د. أحمد الحطاب - وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ

عنوان هذه المقالة هو الآية رقم 21 من سورة الحجر. والآن، دعونا نُحلِّل هذه الآية الكريمة بشيءٍ من التَّدبُّر وبعد النظر. "وَإِن مِّن شَيْءٍ" تعني كل الأشياء الموجودة على سطح الأرض، حية وغير حية، مادية و معنوية، أي الأشياء التي يُدرك أو يَعِي وجودَها العقلُ البشري.

والأشياء المادية والمعنوية هي تلك التي، بدونِها أو في غيابِها، لا تستقيم الحياة اليومية للناس. والأشياء المادية والمعنوية التي، بدونِها، لا تستقيم الحياة اليومية للناس، يمكن تصنيفُها إلى أشياء ضرورية للحياة، بالمعنى البيولوجي، ثم إلى أشياء ضرورية للحياة الاجتماعية.

من بين الأشياء المادية الضرورية للحياة، بالمعنى البيولوجي، أذكر على سبيل المثال الهواء (ملموس وغير مرئي)، الطعام بجميع أنواعِه، الماء، الفواكه، الخُضر… ومن بين الأشياء المعنوية التي، هي الأخرى، ضرورية للحياة، بالمعنى البيولوجي، أذكر على سبيل المثال، راحةَ النفس والبال، الطمأنينةَ، الأمان، الهدوء، السعادة، الفرح…

أما الأشياء المادية الضرورية للحياة الاجتماعية، فهي كثيرة، ومنها ما هو طبيعي، أي تُوفِّره الطبيعة كالمعادن بمختلف أنواعها والتُّربة والخشب والفحم والنفط والماء والبحر والصخور… ومنها ما هو من صُنع الإنسان انطلاقا من ما تُوفِّره الطبيعة من موارد مختلفة. أما من بين الأشياء المعنوية الضرورية للحياة الاجتماعية، أذكرُ على سبيل المثال التَّساكن، التَّعايش، التسامح حُسن الجوار، الصدق، الاستقامة، العدل، الإنصاف…

"إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ" تعني، حسب المنطق البشري، أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يتوفَّر على مخزونات (احتياطات) من كل الأشياء الحية وغير الحية، المادية والمعنوية، أي كل ما هو ضروري للحياة البيولوجية والاجتماعية.

"وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ" تعني، كذلك حسب المنطق البشري، أن اللهَ، سبحانه وتعالى، ينقل الأشياءَ المخزونةَ من السماء إلى الأرض لكن ينقلها حسب حاجة الناس إليها.

لكن عندما نقرأ القرآنَ الكريمَ، نلاحظ أن الشيءَ المادي ألذي يُنَزِّلُهُ أو يُنْزِلُه اللهُ، سبحانه وتعالى، من السماء إلى الأرض، هو الماء (المطر)، إضافةً إلى أشياء معنوية كالرحمة والطمأنينة وراحة النفس والفرح والرعب والخوف…

ومن جهةٍ أخرى، لم يسبق للبشرية، منذ ظهورها على وجه الأرض، أن لاحظت أن السماءَ أمطرت الأشياء المادية الضرورية للحياة الاجتماعية. ولو كان هذا الإمطارُ ممكنا لورَدَ في القرآن الكريم، علماً أن الشيءَ الوحيدَ الذي ينزل من السماء إلى الأرض هو المطر، كما سبق الذكرُ. فماذا نستنتِجه من هذا التَّحليل؟

ما نستنتِجه من هذا التَّحليل، هو أن الآيةَ التي هي عنوان هذه المقالة، لا يجب، على الإطلاق، تفسيرُها حرفياً littéralement. وإن فسَّرناها حرفيا، فهذا معناه أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يتوفَّر، في مكان ما، على مخزونات كل الأشياء المادية والمعنوية. وهذا شيءٌ مُستبعدٌ لأنه، عزَّ وجل، يقول في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم "إنه على كل شيءٍ قدير" وله القدرة على "أن يخلق ما يشاء". إذن، لا بدَّ من ربط الآية التي هي عنوان هذه المقالة بالآيات التي يُشيرُ فيها، سبحانه وتعالى، للخلق. فما هي أجزاءُ الآية، التي هي عنوان هذه المقالة والتي لا يجب تفسيرُها حرفيا؟

حسب ما تيسَّر لي من تَدبُّر هذه الآية الكريمة، فإن هذه الأخيرة تنقسم إلى جزئين: الجزء الأول هو "وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ". أما الجزء الثاني، فهو "وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ". الجزءُ الأولُ يمكن تفسيرُه حسب اتجاهين مختلفين، أي على النَّحوِ التالي :

ما تبيَّن لي من الأتِّجاه الأول، هو الآتي : لما خلق اللهُ، سبحانه وتعالى، الأرضَ، بثَّ (خَلَقَ) فيها كل الأشياء المادية (الخيرات) وبثَّ الأشياءَ المعنويةَ في عقل الإنسان، علماً أن هذه الأشياء المادية والمعنوية هي التي، من شأنها، أن تُسهِّلَ حياةَ البشر على البُعدَين البيولوجي والاجتماعي. وخيراتُ الأرض كثيرة، بل لا حصرَ لها. وهي النِّعم المشار إليها في القرآن الكريم في الآية رقم 18 من سورة النحل : "وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ".

وإلى يومنا هذا، كل ما يحتاجه الإنسان لضمان حياتِه البيولوجية والاجتماعية، مأخوذ من الطبيعة. بل قد بيَّنت الدراساتُ والأبحاثُ العلميةُ أن المُحِبطات والبحار، فضلاً عن غِناها بالأسماك والعَلَق النباتي الذي يلعب دورا مهِمّاً في تزويدِ الجو بالأكسيجين، تزخر باحتياطات مهمة من النفط والمعادن. ولهذا، فعندما يقول، سبحانه وتعالى، "وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ"، قد يُقصَد ب"خَزَائِنُهُ"، ما يختزنُه باطنُ الأرض (البر) والمُحِيطات والبحار من خيراتٍ ونِعَمٍ.

أمّا ما تبيَّن لي من الاتِّجاه الثاني، هو اقتِرانُ "وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ"، بالقدرة الإلهية على الخلق انطلاقا من عدمٍ أو من أشياء موجودة في الكون (السماوات والأرض).

وقدرة الله، سبحانه وتعالى، على الخلق من عدمٍ، أشارَ لها، عزَّ وجلَّ، في الآية رقم 117 من سورة البقرة : "بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ" (البقرة، 117).

وقدرة الله على الخلقِ لا حدَّ لها، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى، في الآية المُوالِية رقم 49 من سورة الشورى : "لِّلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ".

وأما الجزء الثاني من الآية التي هي عنوان هذه المقالة، أي"وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ"، لا يجوز تفسيرُه حرفيا. والكلمة التي لا يجوز تفسيرُها حرفياً، على الأخص في هذه الآية، هي "نُنَزِّلُهُ". وإذا فسرناها حرفياً، فهذا معناه أن كل الأشياء المادية التي يتوفَّر عليها، سبحانه وتعالى، في "خَزَائِنُهُ"، تنزل من السماء. وقد وضَّحتُ أعلاه أن الشيءَ المادي الوحيد الذي يُنزِّله، سبحانه وتعالى، من السماء هو المطر (الماء).

إذن، "نُنَزِّلُهُ" تعني نضع الأشياء في متناول الإنسان ليستفيدَ منها أو من مزاياها أو من خاصياتِها. والقرآن الكريم يتحدَّث عن تسخير الأشياء، أي إذلالُها وإِخضاعُها لحاجيات الإنسان. أما "إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ"، فتعني "حسب ما يضمن توازنَ الكون سماءً وأرضاً" selon ce qui garantit l'équilibre de l'univers, ciel et terre. لماذا؟

لأن كلَّ مُكوٍّنٍ من مُكوِّنات الكون يوجد في هذا الأخير حسب كمية معيَّنة. بل يوجد في محلِّه (مكانِه) المُحدَّد له مسبقا. وخاصيات هذا المُكوِّن، الفيزيائية والكيميائية، إضافةً إلى كِمِّيتِه المعيَّنة، هي الأشياء التي تضمن توازنَ الكون les propriétés physiques et chimiques de ce composant sont les choses qui garantissent l'équilibre de l'univers. لماذا؟

لأن العلمَ الحديثَ بيَّن، بكل وضوح، على الأقل فيما يخُصُّ كوكبَ الأرض، أن جميع مُكوِّناته توجد، براًّ، بحراً وسماءً، حسب كميات مُعيَّنة selon des quantités déterminées بحيث لا تطغى كِمِّية أيُّ مُكوِّنٍ على الكمِّيأت الأخرى afin qu'aucune quantité de n'importe quel composant ne dépasse les autres quantités. وهذا هو التوازن الذي تحدَّث عنه العِلم الحديث بإلدلائل القوية que la science contemporaine (moderne) a largement décrit preuves à l'appui.

وهو الشيء الذي فطِن له العقل البشري وأحدث من أجله مقولةً شعبية، هذا هو نصُّها: "إذا زاد الشيءُ عن حدِّه، انقلب إلى ضده". وهو ما يمكن تفسيرُه، حسب ما تقتضيه المقالة الحالية، ب"إذا طغت كِمِّيةُ مُكوِّنٍ من مُكوِّنات الأرض (الطبيعة أو البيئة) على كمِّيأت المُكوِّنات الأخرى، سيختل التوازن l'équilibre va être perturbé. وطُغيان كمِّية مُكوِّن من مُكوِّنات الطبيعة أو البيئة، في غالب الأحيان، سببُه تصرُّف الإنسان، أي كل ما يقوم به الإنسانُ من أنشطة داخلَ الطبيعة أو البيئة. وهو ما أشار إليه القرآن الكريم ب"الإسراف"، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" (الأعراف، 31).

ما هو مُهمٌّ، في هذا الآية، هو "إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" ليس فقط في الأكل، بل في كل الأشياء، ما دام، عزَّ وجلَّ لم يُبيِّن لنا ما هي نوعِية المُسرفين. الإسرافُ في الأكل فيه ضررٌ لجسم الإنسان، وفيه ضرر للبيئة، من خلال التَّبدير le gaspillage.

وفي الختام، ما يمكن استنتاجُه من تحليل الآية التي هي عنوان هذه المقالة، هو أن القرآنَ الكريمَ كل مُتكاملُ لا يقبل فصلَ آياتِه التي تتحدَّث عن نفس الموضوع، بعضها عن البعض الآخر. بل يجب تِعدادُها ومقارنةُ مُحتوياتِها لإدراك ما يريد، سبحانه وتعالى، إصالُه لنا نحن البشر il faut les énumérer et comparer leurs contenus pour saisir ce que Dieu veut nous transmettre. علما أن التفسيرَ الحرفي لآيات القرآن الكريم، هو الذي جعل علماءَ وفقهاءَ الدين الأولين يسقطون في كثير من الأخطاء التي اعتمدها هؤلاء الأولون وجعلوا منها أسُساً للتراث الفقهي الإسلامي. لماذا؟

لأن خلفياتِِ علماء وفقهاء الدين القدامى، الفكرية، الاجتماعية والثقافية تختلف جدرياً عن خلفياتِنا، نحن البشر المُعاصرين. لماءا؟

لأننا نعيش في عصرٍ سِيمتُه الأساسية هي التَّقدُّم العلمي والتِّكنولوجي. وبالتالي، لا يمكن، على الإطلاق، أن ننظُر للكون (السماوات والأرض) ومُكوِّناته بنفس الطريقة الفكرية التي اعتمدها العلماء والفقهاء القدامى في نظرتِهم لهذا الكون.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى