شهادات خاصة عبدالرحيم التدلاوي - شهادة في حق المبدع والاخ الكريم سيدي محمد الإمامي :

محمد الإمامي ليس مجرد اسم في خارطة الشعر أو القصة، بل هو كيانٌ إبداعيّ وإنسانيّ متكامل، يصعب اختزاله في صفات محددة أو تصنيفات جاهزة. هو من أولئك الذين تمضي سيرتهم في الحياة جنبًا إلى جنب مع نصوصهم، فلا يمكن الفصل بين ما يكتب وما يعيش، بين القصيدة التي تنبض على الورق، والروح التي تُجسّدها في الواقع.
في لقاءاتي المتعددة مع هذا الرجل، لم ألمس فقط موهبة أدبية أصيلة، بل التقيت بإنسانٍ يحمل في داخله وعيًا نادرًا بأن الكلمة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل مسؤولية وأمانة، بلغةٍ راقية ونبرةٍ هادئة توحي بعمق داخلي لا يحتاج إلى ضجيج كي يُثبت حضوره. هو لا يلهث خلف المديح، ولا يتوق إلى الظهور، بل يترك أثره بصمت، كالماء الذي يسقي الأرض دون أن يطالب بشكر.
شخصيته، التي تتسم بالبساطة والتواضع، لا تنفصل عن مشروعه الإبداعي، بل هي جوهره. التواضع عند محمد الإمامي ليس موقفًا اجتماعيًا مؤقتًا، بل فلسفة حياة. هو شاعر يعرف أن الجمال الحقيقي لا يُصطنع، وأن الفن الأصيل لا يُروّج له بالصخب، بل يُبنى على الصدق والصفاء. في حديثه، كما في نصوصه، تميل النبرة إلى الخفوت، لكنك سرعان ما تكتشف أن خلف ذلك الصوت الهادئ، ثمة عمق فكري وثقافي وروحي لا يمكن تجاهله.
في كتاباته، يظهر التزامه العميق بالقيم النبيلة، حيث تنأى نصوصه عن الابتذال، وتتحرر من شوائب السوق الأدبي السائد، لترتفع إلى مدارات الطهر والجمال. قصائده تمثل امتدادًا لتقليد طويل من الشعراء الذين رأوا في الأدب وسيلة لترقية الوجدان الإنساني، لا مجرد أداة للتسلية أو التفاخر. هو من أولئك الذين يكتبون كما يُصلّون، بكامل الحضور والنية، فيلتقي في شعره الجمالي بالأخلاقي، ويصهر الإيقاع بالمعنى في بوتقة واحدة لا تنفصل فيها التقنية عن الروح.
وفي مدائحه النبوية، أو في قصصه ذات النزعة التأملية، تبرز سمة أساسية: تطهير اللغة، ليس فقط من الألفاظ الفاحشة، بل أيضًا من الأهواء العابرة. هو يكتب بنَفَسِ مَن يطمح إلى تهذيب الذائقة، لا دغدغة الغرائز، واضعًا نصب عينيه أن الكلمة يجب أن تُضيء، لا أن تُطفئ، وأن تُنير القلوب قبل أن تُبهر العيون.
بعيدًا عن الورق، يتجلى محمد الإمامي كصورة حيّة للمبدع المسؤول. يقدّم أعماله كهدايا للأصدقاء، لا يتعامل مع الكتابة كبضاعة، بل كعطاء لا يُنتظر منه مقابل. وفي مواقفه اليومية، ترى ذلك الإيمان العميق بأن الأدب ليس ترفًا، بل ضرورة أخلاقية، ورسالة إنسانية يجب أن تُعاش قبل أن تُكتب. يسارع إلى المساعدة، يُنصت أكثر مما يتكلم، ويؤمن أن المبدع الحقيقي هو من يزرع أثرًا لا من يلاحق الأثر.
ومثلما تتحرر نصوصه من الادّعاء، تتحرر إنسانيته من كل مظهرية. هو مزيج نادر من الحضور الخافت والتأثير العميق، كأنّه يسير في الحياة بهدوء، لكنه يترك خلفه أثرًا لا يُمحى. في قصصه القصيرة، كما في دواوينه الشعرية، نلمح ذلك الصدق الذي يجعل القارئ يشعر أن النص ليس فقط تجربة أدبية، بل لحظة إنسانية خالصة.
ما يميز محمد الإمامي، في النهاية، هو هذا الانسجام المدهش بين ما يكتب وما يعيش. لا تناقض بين النص والسلوك، بين الجمال الفني والسمو الأخلاقي، بل وحدة نادرة تُشعرك أن هذا الشاعر لا يرى في الأدب مهنة، بل قدرًا، وأنه لا يكتب ليُعجب الآخرين، بل ليكون جديرًا بما يحمله من إيمان بالجمال، بالحقيقة، وبالإنسان.
هو شاعر، نعم، وهو قاصّ، ومهندس، ومثقف عضويّ، لكن كل هذه الألقاب تتضاءل أمام لقبه الأهم: الإنسان. الإنسان الذي يكتب كما يعيش، ويعيش كما يؤمن، ويؤمن بأن الحروف، إن لم تُسهم في بناء عالم أجمل، فهي مجرد حبرٍ لا وزن له.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى