علي منصور - كعب بن مالك ومقتل ذي النورين

(1)
في لسان العرب كعْبٌ: اسم رجل، وكل شىءٍ علا وارتفع فهو كعبٌ، والفتاة ينهد ثديها فهي كاعب، والجمع منها كواعب، قال تعالى في سورة النبأ يصف نساء الجنة " وكواعب أترابا". وكعب الإنسان: ما أشرف فوق رسغه عند قدمه. قال ابن الأثير: الكَعْبانِ العظمانِ الناتئانِ، عند مَفْصِلِ الساقِ والقَدم، عن الجنبين. ويعد كعب بن مالك، ورفيقاه: حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، أشعر ثلاثة شعراء بين صحابة النبي صلى الله عليه وسلم. وديوان كعب بن مالك الأنصاري متاح الآن في أكثر من دراسة وشرح وتحقيق(1). لكننا هنا نتناول طرفا من سيرة كعب وبعضا من شعره نستضىء بهما زمنا حرجا ونتأمل بهما أحداثا مفصلية ونخلص منهما لوجهة نظر قد تكون مهمشة تاريخيا، أو مهملة في الوعي الجمعي، أو مسكوتا عنها بفعل فاعل بينما نحن في أمس الحاجة إليها من أجل فهم واقعنا الراهن، وتحليل الأحداث التي تعصف بنا منذ سنين.
قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، كان نور الإسلام قد سبقه إليها، مع مصعب بن عمير، وسكن قلوب نفر من أهل يثرب، من الأوس والخزرج. من هؤلاء: أبو أمامة، أسعد بن زرارة، والبراء بن معرور، وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، وكعب بن مالك. يقول عبد الرحمن بن كعب: كنت أقود أبي (كعب بن مالك) حين فقد بصره، فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة، فسمع الآذان بها صلى على أبي أمامة، أسعد بن زرارة، فقلت يا أبت مالك إذا سمعت الآذان بالجمعة صليت على أبي أمامة؟ فقال: أي بني، كان أول من جمّع بنا بالمدينة (أى صلى بنا الجمعة) في هزم من حرة بني بياضة، يقال له بقيع الخضمات. قلت له: كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلا.(2)
ويحكي كعبٌ بن مالك نفسه في سياق قصته عن بيعة العقبة الكبري فيقول: "خرجنا في الحجة التي بايعنا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة مع مشركي قومنا، ومعنا البراء بن معرور، كبيرنا وسيدنا، حتى إذا كنا بظاهر البيداء قال: يا هؤلاء، تعلمن أني قد رأيت رأيا، والله ما أدري توافقوني عليه أم لا؟ فقلنا: وما هو يا أبا بشر؟ قال: إني قد أردت أن أصلي إلى هذه البنية (يقصد الكعبة)، ولا أجعلها مني بظهر. فقلنا: لا والله لانفعل، والله ما بلغنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم يصلي إلا إلى الشام (يقصد بيت المقدس). قال: والله لأني لمصلي إليها، فكان إذا حضرت الصلاة توجه إلى الكعبة وتوجهنا إلى الشام حتى قدمنا مكة، فقال لي البراء: يا ابن أخي، انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أسأله عما صنعتُ في سفري هذا، فلقد وجدت في نفسي منه بخلافكم إياي. قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقينا رجلا بالأبطح فقلنا: هل تدلنا على محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟.. فقال: هل تعرفانه إن رأيتماه؟ فقلنا: لا والله ما نعرفه، ولم نكن رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هل تعرفان العباس بن عبد المطلب؟ فقلنا نعم. وقد كنا نعرفه، كان يختلف إلينا بالتجارة، فقال: إذا دخلتما المسجد فانظرا العباس، فهو الرجل الذي معه. قال: فدخلنا المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم والعباس جالسين. قال فسلمنا ثم جلسنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ فقال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك. ثم يقول كعب: فوالله ما أنساها، قولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشاعر؟ قال العباس: نعم.(2)
نخلص من ذلك بأمرين: الأول أن كعب بن مالك هو من السابقين الأولين من الأنصار يشمله قول الحق في سورة التوبة، الآية 100 "وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ". والثاني أن كعب بن مالك كان شاعرا معروفا في يثرب، سمع به النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يراه، وفرح كعب فرحا جما بقولة النبي عنه: الشاعر؟ وأنا أحب مذاق مثل هذه الفرحة.
ونسب كعب بن مالك يعود إلي بني سلمة، من قبيلة الخزرج التي نزحت من اليمن مع أختها الأوس التي يعود إليها نسب عبد الله بن رواحة، ونزلتا بيثرب عقب سيل العرم الذي ضرب سد مأرب. واستنادا إلى ما ذكرته المصادر من أن كعبا كان في السابعة والسبعين من عمره حين وافته المنية سنة خمسين خلت من الهجرة، في قول، وفي قول آخر لإحدى وخمسين خلت من الهجرة، فيمكننا القول أن كعبا ولد سنة ست وعشرين قبل الهجرة أو سنة سبع وعشرين قبل الهجرة.
وحينما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار كان كعب بن مالك وطلحة بن عبيد الله أخوين. وكعب بن مالك شهد أحدا وطعن فيها طعنات، وكان قد تخلف عن بدر ، لا عن عمد وانما لم يحسب أن المسلمين سوف يحاربون، وظن أنها العير ليس إلا. وهو ثالث الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك، هلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، ثم تاب الله عليهم، وأنزل فيهم قرآنا كريما في سورة التوبة: " وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ" الآية ـ118
ويحكي كعب عن ذلك فيقول: سمعت صوتَ صارخٍ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك ابشر، فخررتُ ساجدا وعرفت أن قد جاء الفرج. ويقول كعب: فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك يومئذ غيرهما، فاستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا يهنؤوني بالتوبة. حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يهرول، حتى صافحني وهنأني. يقول كعب والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة.
ولا أنا أنساها كذلك، ألم نقل قبل قليل ( وحينما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار كان كعب بن مالك وطلحة بن عبيد الله أخوين).
(2)
قلنا أن ثلاثة هم الأشهر بين صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في قرض الشعر: حسانُ بن ثابت، وكعبُ بن مالك، وعبدُ الله بن رواحة. والثلاثة من الأنصار، اثنان من الخزرج، حسان وكعب، والثالث من الأوس، عبد الله بن رواحة. عمّر الإثنان الخزرجيان حتى مقتل عثمان رضي الله عنه، في شهر ذي الحجة سنة 35 من الهجرة، وعاشا حينا بعد مقتل ذي النورين فشهدا الصراع بين علي بن أبي طالب وشيعته من ناحية وبين باقي الصحابة المنادين بالقصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه أمثال عائشة أم المؤمنين وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وزيد بن ثابت وأبي هريرة ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وغيرهم من ناحية أخرى. كان موقف حسان بن ثابت وكعب بن مالك هو ذاته موقف الصحابة المنادين بالقصاص لدم عثمان ورفعا شعار يا لثارات عثمان، حتى إنهما لم يبايعا عليا بن أبي طالب على الخلافة وبايعا معاوية بن أبي سفيان أميرا للمؤمنين. أما الأوسي عبد الله بن رواحة فقد استشهد في معركة مؤته، في السنة الثامنة من الهجرة، فلم يشهد فتنة يوم الدار، يوم تآمر الغوغاء الذين أتوا من مصر على رأسهم الغافقي بن حرب وعبدالله بن سبأ، ومن الكوفة وعلى رأسهم عمرو بن الأصم وزيد بن صوحان، ومن البصرة وعلى رأسهم حرقوص بن زهير وحكيم بن جبلة، أولئك الذين تآمروا جميعا على عثمان بن عفان رضي الله عنه في داره قرب مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في شهر الله الحرام، ذي الحجة سنة ثلاثون وخمس خلت من هجرة النبي الكريم، إما أن يخلعوه من الخلافة وإما أن يقتلوه. وذلك بحجج واهية الظاهر منها أنه رضي الله عنه يحابي أقاربه، وأنه يحرق المصاحف ، وغالى البعض منهم واتهمه بالكفر بينما الباطن من ذلك كله هو أنهم أرادوا أن يتخلصوا من السد المنيع الذي وقف عقبة راسخة تحول بينهم وبين تنفيذ مخططهم السري ألا وهو تحريف القرآن الكريم.
قال كعب بن مالك في يوم الدار، يوم قتل عثمان رضي الله عنه:
كفَ يديه ثم أغلقَ بابه وأيقنَ أن الله ليسَ بغافلِ
وقال لمن في داره لا تقاتلوا عفا الله عن كلّ امرئ لم يقاتلِ
فكيف رأيت الله صبّ عليهم العداوة والبغضاء بعد التواصلِ
وكيف رأيت الخير أدبر عنهم وولى كإدبار النعام الجوافلِ
كان كعب بن مالك يرى أن عثمانا قتل مظلوما، وكان يرى ضرورة القصاص من قتلته قبل مبايعة الخليفة الجديد، لذا لم يبايع عليا خليفة للمؤمنين مثله مثل حسان بن ثابت، وأبي هريرة، وعائشة أم المؤمنين، وطلحة والزبير، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان وكثيرين غيرهم من الذين احتشدوا في الدار يدافعون عن خليفة المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه مثل محمد بن مسلمة ومروان بن الحكم والمغيرة بن الأخنس والحسن بن علي وغيرهم يدفعون القتلة أتباع عبد الله بن سبأ الذين جاؤوا من مصر والكوفة والبصرة يرجفون الأراجيف في مدينة رسول الله.
وقال كعب في مقتل عثمان رضي الله عنه:
قتلُ الخليفة كان أمرا مفظعا قامت لذاك بليةُ التخويفِ
قتلُ الإمام له النجومُ خواضعٌ والشمسُ بازغة له بكسوفِ
يا لهف نفسي إذ تولوا غدوة بالنعش فوق عواتقٍ وكتوفِ
وقال كعب يخاطب الأنصار في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ينكر عليهم خذلان الخليفة وعدم الدفاع عنه:
من مبلغ الأنصار عني آية رسلا تقص عليهم التبيانا
رسلا تخبركم بما أوليتمُ أن البلاء يكشف الإنسانا
أن قد فعلتم فعلة مذكورة كست الفضوح وأبدت الشنآنا
بقعودكم في داركم وأميركم تحشى ضواحي داره النيرانا
بينا يرجي دفعكم عن داره ملئت حريقا كابيا و دخانا
حتى إذا خلصوا إلى أبوابه دخلوا عليه صائما عطشانا
ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أن المسلمين حين أردوا دفن عثمان بن عفان رضى الله عنه أبى عليهم القتلة ذلك، فقرروا دفنه خفية، وقيل استؤذن في ذلك بعض رؤسائهم، فخرجوا به في نفر قليل من الصحابة، فيهم كعب بن مالك.
وتجمع الروايات على أن كعبا كان من بين الذين احتشدوا داخل الدار أيام الحصار من الصحابة وأبناء الصحابة، وقيل إنه شهر سيفه دفاعا عن ذي النورين ولم يغمده إلا بعد أن ناشدهم رضي الله عنه أن يغمدوا سيوفهم.

علي منصور



المصادر
(1) ديوان كعب بن مالك الأنصاري، دراسة وتحقيق: سامي مكي العلي، منشورات مكتبة النهضة، بغداد، 1966، وديوان كعب بن
مالك الأنصاري، تحقيق وشرح مجيد طراد، دار صادر، بيروت، 1997.
(2) السيرة النبوية لابن هشام، دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة، 1990

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى