د. أحمد الحطاب - هل القرآن الكريم الذي نزل بلسانٍ عربي مبين يتنكَّر للغات الأخرى؟

كثيرٌ من الناس يعتقدون اعتقادا راسخاً بأن اللهَ، سبحانه وتعالى، عندما ينزِّل كتابا من كتُبه على الأنبياء والرُّسل بلغة أقوامهم، فهذا تفضيلٌ منه، عزَّ وجلَّ، لتلك اللغة. وهذا هو ما يعتقده بعضُ عامة الناس وحتى بعضُ علماء وفقهاء الدين. فإنهم يظنون أن نزولَ القرآن الكريم بلسان عربي مبين، هو تفضيلٌ إلهي للغة العربية.

واللهُ، سبحانه وتعالى، يقول في الآية رقم 22 من سورة الروم : "وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ". في هذه الآية الكريمة، الله، عزَّ وجلَّ، يُخبرنا بأن خلقَ الكون (السماوات والأرض) واختلافَ الألسِنة (اللغات) وألوان بشرة الناس، آياتُ، أي علامات تبيِّن لنا قدرتَه العظيمة على الخَلقِ. والدليلُ على ذلك، إنه، سبحانه وتعالى، يقول "إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ"، أي لجميع الناس، الحاليين والذين سيأتون من بعدهم.

لو كان، سبحانه وتعالى، يفضِّل لغةً على أخرى، لقال عِوضَ "وَاخْتِلَافُ" "وتفضيل". لماذا؟ لأن اللهَ، سبحانه وتعالى، لا يمكن أن يتناقضَ مع نفسه، إذ هو الذي قال في الآية رقم 70 من سورة الإسراء : "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا".

فهل يُعقل أن يُكرِّمَ اللهُ، عزَّ وجلَّ، بني آدم (كل الناس) ويفضِّلهم على كثيرٍ من مخلوقاتِه الحية، ثمَّ يُفضِّل البعضَ منهم على الآخرين بسبب ألسِنتِهم (لغاتهم) أو لون بشرتِهم؟ اللهُ عدلٌ ومُقسِطٌ، وبالتالي، لا يمكن، على الإطلاق، أن يُفرِّقَ بين مخلوقاته البشرية.

ثم، لا يخفى على المُهتمِّين باللغات أن أيةَ لغة، كيفما كانت، فقيرة أو غنية بالكلمات، وتتوفَّر على مستوى عالي من البلاغة ومُتماهية مع الواقع المُعاش، هي، أولا وقبل كل شيء، وسيلة للتواصل بين أفراد المجتمعات. والتَّواصل يمكن أن يحدُثَ بين عامة الناس، كما يمكن أن يحدُثَ بين العارفين بأمور الدنيا، المادية والمعنوية.

فإذا حدثَ بين عامة الناس، فإنه يعتمِد على القيل والقال les commérages، على التَّنمِيط la stéréotypie وعلى الأحكام المُسبقة les préjugés. وإذا حدث بين العارفين، فله مناهجُه وطُرُقُه. ولغة الكُتُب المُنزَّلة على الرسل موجَّهة لفئة العارفين بأمور الدنيا، المادية منها والمعنوية، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ" (ص، 29).

في هذه الآية الكريمة، "أُولُو الْأَلْبَابِ" هم العارفون بأمور الدنيا، المادية والمعنوية والذين يُشغِّلون عقولَهم لإدراك، من خلال التَّدبُّر، ما أراد الله، عزَّ وجلَّ، أن يوصلَه لنا.

وللتَّذكير، فإن التوراة نزلت على موسى، عليه السلام، بلغة بني إسرائيل، أي العبرية. أما الإنجيل، فنزل على عيسى، عليه السلام، بلغة قومه، أي الآرامية. والقرآن الكريم نزل على آخِرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص) بلسان عربي مبين، أي باللغة العربية التي كانت سائدةً في عهد الرسول (ص) والتي كانت في متناوُلِ المجتمع العربي القريشي وما جاوره.

وفي موضوع نزول الكُتُب السماوية على الرسل بلغة أقوامِهم، يقول، سبحانه وتعالى : "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (إبراهيم، 4). ولهذا، فنزول الرسالات السماوية بلغة أقوام الرسل، ليس تفضيلاً لهذه اللغة أو تلك. بل إنه تسهيلٌ لإدراك محتوى هذه الرسالات من طرف الناس الموجَّهة إليهم.

ولهذا، فكل ما يُروِّحه بعض الناس، ومنهم بعض علماء وفقهاء الدين، حول اللغة العربية بأنها أشرف اللغات وافصحها… مُجانِب للصواب. بل إنها أفكار تغلب عليها العاطفة وشيءٌ من الشوفينية le chauvinisme الدينية. ثم، هل يوجد شعبٌ لا يفتخر بلغته؟ لماذا؟

لأن اللغة هي الدعامة الأساسية التي تحمل المعرفة والقيم والثقافة والآداب والفنون والعادات والعلوم والحضارة… وهي التي توصِل كل هذه الأشياء للآخرين، عبر التَّرجمة. علما أن عدد اللغات، في العالم حالياً، يناهز 7000 لغة. وإذا أضفنا لها مختلف اللهجات، سيُصبح العددُ خياليا.

ولا داعيَ للقول أن بعض الناس ذهبوا إلى حدِّ تقديس اللغة العربية، فقط لأنها لغة القرآن الكريم الذي أنزله، سبحانه وتعالى، على آخِرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص) لينشُرَ الدين الإسلامي.

والحقيقة، كل الحقيقة، هي أن نزولَ الرسالات السماوية على الرسل بلغة أقوامهم، كما سبق الذكرُُ، هو جعل مضامين هذه الرسالات في متناول إدراكِ/فهمِ العقول البشرية. وبعبارة أوضح، تنزيل الرسالات السماوية، هو بمثابة تسهيلٍ لإدراك ما أراده اللهُ، سبحانه وتعالى، من خيرٍ للناس من خلال تنزيل هذه الرسالات.

هل القرآن الكريم الذي نزل بلسانٍ عربي مبين يتنكَّر للغات الأخرى؟ لا، أبدأ! الله، سبحانه وتعالى، كرَّم بني آدم وفضَّلهم على كثير من مخلوقاته، لا يمكن، كما سبق الذكر، أن يتناقض مع نفسه.

غير أنه من حق كل الشعوب أن تفتخر بلغاتها. لكن هذا الافتخارَ لا يجب، على الإطلاق، ربطُه بأمور دينية. بل يجب ربطُه بقدرة اللغة على مسايرة العصر، وخصوصا، على قدرتها في الانخراط في إنتاج العلوم الدنيوية والتكنولوجيات. لكل سامع عاقل تحية à bon entendeur salut.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى