُبرز خللًا في آليات التلقي والتواصل الثقافي، حيث يُحتفى أحيانًا بما هو عابر وسطحي، ويُهمّش ما هو جدير بالبقاء، وما أكثر المؤلفات التي لم تأخذ نصيبها من العناية، لكنها تحمل بين طياتها زادًا فكريًا ومعرفيًا يُضيء الطريق لمن يبحث عنه.
وقبل أيامٍ قليلة أهداني صديقي العالم الجليل عبد العزيز معروف كتابًا قيّمًا للأستاذ ياسر العريني بعنوان: "بهجة النفوس بعودة القدس والصلاة في الأقصى المحروس". وما إن طالعته تلك الليلة حتى تبين لي مقدار الجهد الكبير الذي بذله المؤلف في تحقيقه واستقصاء تفاصيله، حيث أضاء صفحات الكتاب بشخصيات مؤثرة وأحداث تاريخية غاية في الأهمية، مما جعله أشبه بسجل تاريخي مفعم بالبحث العميق والرؤية المتبصرة.
وقد ازدانت صفحات الكتاب بمقدمة جليلة لفضيلة أستاذنا الدكتور علي جمعة، مما أضفى عليه مزيدًا من الجلال والرصانة العلمية. لم أستطع أثناء قراءتي لهذا الكتاب إلا أن أتأمل في الفارق الواضح بين من يخدم القضية الفلسطينية بصدق وعمل دؤوب، ومن يكتفي بالشعارات الرنانة والادعاءات الجوفاء.
هذا الكتاب في نظري يعدّ بحق منارة لمن أراد أن ينهل من معين المعرفة حول القدس، ويعد نموذجًا يحتذى به في الدفاع عن القضايا العادلة بالعلم والتحقيق.
لذا، وجدت من واجبي أن أشكر الأستاذ ياسر العريني على هذا العمل الجليل، وأن أنصح الأصدقاء والمحبين بقراءته والانتفاع بما فيه من علم غزير، وسأكتب قريبًا مقالًا مفصلًا لإبراز محاسنه وتسليط الضوء على ما يزخر به من فوائد". اهــ

تتجسّد في شخصية عبد العزيز معروف صورة الأزهري الأصيل، غير المنغلق، المترفع عن ضيق التحزبات، المتصل بروح الأزهر وأخلاقه، والمفتوح على المدارس العلمية الأخرى في العالم الإسلامي. أخذ من الهنود: اهتمامهم بالمذهب الشافعبي، ومن الأكراد: حب الفنون العقلية، ومن المغاربة: الجدّ والمثابرة في فك العبارات وقراءة الحواشي، لكنه ظلّ أزهريًّا في لسانه، وفي ملامحه، وفي خُلقه، وهذه الخلطة –في رأيي– لا تتكرر كثيرًا عند المصريين.

أما من الجانب الإنسانيّ فهو يتمتع بشخصية تحب الجميع، وتخدم الجميع، ولا تنتظر مقابلًا. يسأل عن أصدقائه، ويتابعهم، ويحب لهم الخير، ولو غاب أحدهم بادر إلى السؤال، ولو مرض كان أول المرسلين. وهذه الأخلاق لا تُكتسب من الكتب، وإنما تُربى في البيوت الطيبة، وتُسقى من معين التربية الصافية.

أحببته من حيث لا أشعر، وأحببت الكتابة عنه لأني شعرت أن من الوفاء أن أذكر فضل رجل يكثر من النفع. وقد استفدت منه كغيري علمًا، وأدبًا، وسمتًا، ومعرفة بأماكن المخطوطات، وارتحت لمجالسته، وتعلمت منه أن الصدق لا يحتاج إلى إعلان، وأن العلم لا يتناقض مع التواضع، فهو لا يكتمل إلا به.

ومن هذا الباب باب الوفاء أكتب عنه، لا لأمدحه، ولا لأقدّمه للناس، فهو معروف عند من يعرف، لكنه ممن تستبشر بهم، وتفرح أنهم يسيرون في طريق العلم وتحقيق التراث، يضيئون للناس، ويصبرون، ويثبتون.

هكذا هو عبد العزيز معروف… يمضي في درب العلم بخطى الواثق، ويزرع على جنباته زهرًا من الفرح والبساطة، كأنما اختلط في قلبه نور الأزهر وملح الدعابة، فانسكب في حديثه أثر لا يُنسى، وفي حضوره طَيب لا يُملّ. لا يُثقله العلم، ولا تُثقله الحياة، لكنه يحملها كما يحمل الصديقُ ظلّ صاحبه: خفيفًا، وفيًّا، وعذبًا.

وإذا كان للأزهر أن ينتقي من أبنائه من يُؤنِس به زمانه، ويُسرّي عن جفاف الحروف، فلن يُخطئ إن قال: هذا عبد العزيز معروف… أنيس الأزهر!

وليعدّ الأستاذ عبد العزيز هذا المقال عنوانَ محبة، وواجبَ شكر، لرجلٍ قدّم لي معروفًا هو أعلم به.

وإذا كنتُ قد كتبتُ عن أهل الفضل من مختلف الأقطار ممن عرفتهم أو صحبتهم، فإنّ حقّ الصحبة أوجب، والكتابة عن الأصدقاء الذين جمعنا بهم العلمُ والمجالسُ والطرائف أحقّ أن تُسطَّر، وأولى أن تُنشَر.

وهل نسعد في هذه الحياة إلا بوجودهم بيننا؟ وهل تُجمّل الأيامَ إلا تلك الوجوهُ التي إذا حضرت حضر معها السرورُ، وانزاح بها ثقلُ العيش؟ ومن هذا الباب أكتب عن عبد العزيز معروف الذي لقبته بــــــ"أنيس الأزهر".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى